دموع الملك الإسباني فوق قبور المهاجرين: أسئلة التاريخ الكولونيالي المؤجلة


هذا الخبر بعنوان "دموع ملك إسبانيا فوق قبور المهاجرين.. وأسئلة التاريخ الكولونيالي المؤجلة" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُبرز زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى قبور المهاجرين الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم عبور البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، مفارقة تاريخية وسياسية عميقة. يقف الملك أمام موتى ابتلعهم البحر، بينما تقف خلفه قرون من التوسع الاستعماري وسياسات الحدود المغلقة التي جعلت من حرية التنقل امتيازاً جغرافياً، ومن حق الإنسان في البحث عن حياة كريمة مغامرة قد تنتهي في قاع البحر.
تُعدّ هذه الزيارة، التي تأتي في سياق زيارة سيادية إلى مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين اللتين تعتبرهما إسبانيا جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، مشهداً متناقضاً يجمع بين خطاب الرحمة الذي ينحني أمام الموتى، وخطاب السيادة الذي يعيد تأكيد الحدود نفسها التي تحولت إلى مقبرة لهم. الدموع لا تمحو مسؤولية التاريخ، والتعاطف الإنساني لا ينبغي أن يكون بديلاً عن المساءلة السياسية. فما جدوى زيارة قبر مهاجر مات وهو يحاول اجتياز حدود مغلقة، إذا لم يصاحبها سؤال عن جدوى السياسات التي تحاصر المهاجرين، وعن غياب المسالك الآمنة للهجرة واللجوء، وعن واقع المجتمعات التي تدفع أبناءها إلى ركوب البحر؟
لقد وقف الملك الإسباني أمام قبور لا تحمل أسماء كثير من أصحابها، وإنما أرقاماً باردة تختزل حيوات كاملة. وراء كل رقم إنسان كان يحمل اسماً ووجهاً وأماً تنتظره، وربما طفلاً كان يحلم بالعودة إليه محملاً بهدية صغيرة من أوروبا. لكن الطريق إلى الفردوس الأوروبي الموعود لم يمنحه فرصة الوصول، ولا حتى شرف أن يُكتب اسمه على شاهد قبره. أوروبا التي تمنح الإنسان اسماً وحقوقاً عندما يصل إليها وفق شروطها تستطيع أن تتركه رقماً مجهولاً عندما يموت في محاولته الوصول إليها.
تؤكد الوقائع أن مأساة الحدود لا يمكن اختزالها في حادثة يوليوز 2026، ففي يونيو 2022 شهد محيط مليلية فاجعة خلّفت، بحسب تحقيقات منظمة العفو الدولية، ما لا يقل عن 37 قتيلاً، فضلاً عن عشرات المفقودين. وقد تحدثت المنظمة عن استعمال مفرط وغير مشروع للقوة، وعن إخفاقات في تقديم المساعدة الطبية، وطالبت السلطات الإسبانية بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة. فهل يكفي بعد كل ذلك أن تنحني الرؤوس أمام القبور، بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة؟
إن احترام الموتى يبدأ باحترام الأحياء. والوفاء للضحايا لا يتحقق فقط بوضع الزهور أو الوقوف في صمت، وإنما بكشف الملابسات، وتحديد المسؤوليات، وضمان ألا تتحول الحدود إلى آلة متكررة لإنتاج المآسي؛ فالحداد الذي لا يراجع أسباب الموت قد يتحول، مهما حسنت نيات أصحابه، إلى مجرد بروتوكول لتجميل العجز السياسي.
تفتح زيارة الملك الإسباني سؤالاً أعمق عن الذاكرة الكولونيالية التي لم تتحرر منها العلاقات بين أوروبا وإفريقيا تحرراً كاملاً. لقد ساهمت الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية في إقامة منظومات اقتصادية تقوم على استغلال الموارد وتوجيه الإنتاج والأسواق بما يخدم مصالح القوى المهيمنة. ولم تنتهِ آثار تلك البنيات بمجرد استقلال البلدان المستعمرة، بل استمرت بعض اختلالاتها في أشكال جديدة من التبعية الاقتصادية والتفاوت في شروط التبادل والتكنولوجيا والاستثمار.
صحيح أن أزمات الجنوب الراهنة لا يمكن تحميلها للاستعمار وحده، فهناك مسؤوليات جسيمة تتحملها النخب السياسية والاقتصادية المحلية، من فساد وسوء توزيع للثروة وضعف في التنمية وانسداد للآفاق. غير أن الاعتراف بهذه المسؤوليات لا يلغي حقيقة أن البلدان الإفريقية دخلت مرحلة ما بعد الاستعمار وهي تحمل أعباء تاريخية لم تكن متساوية مع ما ورثته الدول الأوروبية من تراكم للثروة والمؤسسات والقوة. ومن هنا تبدو المفارقة فادحة.. لقد استفادت قوى أوروبية تاريخياً من حركة الموارد والثروات واليد العاملة عبر البحار، لكنها حين يتعلق الأمر بحركة الفقراء نحو مراكز الثراء تستحضر فجأة قدسية الحدود وصرامة السيادة.
إن النظام الدولي المعاصر يدافع عن حرية حركة الرساميل والسلع، لكنه يفرض على حركة البشر نظاماً بالغ الانتقائية، تحدد فيه قيمة جواز السفر جزءاً كبيراً من فرص الإنسان في الحياة. لا يمكن تحميل إسبانيا وحدها مسؤولية فقر الجنوب، لكنها، مثل قوى أوروبية أخرى، مطالبة بمراجعة علاقتها بإرث تاريخي ساهم في إنتاج اختلالات مازالت آثارها ممتدة. كما أن أوروبا مطالبة بأن تنظر إلى الهجرة بوصفها قضية إنسانية وتنموية مشتركة، لا مجرد تهديد أمني يستدعي مضاعفة ارتفاع الأسوار والأسلاك.
تمثل سبتة ومليلية عقدة تاريخية وسياسية تتقاطع فيها أسئلة السيادة والهوية والحدود والهجرة. وتستند إسبانيا إلى هذا الامتداد التاريخي وإلى وضع المدينتين في نظامها الدستوري لتأكيد سيادتها عليهما، في حين ينطلق الموقف المغربي من اعتبار وجودهما تحت الإدارة الإسبانية استمراراً لوضع تاريخي لم تُحسم آثاره من منظور الوحدة الترابية. إن المفارقة أن إسبانيا، التي تستحضر حقها في المدينتين انطلاقاً من تاريخ طويل من السيطرة والإدارة، تجد صعوبة في التعامل مع التاريخ نفسه حين ينظر إليه الآخرون باعتباره تاريخ اقتطاع واحتلال.
لقد كان لافتاً أن الملك فيليبي السادس اختار، في زيارته، التأكيد على أن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية غير قابلة للتفاوض؛ وهو موقف واضح في الخطاب الرسمي الإسباني، لكنه يكشف في الوقت نفسه طبيعة الوظيفة السياسية للزيارة: لم تكن مجرد مواساة لسكان المدينتين، أو تضامن مع عائلات المهاجرين الراحلين، بل كانت أيضاً إعلاناً رمزياً لتثبيت السيادة. وبذلك صار المشهد أكثر تعقيداً: ملك يعزي موتى عبروا الحدود، ويؤكد في الوقت ذاته أن الحدود التي حاولوا عبورها تمثل جزءاً من سيادة لا يجوز المساس بها.
يستحيل فهم الهجرة المعاصرة بعيداً عن التناقضات الديمغرافية والاقتصادية التي تعيشها القارة الأوروبية نفسها، فأوروبا التي تشدد قوانين الهجرة تحتاج قطاعات واسعة من اقتصاداتها إلى العمالة الوافدة، سواء في الفلاحة أو البناء أو الخدمات أو الرعاية الصحية والاجتماعية؛ كما أن عدداً من مجتمعاتها يواجه شيخوخة سكانية تطرح أسئلة متزايدة حول مستقبل سوق العمل وأنظمة الحماية الاجتماعية. غير أن الحاجة الاقتصادية إلى المهاجر لم تتحول إلى اعتراف سياسي كامل بكرامته، فقد يُستقبل باعتباره قوة عمل مطلوبة، بينما يُعامل في الخطاب الانتخابي والإعلامي بوصفه عبئاً أو خطراً أو منافساً على الخدمات العمومية.
إن الاتحاد الأوروبي لا يكتفي ببناء منظومته الحدودية داخل أراضيه، بل يوسع التعاون مع دول الجوار للحد من تدفقات الهجرة قبل وصولها إلى الحدود الأوروبية. وتصبح بلدان الجنوب، ومنها المغرب، شريكة في تدبير الحدود الخارجية لأوروبا، عبر اتفاقيات أمنية وتمويلات وبرامج مراقبة وإعادة قبول مجحفة. لكن هذه المقاربة تثير سؤالاً أخلاقياً وسياسياً: هل يمكن معالجة الأسباب العميقة للهجرة بمجرد نقل مسؤولية منعها إلى دول أخرى؟
ربما كان هذا هو السؤال الأكثر إيلاماً في مشهد مقبرة سيدي امبارك، لماذا يبدو المهاجر، في بعض الخطابات الأمنية، خطراً عندما يحاول الوصول إلى هناك، ثم يتحول إلى موضوع للتعاطف عندما يستقر جسده تحت التراب؟ في حياته يُطلب من المهاجر إثبات حقه في العبور، وتُفحص أوراقه وبصماته وجنسيته وأسباب رحيله، أما في موته فيختفي هذا التعقيد كله، وتصبح إنسانيته فجأة واضحة لا تحتاج إلى وثائق. يا للمفارقة! إنسان احتاج إلى تأشيرة ليعبر الحدود، لكنه لم يحتج حتى لكفن ليدخل المقبرة الأوروبية.
إن المهاجر الذي يموت في البحر يفقد حياته ومعها أيضاً حقه في أن تعرف أمه أين دُفن، وأن يصل إليه أهله، وأن يستعيد اسمه من مجهولية القبر. ولذلك فإن أعظم تكريم لهؤلاء الموتى كان يجب ألا يبدأ بزيارة ملكية، بل ببرنامج جاد لتحديد هويات الضحايا، وإخبار أسرهم، وفتح تحقيقات مستقلة في ظروف وفاتهم، وتوفير الضمانات التي تحول دون تكرار المأساة.
لكن الإنصاف الفكري يقتضي ألا يتحول نقد الاستعمار الأوروبي إلى وسيلة لإعفاء دول الجنوب من مسؤولياتها، فالشباب الذين يغامرون بأرواحهم للوصول إلى أوروبا لا يهربون من التاريخ الاستعماري وحده، بل يهرب بعضهم أيضاً من حاضر اجتماعي لا يمنحهم ما يكفي من الأمل، ومن حقهم أن يسائلوا السياسات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية في بلدانهم، مثلما من حقهم مساءلة أوروبا عن سياساتها الحدودية وعلاقاتها غير المتكافئة مع الجنوب. إن الحق في الهجرة لا ينبغي أن يحجب حق الإنسان في ألا يُضطر إلى الهجرة. وهذا يعني أن مسؤولية المغرب وبقية البلدان الإفريقية تتمثل في بناء شروط العيش الكريم داخل أوطانها، وتوسيع فرص التعليم والعمل والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد والتفاوتات التي تجعل الرحيل يبدو أحياناً الخيار الوحيد.
إن أعمق ما تكشفه زيارة فيليبي السادس أن المسألة التاريخية لسبتة ومليلية لم تفقد قدرتها على العودة إلى قلب النقاش السياسي، رغم مرور القرون وتغير العلاقات الدولية؛ فما يبدو في الخطاب الإسباني قضية سيادة محسومة يظل في الوعي الوطني المغربي سؤالاً تاريخياً مفتوحاً. وما يبدو من مدريد امتداداً طبيعياً للجغرافيا السياسية الإسبانية يُقرأ من الرباط باعتباره استمراراً لوضع استعماري يستدعي المعالجة.
لقد أحرزت إسبانيا المعاصرة تحولات ديمقراطية عميقة، وراكم مجتمعها المدني والثقافي والحقوقي تجارب مهمة في نقد السلطة والدفاع عن الحريات. ولا يجوز اختزال الشعب الإسباني في ماضي الإمبراطورية، أو اعتبار جميع الإسبان مسؤولين عن خطايا الاستعمار. بل إن داخل إسبانيا نفسها أصواتاً حقوقية وفكرية تطالب بمراجعة سياسات الهجرة، وتندد بالعنف الحدودي، وتدافع عن حقوق اللاجئين، وتفتح نقاشات نقدية حول التاريخ الاستعماري وميراثه.
إن المصالحة مع التاريخ لا تعني محاكمة الأبناء على أفعال الأجداد، وإنما تعني رفض تحويل نتائج تلك الأفعال إلى مقدسات سياسية لا يجوز الاقتراب منها. المقبرة التي كان يُراد لها أن تكون شاهداً على الرحمة استطاعت أن تتحول أيضاً إلى شاهد على التناقض. فالملك الذي يقف أمام قبور مجهولة الأسماء لا يواجه الموت وحده، بل يواجه أسئلة التاريخ والسيادة والعدالة والحدود؛ والأجساد الراقدة تحت التراب لا تطالب بضميرها الصامت بأي شعار سياسي، لكنها تضع الجميع أمام حقيقة يصعب الهروب منها: لم يكن هؤلاء أعداءً لأوروبا، لقد كانوا يبحثون عن فرصة للحياة.
إن المأساة ليست في أن الملك الإسباني زار قبور المهاجرين، فذلك، في ذاته، سلوك إنساني محمود، المأساة أن يتحول الحداد إلى نهاية الحكاية، بينما ينبغي أن يكون بدايتها. وإذا كان التاريخ الكولونيالي قد علّم الدول الأوروبية كيف ترسم الحدود وتفرض السيادة فإن امتحانها الأخلاقي اليوم هو أن تتعلم كيف تحمي الإنسان قبل أن تضطر إلى تكريمه بعد موته.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة