خبير دستوري يحلل جدل قانون المالية: صلاحيات الحكومة الانتقالية وحدودها قبل تنصيب الحكومة الجديدة


هذا الخبر بعنوان "خبير دستوري يوضح خلفيات التداول في قانون المالية قبل التنصيب البرلماني للحكومة الجديدة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 18 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار تداول التوجهات العامة لمشروع قانون المالية في المجلس الوزاري، خلال مرحلة تصريف الأعمال، نقاشًا دستوريًا حول صلاحيات الحكومة المنتهية ولايتها ومدى توافق إعداد الميزانية السنوية مع القيود القانونية للمرحلة الانتقالية، خاصة مع اقتراب مواعيد إيداع المشروع بالبرلمان. يأتي هذا النقاش في ظل عدم عرض الحكومة الجديدة، بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، لبرنامجها الحكومي بعد على البرلمان أو حصولها على التنصيب، حيث يُتوقع تقديم البرنامج ومناقشته الاثنين المقبل. يطرح هذا التوقيت تساؤلات حول الأساس الدستوري لمناقشة المشروع المالي في مرحلة انتقالية لا تزال فيها الحكومة السابقة تمارس مهام تصريف الأعمال.
يقدم رشيد المدور، أستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، قراءة قانونية للإشكال، تتناول حدود المنع المفروض على حكومة تصريف الأعمال، والتمييز بين التداول في التوجهات العامة والمصادقة النهائية على المشروع، بالإضافة إلى مبدأ استمرارية الدولة ومقتضيات الضرورة الدستورية.
يرى الخبير الدستوري رشيد المدور أن النقاش الدستوري يجب أن يركز على طبيعة المواضيع التي يمكن التداول بشأنها خلال مرحلة تصريف الأعمال، وليس على مشروعية انعقاد المجلس الوزاري نفسه، الذي تستند صلاحياته إلى الفصلين 48 و49 من الدستور. وأوضح المدور أن تحديد طبيعة الإجراء يتطلب التمييز بين عرض التوجهات العامة للمشروع والمصادقة النهائية عليه كمشروع متكامل جاهز للإحالة على البرلمان. وأشار إلى أن الحكومة السابقة لم تصادق نهائيًا على النص المتكامل للمشروع، بل اقتصر الأمر على عرض التوجهات العامة والمؤشرات الكبرى للسياسة المالية للدولة للسنة المقبلة أمام المجلس الوزاري.
تكمن أهمية هذا التمييز في أن المادة 37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة تمنع حكومة تصريف الأعمال من “المصادقة على مشاريع القوانين”، لكنها لا تتضمن نصًا صريحًا يمنع الأعمال التحضيرية والدراسات الاستشرافية والإجراءات التقنية اللازمة لإعدادها. بناءً على ذلك، يعتبر المدور أن عرض التوجهات العامة لمشروع قانون المالية يختلف قانونيًا وإجرائيًا عن المصادقة النهائية عليه، مما يجعل إخضاع هذا الإجراء لقيود المادة 37 أمرًا محل نظر، خاصة في غياب نص صريح يمدد المنع ليشمل المراحل التحضيرية. يدعو هذا التمييز إلى عدم التعامل مع جميع الإجراءات المرتبطة بإعداد مشروع قانون المالية كذات طبيعة واحدة، بل تحديد طبيعة كل إجراء ومرحلته وآثاره القانونية قبل الحسم في مدى خضوعه لقيود حكومة تصريف الأعمال.
بالإضافة إلى التمييز بين الأعمال التحضيرية والمصادقة النهائية، يستند المدور إلى طبيعة قانون المالية كالتزام دستوري وقانوني محكوم بآجال محددة، وليس مجرد إجراء حكومي عادي يمكن تعطيله دون انعكاسات على سير المؤسسات. وأوضح أن عرض التوجهات العامة لمشروع قانون المالية يرتبط بمرحلة أساسية من المسار المؤدي إلى إيداع المشروع لدى البرلمان، وهو الإيداع المحدد أجله في 20 أكتوبر بموجب المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية. يعني هذا الارتباط الزمني أن تعطيل المراحل التحضيرية قد يؤدي إلى إهدار الزمن التشريعي وتعقيد مسطرة إقرار الميزانية السنوية، مما يضع المؤسسات أمام صعوبات محتملة في ضمان انتظام التدبير المالي للدولة.
يؤكد المدور أن تقييم الإجراءات المتخذة خلال مرحلة تصريف الأعمال يجب أن يستحضر متطلبات استمرارية الدولة وانتظام عمل مؤسساتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بإجراءات ترتبط بآجال دستورية وقانونية. مفهوم تصريف الأعمال لا يعني بالضرورة وقف جميع أنشطة الحكومة، بل يقتضي التمييز بين القرارات ذات الطبيعة السياسية التي قد تقيد اختيارات الحكومة المقبلة، والإجراءات التحضيرية الضرورية لضمان استمرار عمل المؤسسات واحترام الاستحقاقات القانونية.
استحضر المدور القرار رقم 15/955 الصادر عن المحكمة الدستورية بشأن فحص دستورية القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، مبرزًا أن التوجه الذي تضمنه القرار يتيح مراعاة ما قد تستلزمه حالة الضرورة من اتخاذ تدابير تشريعية أو تنظيمية لمواجهتها. يستفاد من هذا التوجه أن القيود المرتبطة بتصريف الأعمال لا ينبغي تفسيرها كقواعد جامدة، بل كنظام قانوني يوازن بين محدودية اختصاصات الحكومة خلال المرحلة الانتقالية وضرورة ضمان استمرارية مؤسسات الدولة. مراعاة الضرورة لا تعني منح حكومة تصريف الأعمال صلاحيات سياسية مفتوحة، بل تتيح النظر في الإجراءات الضرورية لتفادي تعطيل الالتزامات الدستورية والقانونية.
يضع المدور التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية ضمن الإجراءات التحضيرية التي تكتسب أهميتها من ارتباطها بآجال دستورية محددة، وبضرورة تفادي أي ارتباك في المسار المالي للدولة. ويرى أن هذه الاعتبارات توفر سندًا قانونيًا وفقهيًا للقول بدستورية الإجراء، بالنظر إلى التمييز بين العرض والمصادقة، ومقتضيات الضرورة واستمرارية الدولة. خلص أستاذ القانون الدستوري إلى أن جوهر النقاش لا يتعلق بمشروعية انعقاد المجلس الوزاري، بل بحدود تدخل حكومة تصريف الأعمال في المسار التحضيري لقانون المالية، معتبرًا أن التمييز بين مراحل الإعداد والمصادقة، واستحضار الآجال القانونية والاجتهاد الدستوري المغربي، عناصر أساسية في تقييم مدى دستورية التداول في التوجهات العامة للمشروع خلال هذه المرحلة الانتقالية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة