المغرب
سياسة

اللاتمركز الإداري: رافعة أساسية لتحقيق التنمية المجالية والجهوية المتقدمة في المغرب

هسبريس22 أكتوبر 2026 في 16:100 مشاهدة
اللاتمركز الإداري: رافعة أساسية لتحقيق التنمية المجالية والجهوية المتقدمة في المغرب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "اللاتمركز الإداري" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 22 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

شهد المغرب، مع بزوغ فجر العهد الجديد، تحولاً في مفهوم التدبير والسلطة، حيث وجه جلالة الملك خطاباً سامياً في 12 أكتوبر 1999، مؤكداً على أن خيار اللامركزية يجب أن يواكب بمسلسل عدم التركيز الإداري لنقل اختصاصات الإدارة المركزية إلى مندوبيها المحليين. يُعد مفهوم اللاتمركز الإداري أصيلاً في الأنظمة التدبيرية المغربية، لكنه لم يتحول إلى ثقافة تدبيرية فعالة تربط بين القرار المركزي وتنفيذه على المستويات المتعددة، وتجعل العلاقة بين سلطة التعيين وسلطة الانتخاب دعامتين للتنمية الترابية والمجالية.

مع صدور المرسوم رقم 2.17.618 في 26 ديسمبر 2018، بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري، انتقل المفهوم من مضمون تدبيري إلى رؤية قانونية موحدة وملزمة. تهدف هذه الرؤية إلى التطبيق الأمثل للسياسات العمومية، ومواكبة الجهوية المتقدمة، وتفعيل الشراكة مع الجماعات الترابية، وتقريب الخدمات العمومية من المواطنين. ويعتبر المرسوم الجهة فضاءً ملائماً لبلورة سياسة اللاتمركز الإداري.

في خطاب العرش لسنة 2025، دعا جلالة الملك إلى إحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، والانتقال من مقاربة التنمية الاجتماعية إلى مقاربة التنمية المجالية المندمجة. ودعا الحكومة إلى اعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية يركز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ودعم التشغيل، وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، وإدارة الموارد المائية، وإطلاق مشاريع التأهيل الترابي المندمج.

وفي خطاب موجه لنواب الأمة في 09 أكتوبر الجاري، اعتبر جلالة الملك الظرفية استثنائية لمواصلة الإنجازات، وتطلع إلى أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لطموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة. وحدد الرهان الحقيقي في العمل الميداني على المستوى الترابي، وإيجاد حلول واقعية للمشاكل. وأكد أن النهوض بالتنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري. كما شدد على أن التأخير في تنزيل اللامركزية واللاتمركز يعرقل برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأنه لم يعد من المقبول أي تأخير في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات والموارد البشرية والمالية.

إن هذا التوجيه الملكي يتجاوز مجرد تسريع ورش إداري، بل يطرح أسئلة عميقة حول علاقة السلطة بالمجال، والمركز بالهامش، والمعرفة المحلية بصناعة القرار. فالتأكيد على ضرورة إنجاز الإصلاح وربطه بنقل الصلاحيات والموارد يضع الأصبع على جوهر الإشكال: لا تنمية ترابية حقيقية دون القدرة على الفعل في المستويات المحلية. اللاتمركز الإداري هو مدخل لإعادة التفكير في الثقافة التي تحكم إنتاج القرار العمومي وتوزيع إمكانات التنمية، والانتقال من منطق التحكم المركزي إلى منطق التدبير الترابي الفعال.

تتجسد المركزية كبنية إدارية ورمزية، لا تقتصر على تمركز الاختصاصات والموارد، بل قد تشمل تمركز المعرفة والقدرة على تعريف المشكلات وصياغة الحلول. بينما يُختزل المجال الترابي في فضاء لتلقي السياسات وتنفيذها. إن المضمر الثقافي الذي يجب مساءلته هو استمرار تصور أن المعرفة التنموية تتشكل في المركز، وأن الأقاليم دورها استيعاب القرارات. فالمعرفة بالمجال تتشكل أيضاً من التجربة اليومية للسكان، وحاجات الجماعات المحلية، وخبرة الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين. لذلك، يجب أن يصاحب نقل الصلاحيات اعتراف مؤسساتي بقيمة المعرفة الترابية وتمكين الجهات من المساهمة في صياغة السياسات.

تكتسب الجهوية المتقدمة معناها العميق كمشروع لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجال، لتجاوز اختلالات توزيع الموارد. فالهامش قد يمتلك ثروات مهمة لا تحظى بالاعتراف الكافي. إن التنمية لا ترتبط بحجم الموارد المتاحة فقط، بل بقدرة المؤسسات على تعبئتها وإشراك السكان. الجهوية المتقدمة تقتضي إعادة الاعتبار للمجال كمنتج للمعرفة والقيمة والثقافة، وفضاء تتفاعل فيه الحاجات مع الإمكانات. نقل الصلاحيات والموارد يجب أن يفتح المجال لسياسات تنموية تراعي التفاوتات المجالية وتستجيب لحاجات المناطق القروية والنائية.

عبارة «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل» تفتح باباً لقراءة ثقافية للزمن الإداري. فالتأخير قد يتحول إلى تجربة اجتماعية يعيشها المواطن، مما قد يشكل ثقافة اجتماعية تتعايش مع بطء الإدارة. محاربة التماطل ليست مجرد تحسين تقني، بل هي مواجهة لثقافة مؤسساتية تجعل المسطرة غاية في ذاتها. المطلوب هو الانتقال من إدارة تجعل المواطن ينتظر القرار إلى إدارة تمتلك القدرة على اتخاذه في المستوى المناسب، مع تحقيق التوازن بين احترام القانون وسرعة الإنجاز وجودة الخدمة. هذا التحول يتطلب إعادة تصميم المساطر، وتحديد المسؤوليات، وتقليص التداخل، وتوفير الموارد، واعتماد آليات واضحة للتقييم والمحاسبة.

الربط بين الصلاحيات والموارد البشرية والمالية يحمل دلالة مركزية. المسؤولية التي لا تسندها سلطة فعلية تظل ناقصة. التحدي يكمن في ضمان انتقال فعلي للقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، والانتقال من مجرد تفويض للاختصاصات إلى تمكين الفعل الميداني. الرهان الحقيقي هو العمل الميداني على المستوى الترابي، وإيجاد حلول واقعية للمشاكل.

لا تقتصر العدالة المجالية على توزيع متوازن للبنيات التحتية والخدمات، بل تمتد إلى الاعتراف بخصوصيات المجالات وأشكال المعرفة والثقافة المحلية. المقاربة التنموية التي تتجاهل الخصوصيات الثقافية قد تفشل. أما المقاربة التي تستحضرها، فتستطيع تحويل الثقافة والتراث واللغة والذاكرة المحلية إلى عناصر للإبداع والتنمية. الجهوية المتقدمة يمكن أن تتيح إعادة الاعتبار للتراث الثقافي المحلي، ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية، وربط المؤسسات التعليمية بمشاريع التنمية الترابية. الاعتراف بالخصوصيات الجهوية لا يعني الانغلاق، بل بناء الوحدة الوطنية على أساس الإنصاف والتكامل والتضامن.

لتحويل هذه الرؤية إلى ممارسة، يتطلب الأمر: وضع خريطة واضحة للاختصاصات المنقولة وتوفير الموارد اللازمة. إعادة بناء منظومة للتنسيق بين المصالح اللاممركزة للدولة والجهات والجماعات الترابية. اعتماد تخطيط ترابي ينطلق من تشخيص ميداني للحاجات، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر هشاشة. إعادة النظر في المنظومة الضريبية والمخططات العمرانية لتكييفها مع خصوصيات الجهات. تفعيل أشكال جديدة للتضامن بين الجهات، مع التركيز على الاستثمار في الموارد المحلية. إرساء مقاربة جديدة للتأهيل متعدد المستويات للنساء والشباب. إرساء ثقافة جديدة للمساءلة تقيس الأثر الفعلي للسياسات العمومية على حياة السكان. توسيع المشاركة المجتمعية في صناعة القرار من خلال آليات التشاور والحوار العمومي.

بهذه الشروط، يصبح اللاتمركز الإداري رافعة للجهوية المتقدمة، وتتحول الجهة من مجرد مجال لتنفيذ السياسات إلى فضاء للمبادرة والابتكار. التوجيه الملكي المتعلق بإنهاء التأخير في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري يتجاوز بنية الإدارة إلى الثقافة التي تؤطر عملها، ويتجاوز توزيع الاختصاصات إلى توزيع القدرة على الفعل. الرهان الحقيقي هو تفكيك التصورات والممارسات التي تجعل المركز المصدر الوحيد للقرار والمعرفة، وبناء علاقة جديدة بين الدولة والجهات تقوم على التكامل والثقة وتوزيع المسؤولية والاعتراف بقيمة المعرفة المحلية. الجهوية المتقدمة لا تكتمل بمجرد نقل الصلاحيات والموارد، بل حين يصبح المجال الترابي شريكا فعليا في إنتاج التنمية، وحين تتحول الخصوصيات الجهوية إلى عناصر مؤسسة للسياسات العمومية، وحين يقاس نجاح الإدارة بما تحدثه من تغيير ملموس في حياة المواطنين.

شارك الخبر: