المغرب
ثقافة

الهداية والضلال: رحلة بين المشيئة الإلهية والاختيار البشري

العمق المغربي12 أكتوبر 2026 في 13:580 مشاهدة
الهداية والضلال: رحلة بين المشيئة الإلهية والاختيار البشري

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الهداية والضلال وفق نظرية المشيئة في القدر" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 12 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مقال سابق نُشر على هذه المنصة، تطرقنا إلى مفهوم كتابة القدر وفقًا لـ "نظرية المشيئة"، موضحين أنواعها وأوقاتها ووظائفها المتعددة. هذا التقسيم يختلف عن ما استقر عليه الأمر في "نظرية العلم" التي ترى في تعدد الكتابات مجرد استنساخ لما هو مكتوب في اللوح المحفوظ من علم أزلي. في هذا المقال، سنتوقف عند مسألة الهداية والضلال، لنبين مصدرهما وأساس استثمارهما واستمرارهما. فبينما تقسم الهداية في نظرية العلم إلى أربعة أنواع، فإنها في نظرية المشيئة تنقسم إلى خمسة أنواع. ويشكل هذان الموضوعان معيارًا فكريًا أساسيًا لفهم حقيقة القضاء والقدر.

من رحمة الله بالإنسان أنه زوده بالعقل، وأنزل لأجله الوحي، وأرسل إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، داعيًا إياه إلى الحق ومحذرًا من الباطل، ثم تركه ليختار طريقه بنفسه، طريق الفلاح أو طريق الضلال. وقد أمر الله نبيه ﷺ بأن يبين للناس الحق ويترك لهم الخيار، فمن أطاع فلنفسه ومن عصى فعليها، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر، الآية: 41). وقال سبحانه: ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (ق، الآية: 45).

الهداية في حقيقتها تتكون من جوهر ومظهر. الجوهر له أصل أو منشأ يتمثل في الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهذه الفطرة تحتاج إلى تغذية مستمرة كالتذكرة والموعظة الحسنة ومجاهدة النفس لتبقى حية. أما المظهر فهو الالتزام بالإسلام وفعل الخير.

يقسم العلماء الهداية إلى أربع مراتب كلها من الله عز وجل. ولكن عند التأمل في القرآن الكريم، نجد أنه يقسم الهداية إلى خمس مراتب: اثنتان قبليتان من الله عز وجل، واثنتان بعديتان منه تعالى، وتتوسطهما مرتبة من العبد.

أولاً: هداية الخلق والفطرة (الهداية العامة):

وهي هداية كل مخلوق لما يصلح أمور معاشه، وهي أعم المراتب، يستوي فيها المؤمن والكافر، بل والمخلوقات بصفة عامة. ودليلها قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (طه، الآية: 50). هذه الهداية تعم سائر أمور المعاش كالزواج والطعام والشراب، وجميع السلوكيات التي يهدي الله مخلوقاته لعملها دون تعليم مسبق، كهداية النمل لتنظيم طرق المعاش وخزن الطعام، مما يحير العقل البشري. فسبحان من خلق فسوى ثم قدر فهدى.

تُشير بعض الآيات التي تحمل على غير مقصدها، مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأنعام، ج. الآية: 35)، وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام، الآية: 107)، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام، الآية: 149)، وقوله جل جلاله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس، الآية: 99). تبيّن هذه الآيات أن ما يصدر عن العبد هو أمر متوقع بحكم طبيعة خلقه المبنية على الحرية والاختيار، لا على الأمر والإجبار. الآيات التي تتضمن صيغة "لو شاء" في سياق الخلق والفطرة تتميز بـ:

  1. تحدثها عن الفعل الرباني (لو شاء الله) وعن الماضي الذي لا يعود.
  2. تحدثها عن الطبيعة البشرية، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (البقرة، ج. الآية: 253)، وقال جل وعلا: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة، ج. الآية: 48)، وقال سبحانه: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل، الآية: 93). وذلك لأن الله خلقه حرًا مختارًا بين الطاعة والعصيان. ولو أراد سبحانه أن يكون الجميع مؤمنين وغير مختلفين أو متقاتلين، لما أعجزه شيء، لكنه خلقهم كالأجرام والجبال غير متنازعة.
  3. تأكيدها على الاختيار البشري، فبما أن الناس أحرار، فإن حريتهم ستأخذ بهم مذاهب شتى. حكمة الله اقتضت خلق البشر مختارين، ثم إنزال الهدى والفرقان إليهم. فمن أطاع الله ورسوله ﷺ دخل الجنة، ومن عصاهما دخل النار. ولا يملك رسول الله ﷺ شيئًا من الهداية، بل عليه وعلى المسلمين البلاغ والبيان والنصيحة دون إكراه، قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس، الآية: 99).
  4. عدم وجود إنكار للحقيقة التي تحملها هذه الآيات، أو لوم لمن يقولها، فهي حقيقة كونية ربانية. اللوم موجه لمن يتخذها مبررًا لانحرافه وضلاله، متناسيًا أنها دليل على قدرته على مدافعة المنكر وإصلاح الفساد.
  5. الآيات التي جاء فيها (لو شاء … وقالوا) يستند إليها القائلون بها للاحتجاج على هداية الاستجابة والانقياد، وهي تنكر على من يحاول التنكر لحريته في الاختيار. فإذا كان الله خلق الناس مختارين، فلا يعني ذلك أن يختاروا الضلال وينسبوه لربهم.
  6. وهذا يفسر سهولة اجتماع الناس على الغواية والضلال والتقليد الأعمى، بينما يفترقون على الهدى والعزيمة على الرشد. ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ ﴾ (الشورى، ج. الآية: 14)، وقال سبحانه: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم، ج. الآية: 30). بقدر ما يوجد فينا من العقل والضمير والرأفة والشفقة والقدرة على استحضار المواعظ، بقدر ما فينا من الغرائز وحب الشهوات ونسيان العظات. فميزان الخلق متعادل بين كفة الهداية التي عليها داعي الرحمن وكفة الضلال التي يرأسها الشيطان: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس، 7-8). والذي يجعله يميل هو ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس، 9-10). وهذا أساسه هداية الإرشاد والبيان، وأسه هداية الاستجابة والانقياد، وثمرته هداية التثبيت والتوطين ثم هداية الفلاح.

    ثانياً: هداية الإرشاد والدعوة والبيان:

    وهي هداية مكملة للفطرة، موجهة للمكلفين الذين يتميزون بالعقل والاستطاعة والحرية والإرادة. وهي "أخص من التي قبلها"، حيث إنها مختصة بالمكلفين من الخلق. والمراد بها دعوة الخلق وبيان الحق لهم، وهي حجة الله على عباده، فلا يعذب أحدًا إلا بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب. قال تعالى: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء، الآية: 165). وقال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (يونس، الآية: 47). وقال تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد، الآية: 10). وقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ (الإسراء، الآية: 15). وهذه الهداية هي التي أثبتها الله للكتب السماوية عامة وللقرآن خاصة، قال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ۚ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَمِنْ هَٰؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ (العنكبوت، الآية: 47) وقوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص، الآية: 29). كما أثبتها سبحانه للأنبياء عامة ولنبيه ﷺ خاصة، يقول تعالى: ﴿ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء، الآية: 165) وقال سبحانه: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى، الآية: 52). وهي ثابتة من بعده للعلماء والدعاة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وهي مرتبة عامة يشترك فيها المسلمون جميعاً، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة، الآية: 122). حجة الله قائمة بهذه الهداية بعدة أمور: إرسال الرسل، إنزال الكتب، البيان بالآيات الكونية والنظر في الآفاق، قال تعالى: ﴿ قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس، الآية: 101). بيان الصراط المستقيم وإقامة أسباب الهداية باطنًا وظاهرًا. ومن لم تكتمل عنده هذه الأسباب لصغر أو لزوال عقل أو نحو ذلك، فهؤلاء رفع عنهم التكليف، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما في وسعهم.

    ثالثاً: هداية الاستجابة والانقياد:

    وهذا النوع من نصيب الإنسان، حيث إن الهداية العامة فطرة جُبِل عليها، وهداية الدعوة والبيان رسالة توصل بها. فقد جاء دور الإنسان، بما أعطاه الله من قدرة على التطبيق وحرية في الاختيار، ليبدي عزيمة في الخير ورغبة في الصلاح. يقول تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (يونس، الآية: 108). وقوله تعالى: ﴿ مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء، الآية: 15). وقوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ (طه، الآية: 82). وربنا عز وجل لما أنعم على الإنسان بالعقل والرسالة فقد هداه، ولزم من ذلك أن يستعمل الإنسان عقله فيما ينفعه، ويتفكر به في ملكوت الله، وفي الأمم السابقة ليأخذ العبر ويعرف الحق من الضلال، والمعروف من المنكر. فأفعال الله منزهة عن العبث، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (البقرة، الآية: 119). ولكي يتحقق ذلك يلزم: 1- التواضع والاستسلام، قال جل شأنه: ﴿ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴾ (الحج، ج. الآية: 34). 2- التعلم وعدم الاستحياء من الحق، للحكمة المأثورة القائلة (اثنان لا يتعلمان: المستحيي والمتكبر). 3- الدعاء والطلب، يقول تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ (سورة الفاتحة: 6-7). 4- التطبيق، لأن طلب الهداية ليس المقصود بذاته، وإنما تحقيق ذلك في الواقع. إن مداومة العبد على طلب الهداية تعلماً ودعاءً من جهة، والمواظبة عليها سلوكاً من جهة أخرى، هو السبيل الوحيد لاستجلاب النوعين المتبقيين من الهداية. هداية الاستجابة والانقياد متميزة عن غيرها بنسبتها للمخلوق وليس للخالق، وثابتة بصريح الكتاب والسنة، كما توافق الفطرة وتنسجم مع مفهوم الخلافة وحقيقة التنزيل.

    رابعاً: هداية التثبيت والتوطين:

    إذا نجح العبد في هداية الاستجابة والانقياد وكابد من أجلها وقتًا معتبرًا، فإنه يُكافأ من الله عز وجل بهداية أخرى هي اطمئنان القلب للحق وسعادته بفعل الخير. فيصبح ذلك مصدرًا للراحة بعد أن كان مصدرًا للتعب، وجالبًا للتسلية بعد أن كان بدافع التضحية، يقول تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة، الآية: 16). هذه الهداية لا ترتبط بفعل انتهى العبد من أسبابه، ولكنها تنتج عن مجموعة أفعال انتهت بذاتها، وغايتها الأفعال المستقبلية بحيث تقوم بدور المثير والمحفز والمثبت. والسنة الجارية في هذا الباب أن فعل الخيرات مجلبة للزيادة في الخير والثبات عليه والسعادة به، وفعل المنكرات مقدمة للإصرار عليها وغرور النفس بها. يقول تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام، الآية: 125).

    خامساً: هداية الفلاح:

    تكون هذه الهداية في الآخرة بعد الحساب والجزاء، ودليلها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (يونس، الآية: 9). فربنا هداهم للجنة بإيمانهم. وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ (سورة محمد، 4-5). وهذه الهداية "حاصلة لهم بعد قتلهم، فدل على أن المراد بها هداية إلى طريق الجنة على القول الراجح". إن هداية الفلاح ناتجة عن عمل الإنسان ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (الأنبياء، الآية: 94).

    موانع الهداية:

    توجد عقبات كثيرة أمام الهداية، أهمها فساد هداية الاستجابة والانقياد، وتتمثل في:

    1. مانع الفسق والهوى: يشمل غرور النفس (الملحدون وأهل التسويف) وهوى النفس (اتباع الشهوات)، والإدمان الذي يشكل نكتة سوداء في القلب.
    2. مانع الوسوسة والغواية: يتمثل في وساوس الشيطان ورفقاء السوء والبيئة الفاسدة.

    استشكال مصدر الهداية والضلال:

    إن الهداية والضلال عندما تُنسب للعبد فهي سلوكيات ملموسة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة، الآية: 105). أما إذا نُسبت لله عز وجل، فهي تعبر عن النفس المطمئنة في حالة الهداية، أو عن عمى البصيرة وضيق النفس في حالة الضلال. يقول تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام، الآية: 125).

    خاتمة:

    تبقى الحقيقة الساطعة أن الهداية مصدرها من الله تعالى الذي وهب العقل وسوى الفطرة، وأرسل الرسل وأنزل الكتب، ودعانا للاعتبار من الذين مضوا والنظر في سنن الكون. وهذا كله فضل من الله ونعمة. لكن عمل الإنسان يصدق ذلك أو يكذبه. فمن صلحت نيته، رزقه الله هداية التثبيت والتوطين لنفسه على الراحة والسعادة بفعل الخير من حيث لا يحتسب. ومن فسدت نيته كانت مصدر شقاوته في الدنيا والآخرة. والخلاصة أن هداية الاستجابة والانقياد مبنية على هداية الخلق من جهة، وهداية الإرشاد والبيان من جهة أخرى. كما أن هداية التثبيت والتوطين مبنية على هداية الاستجابة والانقياد، وهي مصدر الراحة بالطاعة والسعادة بالإيمان. قال تعالى: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (سورة طه، 123-124).

شارك الخبر: