المغرب
سياسة

فرصة استثنائية في الأفق: الملكية البرلمانية وتحديات بناء الثقة في المغرب

العمق المغربي13 أكتوبر 2026 في 17:040 مشاهدة
فرصة استثنائية في الأفق: الملكية البرلمانية وتحديات بناء الثقة في المغرب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من شرفة الفرص: تأملات في المعنى السياسي لظرفية لا تتكرر!" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 13 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في 13 أكتوبر 2026، ألقى منتدى العمق برادة حميمة محمد الضوء على عبارة محورية في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان: "ظرفية استثنائية حافلة بالفرص التي لا تتكرر". هذه العبارة، التي تبدو للوهلة الأولى وصفاً لفرص التنمية، تحمل في طياتها معنى أعمق يتعلق بعلاقتنا بالزمن السياسي. يتساءل المقال عن كيفية استغلال هذه اللحظة التي تتسع فيها فرص الإنجاز، مع الأخذ في الاعتبار انتظارات المجتمع العميقة. هل تكفي سرعة التنمية، أم أن اللحظة تتيح أيضاً إعادة التفكير في شروط الثقة والمسافة بين المؤسسات والمحيط الاجتماعي، كما يتجلى في ضعف نسبة المشاركة الانتخابية؟

يشير المشهد المغربي إلى إشارات تتجاوز الدلالات الانتخابية أو الاجتماعية العابرة، مثل صعود تحالف اليسار، وتنامي حضور جماعات العدل والإحسان والعدالة والتنمية، وقضايا "مسيرة سبتة"، وحراك جيل "Z" حول الكرامة والعدالة والتمثيل. رغم اختلاف هذه التعبيرات، إلا أنها تلتقي عند حقيقة وجود مجتمع يتحرك وتطلعات تبحث عن لغة سياسية تمنحها معنى وصوتاً وأفقاً.

في قلب هذا الحراك، يعود سؤال "الملكية البرلمانية" ليس كشعار دستوري، بل كمدخل للتفكير في التوازن بين المؤسسات وتطور النظام السياسي المغربي. يجب استحضار السياق التاريخي للدولة الحديثة، ودور المؤسسة الملكية في الاستقلال، واستقرار الوطن، وتوجيه خياراته الاستراتيجية، وتمتين وحدته. قضايا الوحدة الترابية، استرجاع العمق الإفريقي، وتأطير الحقل الديني ضمن المرجعية المالكية الأشعرية، كلها تشكل رصيداً يتجاوز التدبير السياسي اليومي ليلامس أسئلة الاستقرار والهوية وموقع المغرب في محيطه.

إن استحضار هذا الرصيد لا ينبغي أن يكون ذريعة لإغلاق النقاش، كما أن مساءلة البنية الدستورية لا تستلزم تجاهل ما أسهم في تعزيز استمرارية الدولة وصيانة مقوماتها. السؤال الأعمق ليس كيف نضع الاستقرار في كفة والديمقراطية في أخرى، بل كيف نفكر في تطور سياسي مستمر يستوعب الخصوصية الحضارية المغربية ويتيح تجديد المشاركة وتوسيع المحاسبة وتعميق المسؤولية. هل يمكن للمؤسسات أن تستمد من تجربتها ما يعينها على التجدد، بدلاً من أن تتحول التجربة إلى سقف يعيق تخيل المستقبل؟

توجد مفارقة تستحق الإصغاء: قد تتقدم المشاريع الكبرى ويتعزز الحضور الدولي للمغرب، بينما لا يشعر البعض باتساع الآفاق الخاصة والعامة. قوة الدولة، في نظر الأجيال الجديدة، لا تكمن فقط في البنى التحتية أو المكاسب الاستراتيجية، بل أيضاً في المدرسة التي تهذب وتفتح أبواب المستقبل، والمستشفى الذي يصون الكرامة، وفرصة العمل التي يصبح معها الاستحقاق سبيلاً للارتقاء الاجتماعي، والقضاء الذي يلامس سماء العدل. المسافة بين الإنجاز والشعور به هي سؤال أعمق في معنى التنمية حين تتحول إلى واقع يعيشه المواطن، لا أرقاماً يتابعها من بعيد. ما الفائدة من تقدم الوطن ويظل أمل المواطن متعثراً؟ وكيف تستقر الثقة إن لم يجد المغربي في حياته اليومية ما يسند إحساسه بالانتماء؟

هنا يلتقي الإصلاح السياسي مع الإصلاح الاجتماعي. الثقة لا تنمو بالخطاب وحده، والهوية لا تزداد رسوخاً بتجنب الأسئلة الحقيقية. حين يشعر المواطن أن كرامته مصونة ونصيبه من ثمار التنمية عادل، يصبح الوطن مستقبلاً للمواطن مكان فيه "لصناعته". تبدأ "المناعة الوطنية" من هذا الالتقاء بين الإنصاف والانتماء، حيث تصبح المواطنة استحقاقات يومية في العدل والاعتراف وتكافؤ الفرص والاستفادة من التنمية.

إذا كانت هذه الظرفية تحمل فرصاً قد لا تتكرر، فالرهان الأبعد ليس في كم التحولات التي يمكن إنجازها، بل في قدرتها على إحداث تحول في العلاقة بين الدولة والمجتمع. أن تصبح المكتسبات التنموية مدخلاً إلى ثقة أعمق، وتجد هذه الثقة ترجمتها في مدرسة عمومية جاذبة، وحق في الصحة أكثر إنصافاً، وفرص شغل تفتح أفقاً للأجيال الجديدة، ومؤسسات منتخبة تعبر عن المواطن.

التاريخ لا يكرر نداءاته بالصوت نفسه. قد لا تضيع الفرص لأن الإمكانيات غائبة، بل لأن الحاضر "يستغرقنا" إلى حد يجعلنا نؤجل أسئلة سيصبح ثمن تأجيلها أفدح. الحكمة الصوفية تضيء جانباً من هذا المعنى: الوفاء للأصل لا يعني الاكتفاء بصورته الأولى، والثبات لا يستلزم الجمود. الشجرة لا تحمي جذورها بمنع أغصانها من النمو، بل تستمد من عمقها القدرة على استقبال الضوء والريح.

بهذا المعنى، لا يبدو استقرار المغرب وتقدمه نقيضاً لإصلاح مستمر لنظامه السياسي والإداري، كما لا ينبغي أن يحجب النقاش الدستوري العلمي والأصيل ما تراكمه المؤسسة الملكية من أدوار استراتيجية كبرى. المطلوب اليوم هو أن يظل هذا الرصيد مصدر قوة للمستقبل، لا مجرد استدعاء للماضي. وأن يتسع أفق الإصلاح بما يسمح بتطوير المشاركة والمحاسبة وترسيخ العدالة الاجتماعية، دون التفريط في مقومات الاستقرار.

قد تكون الفرصة التي لا تتكرر هي دق أبواب لحظة يصبح فيها التحديث والإصلاح تعبيرين عن الثقة لا علامة على الخوف، وحماية الاستقرار مدخلاً لاستشراف المستقبل. الأوطان لا تكتمل بما تشيده من عمران فحسب، بل بما تمنحه لأبنائها من طمأنينة، وبما تفتحه أمامهم من إمكانات للحياة والأمل. الرهان الأكبر لهذه الظرفية ليس تغيير "ملامح" وجه البلاد، بل إعادة النظر في المسافة بين ما أنجزناه وما يتطلع إليه المواطنون؛ حتى يصبح رصيد الدولة المغربية العريقة سندا لمستقبل أرحب، وتغدو الثقة نفسها أحد أهم إنجازات التنمية المأمولة. أهم الفرص لا تكمن قيمتها فيما تتيحه لنا من تغيير، بل فيما تدعونا إلى تغييره في نظرتنا إلى أنفسنا وإلى المستقبل.

شارك الخبر: