كمال الهشومي: من قيادة الشبيبة الاتحادية إلى قيادة التعليم الأولي.. رحلة تجمع بين المعرفة والسلطة


هذا الخبر بعنوان "كمال الهشومي.. ابن الشبيبة الاتحادية الذي جمع بين سلطة المعرفة ومعرفة السلطة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن طريق كمال الهشومي إلى الحكومة مستقيماً، بل تقاطعت فيه السياسة بالجامعة، والعمل الجمعوي بالإدارة العمومية، والنضال الحزبي بكواليس المؤسسات الدستورية. فبعد مسار طويل امتد لثلاثة عقود، انتقل الهشومي من دار الشباب بالحي المحمدي بالدار البيضاء إلى القصر الملكي بالرباط، حيث عينه الملك محمد السادس وزيراً منتدباً مكلفاً بالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي ضمن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.
المفارقة الأبرز في هذا التعيين لا تكمن فقط في انتقال أستاذ للقانون الدستوري إلى الجهاز التنفيذي، بل في طبيعة الحقيبة المسندة إليه. فالرجل الذي قضى جزءاً من حياته في تأطير الشباب والتربية على المواطنة، أصبح اليوم مسؤولاً عن ملف اجتماعي حساس: ضمان بداية تعليمية أفضل للأطفال والحد من مغادرة آلاف التلاميذ للمقاعد الدراسية.
ولد كمال الهشومي بالدار البيضاء عام 1977، ونشأ سياسياً في بيئة كانت الحركة الطلابية والعمل الجمعوي والتنظيمات الشبابية الحزبية تشكل فضاءات رئيسية لاستقطاب الأجيال الجديدة. ارتبط بالعمل التربوي والثقافي من خلال جمعية الشعلة للتربية والثقافة، وتدرج في مسؤولياتها وصولاً إلى منصب نائب الرئيس على المستوى الوطني. لم يكن نشاطه الجمعوي منفصلاً عن اهتمامه المبكر بالسياسة، بل شكل مدخلاً لها. انخرط في العمل التنظيمي والتمثيلي منذ عام 1996، قبل أن يجد موقعه داخل الشبيبة الاتحادية، التنظيم الشبابي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، نشط الهشومي في الجامعة، وتولى مسؤولية تيار الطلبة الاتحاديين بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، وشغل عضوية اللجنة المركزية للشبيبة الاتحادية ولجنة القطاع الطلابي، ومثل الطلبة في مجلس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية. شكلت تلك السنوات محطة أساسية في تكوين شخصيته السياسية، متزامنة مع مرحلة دقيقة من تاريخ الاتحاد الاشتراكي.
منذ عام 2003، أصبح الهشومي عضواً بالمجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي، وواصل تدرجه عبر عدد من الهياكل، قبل أن يصل عام 2025 إلى المكتب السياسي للحزب. يعكس هذا المسار استمرارية انتمائه التنظيمي، ويكشف عن خصوصية تجربته داخل الاتحاد الاشتراكي؛ فهو ليس من القيادات التي صنعت حضورها عبر المنافسة الانتخابية أو الخطابة الجماهيرية، بل من الأطر التي راكمت نفوذها المهني والسياسي من خلال المعرفة بالمؤسسات، والعمل التنظيمي، والخبرة التقنية والإدارية.
تعد علاقة الهشومي بالقيادي الاتحادي الحبيب المالكي، الرئيس الأسبق لمجلس النواب، محطة مفصلية في صعوده. فبين يوليوز 2017 وشتنبر 2021، شغل الهشومي منصب رئيس ديوان رئيس مجلس النواب، ليجد نفسه في قلب المؤسسة التي تتحرك داخلها التوازنات الحزبية والتحالفات البرلمانية. أتاحت له هذه المهمة الاحتكاك اليومي بآليات اشتغال البرلمان، وتنسيق العلاقات المؤسساتية، ومواكبة ملفات التعاون البرلماني الدولي، والتعرف عن قرب على منطق تدبير الخلافات والتوافقات بين الفاعلين السياسيين.
انتقل الهشومي من دراسة المؤسسات الدستورية في الكتب إلى معاينة اشتغالها من الداخل. وعلى المستوى الحزبي، ظل حاضراً في هياكل الاتحاد الاشتراكي قبل أن يصبح عضواً في مكتبه السياسي. وفي يونيو الماضي، انتدبه الكاتب الأول للحزب لرئاسة اجتماع المجلس الإقليمي للاتحاد الاشتراكي بمكناس، في سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية.
على المستوى الأكاديمي، بنى كمال الهشومي مساراً في القانون العام والعلوم السياسية، توج عام 2012 بحصوله على الدكتوراه في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية من جامعة الحسن الثاني، من خلال بحث تناول الانتقال الديمقراطي بالمغرب. وقبل ذلك، حصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الإداري والتدبير العمومي. واشتغل أستاذاً باحثاً بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بعين السبع بالدار البيضاء، وتولى منصب نائب العميد المكلف بالتواصل والإدماج والمقاولة، قبل انتقاله عام 2023 إلى كلية الحقوق أكدال بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث يدرس القانون الدستوري والعلوم السياسية، وينسق مسلكين للماستر.
أصدر مؤلفات في علم السياسة والنظرية العامة للقانون الدستوري وتاريخ الفكر السياسي، وحافظ على صلة بين الاشتغال الأكاديمي والنقاش السياسي اليومي من خلال مشاركاته في وسائل الإعلام. خاض تجربة صحفية داخل جريدة “الاتحاد الاشتراكي” بين عامي 2000 و2002، مهتماً بقضايا الشباب والشؤون الاجتماعية.
في الإدارة العمومية، تولى مهام مستشار لوزير التشغيل والتكوين المهني، مكلفاً بملفات النزاعات الاجتماعية والحوار الاجتماعي والتواصل، قبل انتقاله إلى الكتابة العامة للوزارة. وبعد تجربته بديوان رئيس مجلس النواب، عاد إلى الإدارة المركزية من بوابة وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، حيث عين مديراً للموارد البشرية والميزانية والشؤون العامة، ثم كاتباً عاماً بالنيابة لقطاع الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل. انخرط في تدبير ملفات الحوار الاجتماعي باسم الحكومة المغربية على المستويين الوطني والدولي.
عمل مع منظمات دولية، منها منظمة “البحث عن أرضية مشتركة”، وأشرف على برامج لتأطير الشباب وتعزيز المشاركة المواطنة وتدبير الخلافات. كما اشتغل على مشاريع مرتبطة بالتنمية المحلية وحقوق الإنسان وبناء قدرات الجمعيات، قبل أن يدرج اسمه عام 2025 ضمن اللائحة الرسمية للمحكمين المعتمدين لدى وزارة العدل.
سياسياً، يأتي تعيين كمال الهشومي ضمن عودة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى المسؤولية الحكومية، في إطار التحالف الرباعي الذي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري. سيجد الوزير الجديد نفسه تحت الإشراف المباشر لنبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، الذي أسندت إليه حقيبة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل.
تمنح حقيبة كمال الهشومي خصوصيتها من خلال إعادتها للرجل إلى أحد المجالات التي بدأ منها مساره قبل ثلاثة عقود: التربية والتأطير والمشاركة الاجتماعية. لكن الفارق هذه المرة كبير؛ فمن موقع الفاعل الجمعوي، أصبح مسؤولاً حكومياً عن سياسات عمومية يفترض أن تصل إلى الأطفال في المدارس والقرى والمناطق الهشة، وأن تضمن لهم الاستمرار داخل المنظومة التعليمية. يمثل التعليم الأولي ورشاً استراتيجياً لإرساء تكافؤ الفرص منذ السنوات الأولى للطفولة، من خلال توسيع العرض التربوي، وتحسين جودة التأطير، وتكوين المربيات والمربين، وضمان انتقال سلس إلى التعليم الابتدائي.
يصل كمال الهشومي إلى الحكومة في الـ 49 من عمره، حاملاً تجربة متعددة الواجهات، من الشبيبة الاتحادية إلى المكتب السياسي، ومن الجامعة إلى البرلمان، ومن تدبير النزاعات الاجتماعية إلى المسؤولية الإدارية. لقد عرف الهشومي لسنوات كيف تعمل المؤسسات من الداخل، وساهم في تأطير الشباب والتفاوض حول الخلافات وتدبير الملفات الإدارية. أما اليوم، فهو أمام مهمة أكثر وضوحاً وأشد صعوبة: أن يسهم في جعل المدرسة مكاناً لا يغادره الأطفال مبكراً، وأن تتحول خبرته في التربية على المواطنة إلى سياسات تحمي حق الأجيال الصاعدة في التعليم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة