حكومة المنصوري: بين طموحات التجديد وواقع الاستمرارية في مراكز القرار


هذا الخبر بعنوان "حكومة فاطمة الزهراء بين انتظارات التجديد وحدود التغيير" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: محمد شقير
التاريخ: 17 أكتوبر 2026
ارتبط تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري بآمال مجتمعية وسياسية تتجاوز مجرد تغيير رئيس الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية. كانت التوقعات تشمل تجديد النخب الحكومية، وزيادة تمثيل النساء والشباب، وإدخال وجوه جديدة إلى دوائر صنع القرار. وقد عززت هذه التوقعات رمزية تعيين أول امرأة على رأس الحكومة، بالإضافة إلى الخطاب السياسي الذي يربط تجديد النخب بتحديث الممارسة السياسية واستعادة ثقة المواطنين.
لكن مقارنة هذه التوقعات بالتشكيلة الحكومية المعلنة في 16 أكتوبر 2026 تكشف عن مفارقة. فبينما تحقق التجديد على مستوى قيادة الحكومة وبعض التعيينات، لم تشهد التمثيلية النسائية زيادة عددية؛ حيث تضم الحكومتان سبع نساء، في حكومة جديدة تتكون من 32 عضواً مقابل 31 في الحكومة السابقة. يطرح هذا تساؤلاً حول مدى استجابة الحكومة الجديدة لمطلب تجديد النخب، أم أنها اكتفت بتجديد القيادة وإعادة توزيع المسؤوليات ضمن البنية الحكومية القائمة؟
يمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري كأول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب تحولاً تاريخياً في مستوى التمثيل السياسي. ومع ذلك، لا ينبغي للأهمية الرمزية لهذا الحدث أن تحجب السؤال المتعلق بطبيعة السلطة الحكومية الفعلية. يمكن التمييز هنا بين ثلاثة مستويات:
وبالتالي، فإن وجود امرأة على رأس الحكومة لا يكفي وحده لإثبات حدوث تحول في الثقافة السياسية أو في طبيعة ممارسة السلطة. فذلك يتوقف أيضاً على مدى حضور النساء في مواقع القرار، وعلى استقلالية القرار الحكومي، وعلى قدرة رئيسة الحكومة على ممارسة القيادة الفعلية داخل ائتلاف متعدد الأحزاب.
من أبرز معالم الحكومة الجديدة أنها تشكلت من أربعة أحزاب: الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. وتتوفر هذه الأغلبية، وفق الإعلان عن تشكيلها، على 207 مقاعد، مقابل 198 مقعداً المطلوبة لتحقيق الأغلبية المطلقة في مجلس النواب.
ولعل مما أضفى الطابع السياسي لهذه الحكومة إسناد حقائب وزارية لكل من الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة الذي تقلد من جديد وزارة التجهيز والماء، بينما عُين الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بن عبد الله، رغم غضبة ملكية سابقة، على رأس وزارة التعليم. وتم تسجيل غياب الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر عن تحمل أي حقيبة وزارية، رغم أن المعطيات المنشورة تؤكد أنه شارك في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة، وأن حزبه وافق على المشاركة فيها.
يمكن تفسير هذا الغياب من خلال أربعة احتمالات:
غير أن كل هذه الاحتمالات لا يمكن أن تتجاوز السؤال الذي يبقى مطروحاً: هل استُبعد لشكر سياسياً؟ يمكن تسجيل مفارقة سياسية: لشكر شارك بصفته الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي في المفاوضات التي أفضت إلى تشكيل الأغلبية، ثم انتهى المسار إلى حكومة لا تضم اسمه. فهل كانت وزارة العدل محور الخلاف بين لشكر والمنصوري؟ هذا الاحتمال يستند إلى معطى صحفي مهم. فقد أفادت صحيفة «الأيام 24» في 5 أكتوبر 2026 بأن لشكر طرح، خلال مشاوراته مع المنصوري، مطالب تتعلق بالقطاعات التي يرغب الاتحاد الاشتراكي في تدبيرها، وفي مقدمتها وزارة العدل. وبالتالي، يمكن بناء فرضية مفادها أن وزارة العدل كانت موضع تنافس في مفاوضات توزيع الحقائب. وإن كان لا يمكن الجزم بأن رفض إسنادها إلى لشكر كان السبب في عدم استوزاره، إلا أن وزارة العدل كانت دائماً تكتسي أهمية خاصة.
فإذا صحت فرضية أن لشكر كان يرغب في تولي وزارة العدل، فإن الأمر يتجاوز البحث عن حقيبة وزارية وازنة، بالنظر إلى رمزية الوزارة وموقعها في الدولة:
وهنا يبرز احتمال وجود تفاوض لم يُحسم وفق التصور الذي كان يفضله لشكر أو حزبه. وبالتالي يمكن ربط ذلك بالاستقبال الملكي الثاني لرئيسة الحكومة المعينة في 14 أكتوبر. حيث يمكن تقديم قراءة سياسية حذرة تقوم على أن الاستقبال الملكي الثاني جاء في مرحلة متقدمة من المشاورات، بعد اللقاء الثاني بين المنصوري ولشكر في 5 أكتوبر، وقبل الإعلان عن الحكومة في 16 أكتوبر. حيث يسمح هذا التسلسل الزمني بطرح احتمال أن تكون رئيسة الحكومة قد عرضت على الملك حصيلة المشاورات والتصور النهائي للتشكيلة، بما في ذلك الصعوبات المحتملة المرتبطة بتوزيع الحقائب. وإن كان لا يوجد في نص البلاغ الملكي ما يثبت أن الاستقبال خُصص لحسم خلاف حول وزارة العدل أو لاتخاذ قرار باستبعاد لشكر. والسؤال الأكثر إثارة للبحث هنا هو: هل اختارت المنصوري الاحتفاظ بوزارة العدل داخل دائرة قيادة الأصالة والمعاصرة، ولو على حساب عدم استوزار الكاتب الأول لحزب حليف، أم أن غياب لشكر كان نتيجة تسوية أوسع لتوزيع الحقائب داخل الأغلبية؟
يكشف الإعلان الرسمي عن الحكومة الجديدة، يوم 16 أكتوبر 2026، عن وجود عناصر واضحة للاستمرارية إلى جانب تجديد بعض الوجوه والقطاعات. فقد احتفظ عبد الوافي لفتيت بوزارة الداخلية، وناصر بوريطة بوزارة الخارجية، وعبد اللطيف وهبي بوزارة العدل، كما استمر عدد من الوزراء في قطاعات التجهيز والماء والصناعة والنقل. في المقابل، تولى فوزي لقجع وزارة الاقتصاد والمالية، وعاد نبيل بن عبد الله إلى الحكومة من بوابة التربية الوطنية، وعُينت شرفات أفيلال على رأس قطاع الطاقة.
وبالتالي يمكن قراءة هذه الاختيارات من خلال المؤشرات التالية:
وفي هذا السياق، فإن استمرار عدد من الوزراء في مواقعهم لا يثبت وحده وجود استمرارية سياسية شاملة، لكنه يشير إلى أن الحكومة الجديدة اختارت الجمع بين الخبرة المتراكمة والتجديد الانتقائي، بدل القطيعة الكاملة مع المرحلة السابقة.
تتميز حكومة فاطمة الزهراء بتجديد رمزي واضح في قيادة الحكومة، وتجديد محدود في التمثيلية النسائية من حيث العدد، بينما يظل حجم التجديد الشبابي جد محدود.
وبالتالي، فإن وجود امرأة على رأس الحكومة لا يعني تلقائياً تحقق المناصفة. بل قد يخلق هذا التعيين معياراً جديداً لتقييم الأداء الحكومي، بحيث يصبح من المشروع التساؤل عن مدى ترجمة رمزية القيادة النسائية إلى توسيع فعلي لتمثيلية النساء في مراكز القرار.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في سياق تصاعد مطالب الشباب المرتبطة بالتشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية. فالشباب لا ينتظرون بالضرورة حكومة شابة من الناحية العمرية فقط، بل ينتظرون أيضاً حكومة تفهم أوضاعهم وتستجيب لمطالبهم وتتيح لهم المشاركة في صياغة السياسات العامة.
ومع ذلك، لا تكفي المعطيات المتاحة عن التشكيلة الحكومية وحدها للجزم بأن الحضور الشبابي قد توسع أو تقلص؛ إذ ينبغي إجراء مقارنة عمرية دقيقة بين أعضاء الحكومتين، إلى جانب تقييم طبيعة المسؤوليات المسندة إلى الوجوه الجديدة. غير أنه يمكن اعتبار إسناد حقيبة الشباب إلى صلاح الدين عبقري، إلى جانب استمرار المهدي بنسعيد على رأس وزارة الشباب والثقافة والرياضة، من أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها في تحليل التجديد الشبابي داخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري. فقد عين صلاح الدين عبقري وزيراً منتدباً لدى وزير الشباب والثقافة والرياضة، مكلفاً بالشباب. وقد راكم هذا الأخير تجربة إدارية في قطاعات حكومية مختلفة، منها الداخلية والاقتصاد والمالية والثقافة. وبالتالي تكمن أهمية تعيينه في إسناد ملف الشباب إلى مسؤول ذي مسار إداري، بما قد يتيح الجمع بين الخبرة التدبيرية ومعرفة حاجيات الفئات الشابة.
بينما جددت الثقة في المهدي بن سعيد وزيراً للشباب والثقافة والرياضة بعد توليه وزارة الشباب والثقافة والتواصل منذ سنة 2021. ويجمع القطاع الجديد بين الشباب والثقافة والرياضة في إطار حكومي واحد. ويكشف هذا الاختيار عن الجمع بين الاستمرارية والتجديد: استمرار وزير راكم تجربة حكومية، مع إسناد ملف الشباب إلى وزير منتدب جديد. لذا يمكن استخلاص ثلاث دلالات أساسية:
وبالتالي، يمكن القول إن حكومة فاطمة الزهراء تتضمن مؤشراً على التجديد الشبابي من خلال تعيين صلاح الدين عبقري وتوسيع مسؤوليات المهدي بنسعيد لتشمل الرياضة. لكن هذا التجديد يظل، في المرحلة الحالية، تجديداً في توزيع المسؤوليات داخل الجهاز الحكومي؛ أما اعتباره تحولاً في تمثيلية الشباب ونفوذهم السياسي، فيحتاج إلى تقييم أعمار أعضاء الحكومة، وصلاحيات المسؤولين الجدد، والنتائج التي سيحققونها.
عموماً، يمكن تفسير عدم تحول انتظارات التجديد إلى قطيعة مع الماضي من خلال ثلاثة اعتبارات متداخلة:
فقد جمعت التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة المنسقة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري بين وزراء احتفظوا بمناصبهم ووجوه عادت إلى الحكومة وأخرى تخوض تجربتها الوزارية الأولى. لذلك، فإن التجديد الحكومي لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الوزراء الجدد، بل بمدى تغير قواعد اختيارهم، وطبيعة الأدوار التي يضطلعون بها، وقدرتهم على إحداث تحول في الأداء.
فحكومة فاطمة الزهراء المنصوري تقدم نموذجاً لتداخل التجديد الرمزي والاستمرارية البنيوية. فقد شكل تعيين أول امرأة على رأس الحكومة تحولاً تاريخياً، غير أن ثبات عدد النساء عند سبع وزيرات، وعدم كفاية المعطيات المتاحة للحكم على حجم التجديد الشبابي، يفرضان التمييز بين تغيير القيادة وتجديد النخب الحكومية. وعليه، فإن المفارقة الأساسية تكمن في أن الحكومة الجديدة تحمل رمزياً وعداً بالتغيير، لكنها مطالبة بإثبات هذا الوعد من خلال بنيتها البشرية وتوزيع المسؤوليات ونتائج السياسات العمومية.
كما أن تعيين حكومة فاطمة الزهراء المنصوري يكشف عن مفارقة سياسية تتمثل في الجمع بين التجديد في قمة القيادة التنفيذية والاستمرارية في عدد من مراكز القرار والاختيارات الاستراتيجية. فالحكومة الجديدة ليست استمراراً خالصاً للحكومة السابقة، كما أنها لا تمثل، بمجرد تشكيلها، قطيعة كاملة معها. حيث تكمن خصوصيتها في التقاء ثلاثة عناصر: قيادة نسائية غير مسبوقة، وقيادة حكومية جديدة لحزب الأصالة والمعاصرة، وائتلاف يضم أحزاباً من خلفيات سياسية وتاريخية متعددة. غير أن القيمة الفعلية لهذا التحول ستظل رهينة بمدى قدرة الحكومة على الانتقال من إعادة توزيع المناصب إلى إعادة تنظيم الفعل الحكومي، ومن التوافق على تشكيل الأغلبية إلى إنتاج سياسات عمومية تستجيب للانتظارات الاجتماعية.
وعليه، فإن السؤال المركزي ليس فقط: من دخل الحكومة ومن احتفظ بمنصبه؟ بل هل ستغير حكومة فاطمة الزهراء طريقة اشتغال السلطة التنفيذية، أم ستكتفي بتجديد واجهتها السياسية مع الحفاظ على بنيتها الأساسية؟
الوسوم: إدريس لشكر، التمثيلية النسائية، الحكومة الجديدة، حكومة فاطمة الزهراء المنصوري
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة