المغرب
اقتصاد

المغرب في مفترق الطرق: هل تحول الحكومة القادمة الأزمات إلى فرص لبناء الثقة؟

العمق المغربي14 أكتوبر 2026 في 09:500 مشاهدة
المغرب في مفترق الطرق: هل تحول الحكومة القادمة الأزمات إلى فرص لبناء الثقة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المغرب في زمن اللايقين: هل تستطيع الحكومة المقبلة تحويل الأزمات إلى فرصة لبناء الثقة؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 14 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

وجهة نظر عمر خصبي

14 أكتوبر 2026 - 09:48

يدخل المغرب مرحلة سياسية جديدة في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، مما يستدعي مقاربة تتجاوز التدبير اليومي للأزمات. فإدارة الاقتصاد في عالم اليوم تتطلب قدرة على استشراف المستقبل واحتواء الصدمات، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، واضطراب سلاسل الإمداد، وتقلبات الأسواق المالية. تضع هذه العوامل الحكومات أمام معادلة دقيقة للحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي.

بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر 2026، وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة، وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، تتزايد انتظارات المواطنين بشأن التشغيل، والتعليم، والصحة، والقدرة الشرائية. يكمن الرهان الحقيقي في تحويل التوافق السياسي إلى برنامج اقتصادي واجتماعي قابل للتنفيذ والمساءلة.

أولاً: اقتصاد لا تحكمه الأرقام وحدها

يجب تجاوز اختزال الوضع الاقتصادي في مؤشرات النمو والتضخم وعجز الميزانية والمديونية، والتمييز بين تحسن المؤشرات الكلية وانعكاساتها على الحياة اليومية للأسر. فالاقتصاد القوي لا يعني بالضرورة تحسن حياة المواطن إذا لم ينعكس على تكاليف المعيشة وفرص العمل والخدمات الأساسية. يجب قياس نجاح السياسات العمومية بقدرتها على خلق قيمة مضافة محلية، وإحداث فرص شغل مستدامة، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين دخل الأسر وجودة الخدمات العمومية.

تشير توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في مارس 2026 إلى انتعاش النشاط الفلاحي والاستثمار في البنيات التحتية، مع توقع نمو الناتج الداخلي الإجمالي بنسبة 4.4% خلال سنة 2026. لكن المؤسسة تنبه إلى مخاطر خارجية مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وتقلب أسعار السلع، وتحديات داخلية كاستمرار البطالة. يطرح هذا السؤال الجوهري: هل يكفي نمو اقتصادي مقبول، أم أن المطلوب هو إعادة بناء العلاقة بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية؟

ثانياً: من تدبير الأزمة إلى استباق المخاطر

يجب على الحكومة المقبلة الاستعداد للأزمات قبل أن تتحول إلى اختلالات يصعب احتواؤها. لم يعد التخطيط الاقتصادي التقليدي كافياً في عالم متغير. يتطلب الأمر اعتماد مقاربة تقوم على بناء سيناريوهات متعددة للمستقبل، وتحديد ما يمكن أن يحدث، وتقدير كلفته، وإعداد بدائل عملية للتعامل معه. يتطلب هذا إرساء آليات مؤسساتية للتوقع الاقتصادي، وتقوية التنسيق بين السياسة المالية والنقدية والسياسات القطاعية. يجب النظر إلى تدبير الأزمات كوظيفة دائمة للدولة الحديثة، تتطلب تحسين ترتيب الأولويات، وامتلاك معلومات موثوقة، والتحرك في الوقت المناسب.

ثالثاً: الإرث المالي وحدود الوعود السياسية

تواجه أي حكومة جديدة سؤالاً صعباً يتعلق بالإرث المالي والالتزامات والموارد المتاحة. الموازنة العامة تعكس اختيارات سياسية واجتماعية. لا يمكن معالجة هذا الإشكال بالتقشف المجرد أو توسيع الإنفاق دون تقدير دقيق لمصادر تمويله. يكمن التحدي في التمييز بين النفقات الضرورية والنفقات التي لا تحقق أثراً متناسباً مع تكلفتها. يجب على الحكومة مراجعة فعالية الإنفاق العمومي، وربط الاعتمادات المالية بنتائج قابلة للقياس، وتعزيز الشفافية، والحد من الهدر وضعف التنسيق. المشاريع الكبرى تمثل فرصة اقتصادية، لكنها تفرض ضرورة التدقيق في تكلفتها ومردوديتها وضمان امتداد آثارها إلى الاقتصاد المحلي.

رابعاً: التحدي الاجتماعي كمعيار للنجاح الاقتصادي

لا يمكن فصل الاستقرار الاقتصادي عن الاستقرار الاجتماعي. حين ترتفع تكاليف المعيشة أو تتقلص فرص الشغل، تتجاوز المسألة الحسابات الاقتصادية لتصبح قضية ثقة في المؤسسات. حماية القدرة الشرائية تتطلب سياسة متكاملة تشمل المنافسة، ومراقبة الممارسات غير المشروعة، وتحسين سلاسل التوزيع، ودعم الإنتاج المحلي، وتطوير آليات الاستهداف الاجتماعي. يظل التشغيل الحلقة المركزية التي تربط النمو الاقتصادي بالاستقرار الاجتماعي، ويتطلب اقتصاداً منتجاً، ومقاولات قادرة على المنافسة والتمويل، وتكويناً يستجيب لحاجات سوق الشغل، وإدارة عمومية ميسرة للاستثمار.

الاستثمار في الصحة والتعليم مكونان أساسيان للرأسمال البشري. ضعف جودة الخدمات العمومية يفرض كلفة اقتصادية غير مباشرة ويؤثر في الإنتاجية وتكافؤ الفرص. يجب حسن توزيع الموارد العمومية المحدودة، ولا تبرر محدوديتها تأجيل الإصلاحات. العدالة الاجتماعية تتحقق بمدى وصول البرامج إلى المستحقين، وجودة تنفيذها، واستمرار أثرها.

خامساً: السياسة الاقتصادية واختبار الشرعية الديمقراطية

تشكيل الحكومة لحظة تتحدد فيها الأولويات التي ستوجه الموارد العمومية، وتتبلور من خلالها العلاقة بين الوعود الانتخابية والقرارات الحكومية. اختيار رفع الاستثمار، أو إعادة ترتيب النفقات، وتحديد أولويات الدعم، وتوزيع الأعباء الضريبية، كلها قرارات تتضمن مفاضلات بين مصالح مختلفة. قوة الحكومة تقاس بقدرتها على تفسير قراراتها، وإقناع المواطنين بضرورتها، وتقديم نتائج ملموسة. القرارات الصعبة قد تكون ضرورية، لكن مشروعيتها تزداد حين تستند إلى معلومات واضحة وتخضع للنقاش والمساءلة. يجب ربط البرنامج الحكومي بمؤشرات دورية تسمح بتقييم التقدم، مع إتاحة المعطيات للرأي العام. الثقة السياسية تبنى بالتناسب بين ما يقال وما ينجز، وبين حجم التضحيات المطلوبة والنتائج التي يشعر بها المجتمع.

سادساً: أي نموذج للحكامة في زمن اللايقين؟

تستدعي المرحلة المقبلة الانتقال من تدبير يقوم على رد الفعل إلى حكامة تقوم على الاستباق والتقييم والتعلم من الأخطاء. يتطلب ذلك تطوير قدرات الإدارة العمومية على إنتاج المعطيات وتحليلها، وتنسيق تدخلات القطاعات الحكومية، وتحديد المسؤوليات، وتقييم الأثر الفعلي للقرارات. وضع آليات واضحة لتحديد الأولويات عند وقوع الأزمات، وتطوير أنظمة للإنذار المبكر بشأن أسعار المواد الأساسية، ومخاطر الجفاف، وحاجات التمويل، ومؤشرات التشغيل. الحكامة الاستباقية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التنسيق، وإدارة تتوفر على الكفاءات اللازمة، وثقافة سياسية تقبل مراجعة القرارات. يجب الجمع بين التخطيط طويل المدى والمرونة في التنفيذ.

خاتمة: الرهان ليس تدبير الحاضر فقط، بل حماية المستقبل

يحتاج المغرب إلى تصور واضح لكيفية إدارة المخاطر التي قد تعترض البرنامج الحكومي، وكيفية حماية التوازنات المالية والاجتماعية. الاقتصاد لا يتقدم بالاستثمار وحده، والمجتمعات لا تستقر بمجرد المحافظة على المؤشرات المالية، والمؤسسات لا تكتسب الثقة من خلال الخطاب السياسي بمعزل عن النتائج. يكمن التحدي الحقيقي في بناء معادلة متوازنة تجعل الاستثمار منتجاً، والإنفاق العمومي فعالاً، والسياسات الاجتماعية مستدامة، والمساءلة الديمقراطية أداة لتحسين الأداء.

ستكون الحكومة المقبلة مطالبة بالإجابة عن ثلاثة أسئلة مترابطة: كيف يمكن حماية الاقتصاد المغربي من الصدمات الخارجية؟ وكيف يمكن تحويل النمو والاستثمارات إلى فرص شغل وتحسن ملموس في ظروف العيش؟ وكيف يمكن ضمان أن تتم هذه التحولات في إطار من العدالة والشفافية والثقة السياسية؟ النجاح في مواجهة زمن اللايقين يتطلب القدرة على الاستعداد لما قد يحدث، وتصحيح المسار عند الضرورة، وتوزيع تكاليف الأزمات بصورة عادلة. الدولة القوية اقتصادياً ليست تلك التي لا تتعرض للأزمات، بل تلك التي لا تسمح للأزمات بأن تتحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية مفتوحة. الحكومة الناجحة ليست التي تعد بمستقبل خالٍ من الصعوبات، بل التي تمتلك الشجاعة والكفاءة والوضوح لتدبير الصعوبات دون أن تجعل المواطن الحلقة الأضعف.

شارك الخبر: