تحليل نقدي للقانون 58.25: هل تفتقر المسطرة المدنية إلى المنهجية العلمية؟


هذا الخبر بعنوان "مقاربة منهجية علمية للقانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 13 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مقدمة: يطرح هذا المقال، بقلم الجيلالي شبيه، بتاريخ 13 أكتوبر 2026، رؤية نقدية حول القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، مع التركيز على غياب المنهجية العلمية في صياغته وتطبيقه.
أولاً: المنهجية القانونية-القضائية والمسطرة المدنية
يُعرّف الجيلالي شبيه المنهجية العلمية بأنها توجيه العقل للتفكير والبحث عن الحقيقة، كما أشار ديكارت عام 1637. وفي سياق العلوم القانونية، تُعتبر المسطرة المدنية هي الآلية التي تنظم تتابع الإجراءات اللازمة لرفع الدعوى المدنية، تهيئتها، تقديم الدفوع، المداولات، إصدار الأحكام، وطرق الطعن، وصولاً إلى تنفيذ القرارات القضائية. وتستند المحاكمة العادلة إلى الاتفاقيات الدولية، الضمانات الدستورية، الأحكام القانونية والإجرائية، والاجتهادات القضائية. ويشير المؤلف إلى أن قانون المسطرة المدنية الحالي (فبراير 2026) جاء بالعديد من المقتضيات التي تستدعي دراسة منهجية لشكلها ومضمونها وترابطهما.
ويعتبر المؤلف أن كثرة التعديلات والتغييرات على البنية التشريعية للمسطرة المدنية على مدى سبعين عامًا دليل على وجود خلل منهجي وغياب لعلماء المنهج في الإنتاج التشريعي، مما يؤدي إلى فقدان الاستقرار القانوني، وانعدام الصياغة التشريعية الشمولية والموحدة. ويستشهد المؤلف بنماذج تاريخية عديدة تؤكد أهمية علم المناهج واستقرار الإنتاج العلمي والفلسفي والقانوني عبر العصور، مثل شريعة حمورابي، مدونة جوستنيان، علم أصول الفقه، منهجية ابن خلدون، مناهج فرانسيس باكون، منهجية ديكارت، المنهجية التجريبية لكلود بيرنار، منهجية الاقتصاد السياسي لكارل ماركس، نظرية التطور لشارل داروين، نظرية لوي باستور، نظرية رونالد فيشير، نظرية كارل بوبر، نظرية طوما كون، ونظرية ألبير أينشتاين، مؤكدًا أن هذه المقاربات المنهجية العلمية لا تزال حية.
ثانياً: من حيث شكل وتشكيل المسطرة المدنية
يتضمن قانون المسطرة المدنية 644 مادة موزعة بشكل غير متساوٍ على أحد عشر قسمًا. يوضح المؤلف تفصيلاً لهذه الأقسام، مشيرًا إلى عدم تكافؤ الكثافة بين الأبواب والفروع والأجزاء. وينتقد بشدة اختزال بعض الأبواب في مادة واحدة أو جملة واحدة، معتبرًا ذلك مخالفًا للمنهجية العلمية ويؤدي إلى غموض وتعقيد في هيكلة المسطرة. كما ينتقد القسم العاشر الذي يضم مقتضيات مشتركة بين جميع المحاكم، معتبرًا أنه يدل على الجهل بالعلم المنهجي وأهميته في الإنتاج التشريعي. ويشير إلى أن القسم الحادي عشر المتعلق برقمنة المساطر والإجراءات القضائية يضم 17 مادة فقط، ويختتم القانون بخاتمة مبتورة تضم خمس مواد فقط.
ويشير المؤلف إلى أنه سبق له تناول هذه الاختلالات المنهجية في مقال سابق بعنوان “قراءة منهجية في قانون المسطرة المدنية، الصادر بتاريخ 30 شتنبر 1974، كما تم تغييره وتتميمه وتعويضه”، والذي نُشر في مايو 2023، معربًا عن أسفه لعدم أخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار من قبل المسؤولين عن المشروع التشريعي.
ثالثاً: من حيث المضمون وكنه المسطرة المدنية
يُظهر المؤلف أن الاختلالات الشكلية تؤدي إلى اختلالات في المضمون. فالقسم الأول “مبادئ عامة” لا يعكس شيئًا من المسطرة المدنية لكونه عنوانًا فضفاضًا. والقسم الثاني “اختصاصات المحاكم” يركز على الاختصاصات بدل الإجراءات. والقسم الثالث “المساطر أمام محاكم الدرجة الأولى” يتضمن مقتضيات لا تقتصر على المسطرة المدنية. والقسم الرابع “المساطر الخاصة بالاستعجال ومسطرة الأمر بالأداء” يضم عناصر مشتركة مع المسطرة العادية. والقسم الخامس “المساطر الخاصة” يجمع قضايا غير متجانسة. والقسم السادس “المسطرة أمام محاكم الدرجة الثانية” له علاقة وطيدة مع القسم الثالث. والقسم السابع “محكمة النقض” يطرح تساؤلات حول نطاق شموله. والقسم الثامن “إعادة النظر” يُعتبر جزءًا من المقتضيات المشتركة. والقسم التاسع “طرق التنفيذ” يشكل العنصر الأساسي لتحويل الأحكام إلى واقع ملموس. والقسم العاشر “مقتضيات مشتركة بين جميع المحاكم” هو خليط قانوني-إجرائي. والقسم الحادي عشر “رقمنة المساطر والإجراءات القضائية” يهتم بالنظام المعلوماتي القانوني والمعاملات الإلكترونية.
ويقترح المؤلف تقسيمًا بديلاً للمسطرة المدنية مستلهمًا من تقسيم القانون المدني، حيث يقسمه إلى خمسة أقسام أساسية: القسم الأول: مقدمة، المبادئ التوجيهية للتقاضي في المادة المدنية. القسم الثاني: الدعوى القضائية في المادة المدنية. القسم الثالث: الأحكام القضائية وطرق الطعن. القسم الرابع: التنفيذ الجبري والأحكام الاستعجالية. القسم الخامس: خاتمة تشمل التوجهات الدولية، الرقمنة، الوسائل البديلة لفض النزاعات، النجاعة القضائية، والزمن القضائي.
رابعاً: من خلال تداخل الشكل والمضمون باعتبارها وحدة متكاملة
يؤكد المؤلف على أن سلامة المبنى شرط أساسي لسلامة المعنى، وأن الهيكلة العلمية لأي مشروع فكري هي أفضل طريقة لإدراك اكتماله وضمان نجاحه. ويوجه نداءً إلى أهل القرار بضرورة اعتماد منهجية رصينة وعلماء المنهج في أي مشروع قانوني ذي بعد وطني أو جهوي أو دولي، لتجنب الانتقادات وكثرة العيوب والنقائص. ويرى أن ترابط الشكل والمضمون يعكس وحدة المادة والمسطرة، وأن الاحترافية والكفاءة في الإنتاج والبناء ورصانة النصوص تؤدي إلى تداخل العناصر بشكل إيجابي، وإلا فعلى العكس. ويشير إلى أن التقسيم الحالي للمسطرة المدنية إلى أحد عشر قسمًا لا يعطي صورة واضحة عن إشكالية المادة ومحاورها الحقة، وأن العناوين المعطاة للأقسام لا تعكس المضمون الحقيقي للمسطرة.
خامساً: إعادة النظر في إرث أكل عليه الدهر وشرب أو مبدأ التقاضي على درجتين
ينتقد المؤلف مبدأ التقاضي على درجتين الموروث من المستعمر، معتبرًا أنه لم يعد قادرًا على مواكبة التطور الاجتماعي والقانوني والاجتهاد الفقهي والقضائي. ويستشهد بالعديد من المواد القانونية التي تستثني بعض القضايا من مبدأ التقاضي على درجتين، مثل المنازعات التي تقل قيمتها عن سقف مالي معين، أو قضايا قاضي القرب، أو الدعاوى التي لا يمكن رفعها إلا بعد إحالة الأمر إلى السلطة الإدارية. كما يشير إلى دور التحكيم والوساطة الاتفاقية والمحاكم الدولية. ويخلص إلى أن درجات التقاضي متعددة ومتشعبة ومتداخلة، وأن التقاضي على درجتين هو تقزيم موروث للواقع القانوني والاجتهاد القضائي الحالي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة