المغرب
منوعات

شهادة الفيلة المؤثرة: هل يملك الإنسان وحده حق الحزن؟

هسبريس17 أكتوبر 2026 في 14:060 مشاهدة
شهادة الفيلة المؤثرة: هل يملك الإنسان وحده حق الحزن؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "شهادة فِيَلة ضد الإنسان" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في تأمل عميق للحياة البرية، تفتح لنا عدسةٌ في ناميبيا صفحةً من كتاب الأرض، حيث تُظهر صورةٌ مؤثرة لأنثى فيلٍ تحمل بخرطومها ما لم يعد يحتاج إلى حمل. لا صراخ ولا نحيب، بل صمتٌ يتحدث بلغةٍ أقدم من لغاتنا، لغةٌ مكتوبة في الجسد والخطوة والإصرار على عدم ترك الغائب وحيداً. هذه اللقطة، التي صاغها فيديريكو فيرونيزي ونالت حضورها في مسابقة “مصوّر الحياة البرّية للعام” Wildlife Photographer of the Year، تضع المشاهد أمام مرآةٍ تكشف عن ملامح إنسانية أنكرها طويلاً على الآخرين. من علّمنا أن الحزن حكرٌ علينا؟

تبدو جلود الفيلة كأنها خرائط قديمة، وطيّاتها العميقة شاهدةٌ على عمرٍ طويل من الترحال والفقد والذاكرة. الخلفية الباهتة تُبرز الأم وصغيرها، وكأن العالم كله توقف احتراماً لهذا الرباط المقدس. تتجاوز الصورة حدود الجمال الفني لتطرح سؤالاً يُربك الإنسان: ماذا نعرف حقاً عمّا تشعر به الحيوانات؟ لقد تعوّد البشر أن يحتكروا الحزن، وأن يروا في سلوك الكائنات الأخرى غريزةً صمّاء. لكن مشهداً كهذا يزعزع تلك الطمأنينة؛ فالأم التي ترفض مفارقة جثمان صغيرها لا تبدو أسيرة آلية عمياء، بل كمن يعجز عن تصديق الرحيل.

رصد الباحثون في سلوك الفيلة ما يشبه طقوس الوداع، من وقوفٍ طويل عند الميت ولمسٍ رقيق بالخراطيم، حتى ليحار المرء أن يسمّي ذلك إلا حداداً. والغريب أن الإنسان، الذي يُسمّي نفسه “العاقل”، لم يكتفِ بإنكار الوجدان على الفيلة، بل أنشأ مختبراتٍ وبحوثاً علمية لإثبات أن الأم تحزن على صغيرها. في المقابل، نحن، الذين لا نجد في صدورنا متّسعاً للحداد على جارٍ قاسَمَنا الجدار عشرين عاماً، نقف أمام هذه الصورة وقفةَ العارفين، نُبدي تعاطفاً سريعاً ثم نمرّر الشاشة إلى ما يضحكنا، تاركين الفيل من ذاكرتنا قبل أن يجفّ حبر تعاطفنا.

أما الفيلة التي تسقط في السهول والغابات برصاصٍ وسُمٍّ وأفخاخ، وتُنتزع أنيابها، فلا نمنحها دمعةً واحدة، لأنها لا تأتينا مصحوبةً بموسيقى أو إضاءةٍ ذهبية. نحول أنيابها إلى تماثيل وحُليّ، ونصفّها على رفٍّ فاخر، ثم نُعلّق فوقه لوحةً لفيلٍ يمشي بجلالٍ في البرّية، فلا يرفّ لنا جفن. مفارقةٌ تُخجلنا: صنعنا من ناب الفيل تحفةً، ومن حزن الفيلة مقالاً، ومن الحالتين مناسبةً نتأمّل فيها صباحاً بخشوعٍ بالغ، وننساها مساءً براحةٍ أبلغ.

وأعجب من ذلك، أن الإنسان، الذي يُقيم لموتاه المآتم ثم ينشغل بالمواريث، يتحدث عن “غريزة” الفيلة بنبرة الواثق المترفّع. فالفيلة تقف أياماً عند جثمان فقيدها، أما نحن فنُحصي التعازي على الهاتف، ونختصر الوجع في رمزٍ تعبيريّ صغير. كائنٌ يملك اللغة كلها ولا يجد ما يقوله، يقف أمام كائنٍ لا يملك منها حرفاً وقد قال كل شيء. هنا تكمن قوة هذه الصورة وبلاغتها الصامتة، فهي تتركنا وحيدين مع تساؤلنا، وقد أدركنا أن المسافة بيننا وبين سائر الأحياء أقصر مما ظننا، وأن ما ظنناه امتيازاً خالصاً لنا لم يكن سوى تقصيرٍ في الإصغاء. إنها شهادةٌ بصرية بأن الحب والفقد ليسا حكراً على نوعٍ دون آخر، وأن للأرض قلوباً كثيرة تعرف كيف تحزن، وإن لم تعرف كيف تبوح.

شارك الخبر: