الطلاق في المغرب: لماذا تتأخر المحاكم وتغيب السياسات الاجتماعية الداعمة للأسرة؟


هذا الخبر بعنوان "الطلاق في المغرب.. حين تتدخل المحاكم متأخرة وتغيب السياسات الاجتماعية مبكرا" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 22 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: محمد حبيب
التاريخ: 22 أكتوبر 2026
لم يعد الطلاق في المغرب مجرد مسألة عائلية خاصة أو خلاف بين زوجين، بل تحول إلى قضية اجتماعية تستدعي مساءلة معمقة للسياسات العمومية ومدى قدرتها على التكيف مع التغيرات التي تشهدها الأسرة المغربية. فكل ملف طلاق أمام القضاء قد يخفي سنوات من التوتر، وسوء التواصل، وضغوط اقتصادية، وتوقعات زوجية لم تتحقق، ومعاناة نفسية صامتة لم تجد من يستمع إليها في الوقت المناسب. يبرز سؤال جوهري حول دور مؤسسات المواكبة الاجتماعية والنفسية في الفترة ما بين بداية الخلاف ووصول الزوجين إلى المحكمة: هل لدينا سياسة عمومية فعالة لضمان استقرار الأسرة قبل تفككها، أم نكتفي بالتعامل مع تداعيات الأزمات الزوجية قضائياً؟
أظهر التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تسجيل 154,377 قضية طلاق وتطليق في عام 2025، مقارنة بـ 147,895 قضية في عام 2024، مما يمثل ارتفاعاً بنسبة تقارب 4.38%. ومع ذلك، فإن عدد القضايا المسجلة لا يعكس بالضرورة عدد الزيجات التي انتهت فعلياً في نفس السنة. كما أن الانخفاض الذي شهدته القضايا بين عامي 2023 و2024 قبل عودتها للارتفاع في 2025 يجعل وصف الارتفاع بأنه مستمر دون انقطاع أمراً غير دقيق. تشير المندوبية السامية للتخطيط إلى تسجيل حوالي 239.3 ألف عقد زواج في عام 2024، مقابل 91.7 ألف حالة طلاق تشمل رسوم الطلاق والتطليق القضائي. لا يمكن قسمة الرقم الثاني على الأول لاستخلاص نسبة الزيجات التي تنتهي بالطلاق، لأن المؤشرين لا يتتبعان نفس المجموعة من الأزواج. وقد كشف البحث الوطني حول الأسرة لعام 2025 عن تحولات في البنية الأسرية، وتراجع في أشكال التعايش الممتد، وتغير في مسارات الحياة والتوقعات من الزواج. هذه التحولات لا تعني بالضرورة تراجع قيمة الأسرة، بل تغير شروط استمرارها.
تربط بعض التفسيرات الشائعة الطلاق بتراجع القيم، أو انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أو تغير أدوار المرأة والرجل. ورغم أن التحولات الثقافية والرقمية قد تؤثر في العلاقات، فإن اعتبارها أسباباً مباشرة دون دليل كافٍ يختزل ظاهرة تتداخل فيها عوامل اقتصادية ونفسية واجتماعية. فالزواج المعاصر أصبح يتضمن توقعات متزايدة تتعلق بالتقدير، والاحترام، وتقاسم المسؤوليات، والإشباع العاطفي. وقد تنشأ التوترات عندما تتغير هذه التوقعات بوتيرة أسرع من قدرة العلاقة على التكيف، خاصة في ظل غياب مهارات التواصل وإدارة الخلافات. كما أن هشاشة السكن والعمل وتكاليف رعاية الأطفال قد تزيد من حدة التوتر، دون أن يعني ذلك حتمية الطلاق.
إذا كان الزواج اختياراً شخصياً، فإن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الزوجان ليست كلها نتاج قراراتهما الفردية. لذا، تبدأ المسؤولية الحكومية بتسهيل الحصول على السكن، وتحسين فرص العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية وخدمات رعاية الأطفال. لا ينبغي اختزال تشجيع الزواج في مساعدات مالية مؤقتة عند إبرام العقد؛ فالتحدي الحقيقي هو تهيئة الظروف التي تساعد الأسرة على مواجهة متطلبات الحياة المشتركة. الاستقرار الاقتصادي لا يضمن نجاح الزواج، ولكنه قد يخفف من بعض مصادر الضغط التي تزيد النزاعات حدة.
أين يمكن للزوجين اللذين يعانيان من أزمة تواصل حادة الحصول على مساعدة متخصصة قبل اتخاذ قرار الانفصال؟ هناك حاجة ماسة لخدمات عمومية متاحة وميسورة للإرشاد النفسي والزواجي، تضم أخصائيين نفسيين ومساعدين اجتماعيين ووسطاء مؤهلين. لا ينبغي أن تقتصر هذه الخدمات على محاولة منع الطلاق، بل يجب أن تشمل تحسين التواصل، وتنمية مهارات حل النزاعات، والتربية الوالدية، والكشف عن حالات العنف وإحالتها إلى خدمات الحماية. يجب أن تكون هذه الخدمات طوعية وسرية، وأن يخضع أثرها لتقييم علمي يتجاوز مجرد عد الملفات التي لم تصل إلى المحكمة.
قد يصل الزوجان إلى المحكمة بعد سنوات من النزاع، حين يكون التباعد النفسي والعاطفي قد بلغ مراحل متقدمة. لذا، فإن محاولة الصلح الإجرائية وحدها لا تكفي لمعالجة الجذور المعقدة للأزمة. المطلوب هو تطوير وساطة أسرية مهنية، بمحددات واضحة للتأهيل والممارسة، وبفضاءات ملائمة للاستماع والتشخيص. لكن الوساطة لا تصلح تلقائياً لجميع الحالات، ولا يجوز تحويلها إلى ضغط للبقاء في علاقة تنطوي على عنف أو إكراه أو تهديد للسلامة. الهدف ليس المصالحة بأي ثمن، بل صون الحقوق والكرامة والمصلحة الفضلى للأطفال.
من الإجراءات المقترحة إطلاق برامج اختيارية للمقبلين على الزواج وللأزواج خلال السنوات الأولى، تتناول التوقعات المتبادلة، والتواصل العاطفي، وإدارة الاختلاف، والتخطيط المالي، وتقاسم مسؤوليات الرعاية والتربية. لا يتعلق الأمر بتقديم وصفة واحدة لجميع الأسر المغربية، بل بتمكين الأفراد من معارف ومهارات تساعدهم على الاختيار الواعي والتعامل البناء مع الخلافات. يجب اختبار نجاعة هذه البرامج بتقييمات ميدانية قبل تعميمها.
غالباً ما يطغى النقاش حول عدد حالات الطلاق، بينما يظل أثر النزاعات على الأطفال أقل حضوراً. لا يعني الطلاق في حد ذاته وقوع ضرر نفسي حتمي، كما أن استمرار الزواج لا يوفر الحماية حين تسود النزاعات المزمنة أو العنف. تقتضي الحماية مواكبة نفسية واجتماعية للأطفال، وبرامج للتربية الوالدية المشتركة بعد الانفصال، وضمان الحقوق الاقتصادية والتواصل الآمن، ومنع توظيف الطفل كأداة ضغط في صراعات الكبار.
لا تكفي التدخلات القطاعية المتفرقة لمواجهة تحولات بهذا العمق. لذا، تبرز الحاجة إلى سياسة وطنية منسقة بين قطاعات التضامن والصحة والتعليم والسكن والتشغيل والعدل، بمشاركة الجماعات الترابية والمجتمع المدني والباحثين. يجب أن تستند هذه السياسة إلى رصد علمي منتظم يميز بين طلبات الطلاق والأحكام الصادرة، ويحلل الاختلافات حسب مدة الزواج والدخل والمجال الترابي، ويضم دراسات كيفية تستمع إلى خبرات الأزواج والأطفال. الأرقام القضائية مهمة، لكنها لا تكشف بمفردها لماذا تصل العلاقات إلى الانفصال.
في النهاية، هل نريد تقليص الطلاق أم تحسين جودة الحياة الأسرية؟ ليس السؤال الحكومي الأجدر بالطرح هو: كيف نخفض عدد حالات الطلاق؟ بل: كيف نوفر شروطاً تساعد على علاقات زوجية آمنة ومستقرة؟ انخفاض الطلاق لا يعني تلقائياً تحسن جودة الحياة، وقد يكون الانفصال في بعض الحالات ضرورياً لحماية الكرامة والسلامة. لقد آن الأوان للانتقال من سؤال «لماذا يطلق المغاربة؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا فعلنا، مؤسساتياً واجتماعياً ونفسياً، لمساعدة الأسر على تجاوز أزماتها قبل وصولها إلى المحكمة؟ الاستثمار الحقيقي في استقرار الأسرة لا يبدأ داخل قاعة المحكمة، بل قبل ذلك بكثير، حين تتحول الأسرة من موضوع للخطاب السياسي إلى أولوية ملموسة في السياسات العمومية.
سياسة
سياسة
تكنولوجيا