المغرب
سياسة

الملك محمد السادس: رهان مستمر على شباب الأمس واليوم والغد

العمق المغربي12 أكتوبر 2026 في 22:140 مشاهدة
الملك محمد السادس: رهان مستمر على شباب الأمس واليوم والغد

تنويه

هذا الخبر بعنوان "محمد السادس.. ملك شباب الأمس واليوم والغد" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 12 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

وجهة نظر: يوسف الشفوعي

12 أكتوبر 2026 - 22:12

هل يستحق الملك محمد السادس لقب "ملك الشباب"؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام استكشاف ما إذا كان اهتمام جلالته بفئة الشباب مجرد اهتمام عابر، أم رؤية استراتيجية تعتبرهم الرأسمال الحقيقي للمغرب ورافعة نهضته وضمانة استمراريته.

منذ اعتلاء الملك محمد السادس عرش المملكة عام 1999، أولت قضايا الشباب مكانة محورية في التوجهات الملكية. لم يُنظر إلى الشباب كمجرد فئة تحتاج إلى الرعاية، بل كقوة مجتمعية قادرة على إحداث التحولات والمساهمة في بناء مغرب الحداثة والديمقراطية والتنمية. على مدار أكثر من ربع قرن، تبرز الخطب الملكية حضور الشباب في محطات كبرى شملت إصلاح التعليم والتكوين، التشغيل والمقاولة، المشاركة السياسية والمدنية، التنمية البشرية والحماية الاجتماعية، وصولاً إلى التحولات الرقمية والرهانات المستقبلية. هذا الاهتمام يتجاوز الظرفية السياسية ليجسد قناعة راسخة بأن الأوطان تُبنى بالاستثمار في الإنسان، وفي مقدمتهم الشباب.

شباب الأمس: من الرعاية إلى بناء الثقة

عندما تولى الملك محمد السادس العرش، كان المغرب يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية جسيمة، أبرزها البطالة، الهشاشة، الفوارق المجالية، وصعوبة إدماج الشباب في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. شكل إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية عام 2005 نقطة تحول هامة، حيث وضعت الإنسان في صلب السياسات التنموية وفتحت المجال أمام المبادرات المحلية والمشاريع المدرة للدخل والإدماج الاجتماعي والاقتصادي. لم يقتصر دور الشباب على كونهم مستفيدين، بل أصبحوا تدريجياً فاعلين في النسيج الجمعوي والتنموي، مساهمين في مشاريع القرب والتضامن والمواطنة. من خلال تجربة العمل الجمعوي والتنموي، يتضح أن الاستثمار في الشباب يبدأ بمنحهم الثقة، والاستماع إلى تطلعاتهم، وتمكينهم من تحمل المسؤولية. كان شباب الأمس بحاجة إلى من يؤمن بقدراتهم ويمنحهم فرصة إثبات الذات، وكان الرهان الملكي على التنمية البشرية تعبيراً عن أهمية الانتقال من منطق الإحسان إلى منطق التمكين وبناء القدرات.

شباب اليوم: من الاعتراف بالطاقات إلى المطالبة بالنتائج

إذا كان شباب الأمس يطمحون إلى الاعتراف والاندماج، فإن شباب اليوم يطالبون بوضوح أكبر بالفرص، الكرامة، العدالة المجالية، والمساواة في الولوج إلى التعليم الجيد، التكوين، الشغل، والخدمات الأساسية. شكل الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 65 لثورة الملك والشعب في 20 غشت 2018، محطة مفصلية في تشخيص إشكالية تشغيل الشباب، حيث دعا الملك إلى اتخاذ تدابير عملية لمعالجة اختلالات منظومة التكوين والتشغيل وتعزيز الملاءمة بين التكوين واحتياجات سوق العمل. تكمن أهمية هذه التوجيهات في إدراك أن مشكلة الشباب لا ترتبط دائماً بغياب المؤهلات أو ضعف الطموح، بل بقدرة المؤسسات والسياسات العمومية على تحويل هذه المؤهلات إلى فرص حقيقية. هنا تبرز قضية محورية في المشروع التنموي المغربي: لا يكفي تكوين الشباب، بل يجب توفير بيئة تسمح بتحويل المعرفة إلى إنتاج، والطموح إلى مبادرة، والكفاءة إلى قيمة مضافة. كما يطرح التفاوت بين شباب المدن و شباب العالم القروي تحدياً مضاعفاً، فلا يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص عندما تكون المسافة إلى المدرسة، مركز التكوين، المستشفى، أو فرصة العمل عاملاً حاسماً في تحديد المستقبل. العدالة المجالية ليست مجرد توزيع عادل للتجهيزات، بل هي أيضاً توزيع عادل للأمل.

شباب الغد: الرأسمال الحقيقي لمغرب المستقبل

لم يعد ممكناً التفكير في مستقبل المغرب بمنطق اقتصادي تقليدي، في عالم يشهد تحولات متسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي، الرقمنة، الاقتصاد الأخضر، والتغيرات الديمغرافية والمناخية. شباب الغد لن يواجهوا التحديات نفسها التي واجهها شباب الأمس، بل سيُطالبون بامتلاك مهارات جديدة، والقدرة على التعلم المستمر، التكيف، والابتكار. من هنا، يجب أن يتحول الاستثمار في الشباب إلى سياسة استباقية، لا تكتفي بمعالجة البطالة بعد ظهورها، بل تستشرف المهن المستقبلية وتعيد بناء العلاقة بين المدرسة، الجامعة، التكوين المهني، والمقاولة. المغرب الذي يطمح لتعزيز مكانته الإقليمية والدولية يحتاج إلى جيل يمتلك المعرفة، الكفاءة، الثقة في المؤسسات، وقادر على الجمع بين التشبث بالهوية الوطنية والانفتاح على العالم. شباب الغد ليسوا مجرد امتداد ديمغرافي للأجيال السابقة، بل هم أصحاب الحق في رسم ملامح المستقبل والمشاركة في صناعة قراراته.

من الخطب الملكية إلى السياسات العمومية: أين تكمن المسؤولية؟

تتبع حضور قضايا الشباب في التوجيهات الملكية يكشف عن استمرارية واضحة في الاهتمام بهذا الملف. لكن السؤال الجوهري اليوم هو: إلى أي حد نجحت السياسات العمومية في ترجمة هذا الاهتمام إلى نتائج ملموسة في حياة الشباب؟ التوجيه الملكي يرسم الأفق، بينما تتحمل الحكومة، القطاعات الوزارية، المؤسسات الترابية، والفاعلون الاقتصاديون والمدنيون مسؤولية التنفيذ والتقييم. لا يمكن قياس نجاح السياسات الموجهة للشباب بعدد البرامج المعلنة، الاتفاقيات الموقعة، أو الاعتمادات المرصودة وحدها، بل بمدى قدرتها على تحسين شروط عيش الشباب وتوسيع فرص مشاركتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. من هذا المنطلق، فإن الوفاء لروح التوجيهات الملكية يقتضي الانتقال من ثقافة الإعلان عن المشاريع إلى ثقافة قياس الأثر، ومن تدبير حاجيات الشباب بالنيابة عنهم إلى إشراكهم في تحديد الأولويات وصناعة الحلول. الشباب لا يحتاجون فقط إلى سياسات تتحدث عنهم، بل إلى مؤسسات تستمع إليهم، تثق في قدراتهم، وتفتح أمامهم أبواب المبادرة والمسؤولية.

الملك محمد السادس: ملك الشباب عبر الأجيال

وصف الملك محمد السادس بـ"ملك شباب الأمس واليوم والغد" لا ينبغي أن يكون مجرد تعبير احتفائي، بل قراءة لمسار من التوجهات الملكية التي جعلت تأهيل الإنسان المغربي، وخاصة الشباب، من القضايا المستمرة في المشروع التنموي للمملكة. هو ملك شباب الأمس، لأن مرحلة بداية العهد الجديد ارتبطت بتوسيع أوراش التنمية البشرية والإدماج الاجتماعي. وهو ملك شباب اليوم، لأن قضايا التعليم، التكوين، التشغيل، المشاركة، والإنصاف الاجتماعي والمجالي ظلت حاضرة في التوجيهات الملكية. وهو ملك شباب الغد، لأن بناء مغرب المستقبل يظل رهيناً بالاستثمار في الأجيال الصاعدة وتأهيلها لمواجهة تحديات عالم سريع التحول. القيمة الحقيقية لهذا المسار لا تقاس بالأوصاف والشعارات، بل بما يتحقق على أرض الواقع من فرص، إنجازات، كرامة، وأمل. لا مستقبل لوطن لا يثق في شبابه، ولا نهضة حقيقية دون مشاركة الأجيال الجديدة في بنائها. الشباب ليسوا فقط مستقبل المغرب، بل هم حاضره، ذاكرته، وقوته المتجددة. ومن هنا يمكن فهم معنى الحديث عن الملك محمد السادس ملك شباب الأمس واليوم والغد: إنه عنوان لاستمرارية الرهان على الإنسان، ومسؤولية جماعية لتحويل هذا الرهان إلى واقع ملموس، حتى لا يبقى الأمل مجرد وعد بالمستقبل، بل يصبح حقاً يعيشه الشباب اليوم.

شارك الخبر: