اللاتمركز الإداري والجهوية المتقدمة: رؤية ملكية لمستقبل التنمية المغربية


هذا الخبر بعنوان "اللاتمركز الإداري والجهوية المتقدمة (1)" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 13 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر نورالدين قربال
في 12 أكتوبر 2026، سلط نورالدين قربال الضوء على مفهومي اللاتمركز الإداري والجهوية المتقدمة، مستعرضًا الرؤية الملكية في هذا الشأن. ففي خطاب سامٍ بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية، حدد جلالة الملك الظرف الحالي بأنه استثنائي ومليء بالفرص لمواصلة إنجازات المغرب كقوة اقتصادية صاعدة، مع التأكيد على التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية. يطرح هذا التوجه الملكي سؤالاً جوهرياً حول كيفية تحقيق هذه المعادلة من قبل السلطتين التشريعية والتنفيذية.
للإجابة على هذا التساؤل، استدعى الخطاب الملكي دوافع غير مادية تتمثل في الاعتزاز بالانتماء لأمة عريقة تحت راية ملكية تاريخية، مستشهداً بقوله: “فمن حق المغاربة أن يعتزوا بهويتنا الدينية الأصيلة، في ظل إمارة المومنين، وبالهوية الحضارية المتميزة، الغنية بتعدد وجه المغرب”. هذا المنطق الهوياتي والديني والحضاري المتعدد الأوجه يشكل القاعدة الصلبة لإنتاج سياسات عمومية وتشريعات ملائمة، مما ساهم في تحقيق “مكاسب سياسية ودبلوماسية، ومن إنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية”. الخلاصة الملكية تؤكد أن الاعتزاز بالوطن هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية والوثوق إلى واجب وطني.
في ظل السياق العالمي المتسم بتسارع الجيو-اقتصاديات، أكد جلالته على ضرورة إطلاق “جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى”، معتبراً أن “الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة”. وأضاف أن النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري. ومع ذلك، أشار جلالته إلى أن “التأخير والاختلالات، التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية، واللاتمركز الإداري، تعكس سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين”.
لذلك، دعا جلالته إلى التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يتضمنه من نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات، مؤكداً على ضرورة تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات ووضع آليات للتنسيق والتعاقد لتمكين الجهات من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع. من هذا المنطلق، يسعى المقال إلى متابعة هذا الورش على المستويين التنفيذي والتشريعي لضبط آليات التعاقد والتنسيق وعقلنة اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع.
الأقاليم الجنوبية والتنمية الترابية
في سياق متصل، نظم تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية ندوة في جنيف السويسرية بعنوان “التنمية في خدمة الإنسان: من الهامش الجغرافي إلى المتن الحقوقي والكوني”، على هامش الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يوم الأربعاء 9 شتنبر 2026. طرحت الندوة سؤالاً جوهرياً حول كيفية جعل التجارب التنموية الإقليمية الحقوقية مدرسة للاقتداء العالمي، وذلك بناءً على القرار الأممي 2797. تلخصت تدخلات الفاعلين في ثلاثة أبعاد: إنساني يرتكز على مركزية الإنسان والحق في التنمية، وحجاجي يستهدف الاستقلال السيادي، ومؤسساتي يعتمد على المرجعية الأممية من خلال القرارين 42/23 و60/7. اعتمدت الندوة مقاربة تكاملية بين العلمي والحقوقي، والقانوني والسوسيو-اقتصادي، مع الأخذ في الاعتبار الجيو-استراتيجية الإقليمية والدولية. هذه المقاربة تهدف إلى تحقيق الربط القاري، والطاقات المتجددة، والتمكين البشري، وتعميم الحماية الاجتماعية، وإدماج الساكنة الترابية في تحديد الأولويات، وهو ما أكدت عليه فصول الدستور المغربي 2011 (12-13-14-15).
تتطلب هذه الأهداف وضع شبكة للقياس والتقويم للإجابة على أسئلة تتعلق بالولوج إلى الخدمات، ومستوى البنية التحتية، ومعدل التشغيل، ومشاركة فاعلي الدولة والتراب، ونسبة استفادة المواطنين من الخدمات الأساسية. وقد أشار المتدخلون إلى مؤشرات تنموية إيجابية في الأقاليم الجنوبية، خاصة فيما يتعلق بالناتج الداخلي الخام ومؤشر الفقر، مدعومة بالنموذج التنموي الجديد الذي أطلقه جلالة الملك سنة 2015. اعتمدت المنهجية على مبادئ الترابية، والمشاركة، والاستدامة، لتحويل النزاعات إلى فرص للتعايش والتعاون.
كما تطرقت الندوة إلى مشكلة الهجرة الناتجة عن الفراغ التنموي الترابي وفقدان الثقة بين الدولة والتراب، مؤكدة أن التنمية هي سلاح سلمي لتقليص الهجرة. ودعت إلى مقاربة شمولية، وصون كرامة المواطنين، واعتماد شراكة جنوب-جنوب، وعلاقة رابح-رابح، خاصة مع الدول الأفريقية. يمكن استثمار المشروع الأطلسي الكبير الذي يضم 23 دولة مطلة على الأطلسي، بالإضافة إلى دول أخرى، خاصة وأن أفريقيا لديها أجندة تنموية تمتد حتى عام 2063.
خلصت الندوة إلى ضرورة التعاون والاجتهاد في تنزيل مبادرة الحكم الذاتي بناءً على القرار الأممي 2797، والتركيز على مواضيع مثل الطاقة والفلاحة والتعليم والصحة، وتفعيل الدبلوماسية الترابية، وإحداث مرصد لمتابعة المشاريع التنموية الكبرى. شارك في الندوة نخبة من الأكاديميين والحقوقيين والفاعلين في المجتمع المدني، منهم أيمن عقيل، والمعلوم أوبك، وسارة بارزي، ومينة لغزال، وعبد الوهاب الكاين.
ملاحظة: هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة حول موضوع الجهوية المتقدمة والتنمية البشرية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة