وعود "البام" الانتخابية: مليون وظيفة و350 مليار درهم.. أين اختفت في الخطاب الحكومي؟


هذا الخبر بعنوان "مليون منصب شغل و350 مليار درهم يغيبان عن خطاب المنصوري.. أين ذهبت وعود "البام" الانتخابية؟" نشر أولاً على موقع اليوم 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 19 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قبل 48 يومًا فقط من الانتخابات التشريعية، دخل حزب الأصالة والمعاصرة (البام) السباق ببرنامج طموح تحت شعار «من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة»، تضمن عشرين التزامًا قابلًا للتنفيذ والتتبع، ووعدًا بإحداث مليون منصب شغل صافٍ، مدعومًا بغلاف مالي إضافي يقدر بـ350 مليار درهم على مدى خمس سنوات. إلا أن خطاب فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للحزب ورئيسة الحكومة، أمام مجلسي البرلمان في 19 أكتوبر، كشف عن غياب هذه الأرقام بشكل كامل عن البرنامج الذي قدمته لنيل ثقة مجلس النواب.
تكشف مقارنة أجراها موقع «اليوم 24» بين الوثيقة الانتخابية المقدمة في فاتح سبتمبر والخطاب الحكومي للمنصوري، عن انتقال معظم وعود «البام» إلى برنامج الحكومة الجديدة، لكن مع تفاوت ملحوظ في الالتزام بالأهداف الرقمية والآجال والوسائل التنفيذية. في المقابل، استمرت بعض التعهدات الاجتماعية بصيغتها الأصلية، بينما ارتفع سقف البعض الآخر. وتكتسب هذه المقارنة أهميتها من كون الحزب الذي تصدر الانتخابات بـ97 مقعدًا أصبح يقود الأغلبية الحكومية، مما يعني انتقال المنصوري من موقع تقديم الوعود إلى موقع الالتزام بتنفيذ برنامج حكومي يضم أحزابًا أخرى.
يبرز اختفاء هدف إحداث مليون منصب شغل صافٍ من الخطاب الحكومي كأبرز ما تكشفه المقارنة. ففي برنامجه الانتخابي، تعهد الحزب بإحداث ما لا يقل عن 200 ألف منصب شغل صافٍ سنويًا، بهدف خفض معدل البطالة إلى 7% بحلول عام 2031، ورفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء إلى 21.2%. كما قدم الحزب توزيعًا قطاعيًا للوظائف المستهدفة، شمل الأنشطة المرتبطة بكأس العالم 2030، والخدمات ذات القيمة المضافة، والصناعة، والفلاحة، واقتصاد الرياضة.
أما البرنامج الحكومي، فقد تناول التشغيل كأولوية أساسية، وتضمن إجراءات لإدماج الشباب، منها تكوين 100 ألف شاب سنويًا، وتمكين نحو 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية كل سنة، بالإضافة إلى مواكبة 60 ألف مقاولة. ومع ذلك، فإن هذه التعهدات لا تعادل بالضرورة إحداث مليون منصب شغل صافٍ، حيث أن التكوين والتجربة المهنية لا يعنيان بالضرورة خلق وظائف جديدة ومستدامة. كما خلا الخطاب الحكومي من الهدف الرقمي المتعلق بتقليص البطالة إلى 7% بحلول 2031. وهكذا، تحول ملف التشغيل من التزام انتخابي محدد بأعداد الوظائف ومعدل البطالة المستهدف، إلى مجموعة من البرامج والإجراءات الموجهة للإدماج والتكوين والمواكبة، دون تحديد الحصيلة الصافية المنتظرة على المستوى الوطني.
لم يكن هدف التشغيل الرقم الكبير الوحيد الذي غاب عن الخطاب الحكومي. فقد قدم «البام» برنامجه الانتخابي بتكلفة إضافية تقديرية بلغت 350 مليار درهم للفترة من 2027 إلى 2031، موزعة على أربعة مجالات: 150 مليار درهم للقدرة الشرائية، و100 مليار للمواطنة والخدمات العمومية، و50 مليارًا لإدماج الشباب، و50 مليارًا للأمن الاستراتيجي. واعتبر الحزب آنذاك أن تحديد الكلفة ومصادر التمويل جزء من مصداقية تعهداته.
لكن البرنامج الذي قدمته المنصوري أمام البرلمان لم يتضمن الغلاف المالي الإجمالي نفسه، ولا توزيعًا مماثلًا للنفقات المبرمجة بحسب المجالات، رغم احتفاظه بأهداف اقتصادية أساسية وردت في البرنامج الانتخابي. فقد تعهدت الحكومة بتحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي في حدود 5%، والتحكم في التضخم عند نحو 2%، وضبط عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض المديونية إلى نحو 62% بحلول 2031. وهذا يعني أن المؤشرات المتعلقة بالتوازنات الاقتصادية والمالية ظلت حاضرة بأرقامها، بينما غابت الفاتورة الإجمالية التي وضعها الحزب لتنفيذ التزاماته الاجتماعية والاقتصادية.
فيما يتعلق بالقدرة الشرائية، احتفظ البرنامج الحكومي بمعظم التوجهات التي أعلنها «البام»، لكنه أدخل تعديلات لافتة على بعض الوعود. فخلال الحملة الانتخابية، تعهد الحزب بجعل فاتورة الكهرباء الشهرية مجانية إذا كانت تقل عن 100 درهم، دون شرط إضافي. أما في البرنامج الحكومي، فقد أعلنت المنصوري إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل قيمة فاتورة الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم، لكن بشرط أن يتعلق الأمر بالسكن الرئيسي للأسر المستحقة. وهذا التحول يجعل نطاق الاستفادة من الإجراء الحكومي مختلفًا عن الوعد الانتخابي.
وينسحب الأمر نفسه على الضريبة على الدخل. فقد تعهد الحزب بإعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة، واعتماد نسبة 10% للأجور بين 15 ألفًا و46 ألف درهم، و20% لما يتجاوز ذلك. لكن المنصوري اكتفت في خطابها الحكومي بالتعهد بإصلاح تدريجي للضريبة على الدخل، بهدف زيادة الدخل الصافي للأجراء وتشجيع التشغيل المصرح به، دون تكرار الأشطر أو النسب التي أعلنها حزبها قبل الانتخابات.
وبالنسبة لأسعار المواد الغذائية، احتفظت رئيسة الحكومة بفكرة إعادة تنظيم مسالك التوزيع وتقريب المنتجين من المستهلكين عبر شركات جهوية ومنصات مهنية، لكنها لم تكرر الرقم الذي ورد في التزام حزبها، المتعلق بإحداث ست شركات جهوية للتوزيع الفلاحي.
في المقابل، حافظ البرنامج الحكومي على التزامات اجتماعية بارزة أعلنها حزب الأصالة والمعاصرة خلال حملته الانتخابية. وأهمها رفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية تدريجيًا إلى 3000 درهم شهريًا، وتمكين الأرامل من معاش يعادل 100% من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بدلاً من 50%. لكن ثمة فارقًا في الجدولة الزمنية؛ فالبرنامج الانتخابي تعهد بأن يصبح الحد الأدنى للمعاشات 3000 درهم ابتداءً من السنة الثانية للولاية، في حين تحدث البرنامج الحكومي عن الرفع التدريجي دون تحديد أجل مماثل.
كما احتفظت المنصوري بالتعهد برفع الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، والانتقال إلى استهداف الأسر وفق الدخل الفعلي، بدلاً من الاعتماد على المؤشر المعمول به وحده. وفي ملف السكن، ظل وعد إنجاز أو تأهيل 100 ألف مسكن قروي حاضرًا، مع تخصيص دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسر المؤهلة، لكنه لم يأت ضمن التعهد الانتخابي الأشمل الذي يستهدف تمكين 500 ألف أسرة من سكن لائق خلال خمس سنوات.
امتدت التغييرات إلى الصحة والتعليم والخدمات الرقمية. ففي القطاع الصحي، سبق أن وعد «البام» بإنجاز أربعة مستشفيات جامعية جهوية جديدة في بني ملال وكلميم والرشيدية والدار البيضاء قبل نهاية عام 2028، إلى جانب تأهيل 1600 مركز صحي و90 مستشفى جهويًا وإقليميًا. غير أن خطاب المنصوري، رغم تأكيده على إصلاح المستشفيات والاستعجالات وتغطية الخصاص الترابي في العرض الصحي، لم يكرر هذه الأرقام أو موعد إنجاز المستشفيات الأربعة.
وفي التعليم، كان البرنامج الانتخابي أكثر تفصيلاً في الإجراءات اليومية، إذ تعهد بتعميم التعليم الأولي من سن الرابعة، وبدء التوقيت الدراسي في التاسعة صباحًا، وتخصيص 20 دقيقة للقراءة يوميًا، وثلاث ساعات للتربية البدنية. أما البرنامج الحكومي، فقد تبنى أهدافًا أخرى لقياس جودة التعلمات، أبرزها رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في الكفايات الأساسية إلى 80% على الأقل بحلول 2031، مع هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق 2030.
وفي المجال الرقمي، لم يكرر خطاب رئيسة الحكومة التعهد بتجهيز 80% من المساكن بالألياف البصرية، ولا إحداث 1500 فضاء رقمي مواطناتي، وإن احتفظ بالتوجه نحو توسيع الربط بالإنترنت وتعزيز الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. وتكرر الأمر في الأمن الطاقي والمائي، إذ احتفظ البرنامج الحكومي بهدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أزيد من 52%، وتطوير تحلية مياه البحر، دون إعادة الوعد الانتخابي بتوفير مخزون من المحروقات يغطي ثلاثة أشهر من الاستهلاك، أو الأهداف المرتبطة بإنجاز 400 منشأة مائية وست محطات للتحلية و1000 نقطة مائية رعوية.
لم تكن التغييرات كلها في اتجاه حذف الأرقام أو تخفيف التعهدات. ففي الصفقات العمومية، رفع البرنامج الحكومي النسبة المخصصة للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية من 15% في البرنامج الانتخابي إلى 30%، مع إعلان المنصوري اعتزام إلزام أصحاب الطلبيات العمومية قانونيًا بهذه الحصة، ووضع آليات لفحص الصفقات والتحقيق في حالات التواطؤ بين المتنافسين.
كما انتقل التعهد الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية إلى البرنامج الحكومي بصيغته الأساسية، بما في ذلك إحداث صندوق باعتماد مالي يبلغ ملياري درهم ولجنة وزارية دائمة لتتبع التنفيذ. وظهر في الخطاب الحكومي أيضًا تعهد صريح بتجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح، وهو تعهد لم يكن من بين العناوين العشرين المحددة في البرنامج الانتخابي للحزب.
تكشف قراءة الوثيقتين أن البرنامج الحكومي لم يمثل قطيعة مع البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، إذ حافظ على عدد مهم من اختياراته وتدابيره، لا سيما في الدعم الاجتماعي والمعاشات والسكن والأمن الغذائي والطاقي. لكن الفارق الأساسي يتمثل في انتقال عدد من التعهدات من صياغة انتخابية تحدد الأرقام والآجال والوسائل إلى صياغة حكومية تكتفي أحيانًا بتحديد التوجهات والإجراءات العامة. وبحسب تصنيف تحريري للالتزامات العشرين، يظهر أن سبعة التزامات احتفظ بجوهرها، وأحد عشر التزاما انتقلت بصورة جزئية أو بصياغات مختلفة، بينما غاب التحديد الأصلي لالتزامين، يتصلان بخلق مليون منصب شغل صافٍ وضمانات ظروف العمل اللائق.
اقتصاد
سياسة
سياسة
سياسة