تاريخ الصراع: الماركسيون والإسلاميون في المغرب - من الجامعة إلى السجن وما بعدها


هذا الخبر بعنوان "تاريخ العداء بين الماركسيين والإسلاميين في المغرب" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتناول هذه الدراسة الحالة المغربية لتتبع مسار العداء بين الماركسيين والإسلاميين عبر ثلاث مراحل رئيسية: الجامعة في السبعينيات حيث نشأ هذا العداء، والسجن في الثمانينيات حيث جمعتهما ظروف القمع المشترك، ثم العودة إلى الجامعة في التسعينيات حيث تحول الخلاف إلى صراع مفتوح على الساحة الطلابية. يطرح التحليل سؤالاً تاريخياً وعملياً حول أسباب عدم تحول لحظات التقاطع بينهما إلى علاقة مستقرة.
شهدت مطلع السبعينيات بروز الحركة الماركسية اللينينية المغربية، ممثلة في تنظيمات مثل (23 مارس) و(إلى الأمام)، والتي انبثقت عن خلايا سابقة. بعد أن كان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب تابعاً للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أصبح تحت قيادة هذه الخلايا. ردت الدولة بقمع الاتحاد عام 1973 واعتقال مناضليه. في المقابل، تأسست الشبيبة الإسلامية عام 1969 ونمت في الجامعات بين 1972 و1975، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه قمع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. شكلت هذه الساحات الجامعية الهوية التنظيمية الأولى للإسلاميين المغاربة. شكل اغتيال القيادي الاتحادي عمر بنجلون في 18 ديسمبر 1975، والذي نُسب إلى عناصر من الشبيبة الإسلامية، نقطة تأسيسية في ذاكرة اليسار تجاه الإسلاميين. وصفت نصوص صادرة عن تنظيم (إلى الأمام) الشبيبة بأنها مجموعة إجرامية، متهمة إياها بالعنف وخدمة السلطة. ترسخ في هذا الخطاب ثلاثة عناصر لازمت العلاقة بين الطرفين لعقود: العنف كسابقة، تهمة التوظيف السياسي للإسلاميين من قبل السلطة، والملكية الحصرية للجامعة كمجال تاريخي لليسار.
لا يمكن فهم تطور الحركة الإسلامية المغربية في الثمانينيات بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي، وتجارب التنظيمات اليسارية التي سبقتها إلى السجون. شكلت السجون المغربية، رغم طبيعتها القمعية، فضاءً غير متوقع للتفاعل بين تيارات سياسية متباينة، جمعتها ظروف الاعتقال وفرضت عليها مواجهة أسئلة عملية مشتركة. كشفت هذه التجربة عن مساحات للتقاطع بين الإسلاميين والماركسيين اللينينيين، تمثلت في تبادل الخبرات، وتشابه أشكال التنظيم الداخلي، والتأثر المتبادل في أساليب الاحتجاج. حددت الباحثة سليوموفيكس أربع محطات رئيسية لهذا التقاطع: انتقال الخبرة الاحتجاجية من اليساريين إلى الإسلاميين، التضامن خلال إضراب أكتوبر 1985 بسجن آسفي، تطوير الإضراب التناوبي انطلاقاً من النقاشات الشرعية، وتشابه أشكال التنظيم الداخلي والإنتاج الثقافي. طرحت هذه المحطات سؤالاً حول مدى مساهمة الاحتكاك في السجون في انتقال الحركة الإسلامية إلى فاعل يطور أدوات جماعية للاحتجاج والتفاوض.
أولاً: نصيحة إدريس بنزكري (1985): نقلت سليوموفيكس عن إدريس بنزكري، المناضل السابق في منظمة (إلى الأمام)، نصيحة للإسلاميين حول استخدام الإضراب عن الطعام كوسيلة أخيرة وتجنب الإضراب المفتوح. عكست هذه النصيحة خبرة متراكمة في تدبير الصراع مع إدارة السجن، وأظهرت تصوراً عملياً للاحتجاج يقوم على التمييز بين قوة الوسيلة الاحتجاجية وقدرتها على الحفاظ على الفاعل. دلت هذه الواقعة على انتقال الخبرة عبر الحوار بين معتقلين من مرجعيتين مختلفتين، وإدارة الاحتجاج بعيداً عن الموقف الأيديولوجي.
ثانياً: إضراب أكتوبر 1985 بسجن آسفي والتضامن: انضم معتقلون إسلاميون إلى إضراب مجموعة 26 الماركسية اللينينية تضامناً مع أفرادها. تجاوزت هذه الواقعة مستوى الاستفادة الفردية إلى ممارسة فعل تضامني، رغم تباين المرجعيات الفكرية والسياسية. أبرزت هذه الواقعة الكلفة الإنسانية للإضرابات المفتوحة، وطبيعة الظروف التي دفعت المعتقلين لاستخدام أجسادهم كوسيلة للضغط. يمكن تفسير انضمام الإسلاميين في هذه الحالة بالاعتبارات متعددة مثل وحدة المكان، والتعرض لظروف احتجاز متقاربة، والإحساس بأن تجاهل مطالب مجموعة قد يمس المجموعات الأخرى، فضلاً عن الاعتبارات الإنسانية. كشفت هذه الواقعة عن فرق مهم بين التضامن الأيديولوجي والتضامن الحقوقي أو الاحتجاجي.
ثالثاً: الإضراب التناوبي منذ 1987: ابتكر الإسلاميون صيغة الإضراب التناوبي، التي تقوم على مشاركة مجموعات صغيرة في الإضراب لمدة محددة ثم تعقبها مجموعة أخرى. سمح هذا الأسلوب بمواصلة الاحتجاج مع الحد من المخاطر الصحية على كل معتقل على حدة. كشف هذا الابتكار عن تحول في طريقة إدارة الاحتجاج، من التركيز على تضحية الفرد إلى استمرارية الفعل الجماعي. تمثل هذا الأسلوب في مستوياته الثلاثة: الشرعي (الموازنة بين مشروعية المطالب والحفاظ على النفس)، التنظيمي (التنسيق الجماعي وتقاسم الأدوار)، والاحتجاجي (توزيع الكلفة الجسدية). لم يكن الإضراب التناوبي مجرد تقليد، بل إعادة تنظيم لأداة احتجاجية معروفة بما ينسجم مع أسئلة الإسلاميين الشرعية وظروفهم التنظيمية.
رابعاً: التنظيم الداخلي والصحافة السرية: امتد التقاطع بين الإسلاميين والماركسيين إلى طرائق تنظيم الحياة الجماعية وإنتاج الثقافة داخل المعتقل. أنشأ الإسلاميون لجاناً للتفاوض مع الإدارة، واهتموا بالتواصل مع الخارج، وطوروا أنشطة ثقافية، وأصدروا صحفاً داخلية سرية، وهي ممارسات تشبه تجارب المعتقلين اليساريين. شكلت لجان التفاوض والتواصل مع الخارج آليات لتنسيق المواقف والدفاع عن المصالح الجماعية. أما الصحافة السرية، مثل «بيدانسيس» و«مدرسة يوسف»، فقد حولت السجن إلى مجال لإنتاج المعرفة وتداولها وتعزيز الشعور بالانتماء. لم يقتصر التشابه على وسيلة النشر، بل امتد إلى الحياة الثقافية داخل السجن كوسيلة لمقاومة العزلة وإعادة بناء الذات السياسية.
خاتمة التجربة السجنية: لم يؤد التقاطع في السجن إلى تحالف سياسي، لكنه ترك أثراً في ميدان الحقوق، حيث تأسس المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف عام 1999، وضمت لجنته التنفيذية يساريين وإسلاميين. واجه هذا المسار تحديين: إقناع الإسلاميين بأن حقوق الإنسان ليست عقيدة غربية علمانية، وتبديد توجس ناشطين حقوقيين من اليسار العلماني تجاه الإسلاميين. ظل اللقاء ناجحاً في ساحة الحقوق، لكنه عجز عن الانتقال إلى السياسة والجامعة.
شهدت الجامعة في التسعينيات صراعاً مفتوحاً. بعد فشل المؤتمر السابع عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب عام 1981، دخلت الحركة الطلابية في فراغ تنظيمي. في المقابل، برز الفاعل الإسلامي الطلابي الجماهيري بظهور تنظيمات مثل طلبة العدل والإحسان، والطلبة التجديديون، وطلبة (الميثاق). انقسم اليسار حيال هذا الوافد الجديد؛ فبينما رفضته بعض التيارات ودعت إلى القطيعة، اعتبرته تيارات أخرى تجلياً للحظر ودعت إلى المواجهة. شهدت هذه المرحلة نقاشات محتدمة داخل اليسار حول إمكانية محاورة الإسلاميين. أقر بعض مسؤولي اليسار بممارسة استفزازات تجاه الطلبة الإسلاميين، مثل السخرية من مظهرهم أو احتجازهم وتعنيفهم. وصفت هذه الفترة بأنها تاريخ دم وعنف وصراع حول السيادة في الجامعة. اختفى تيار (طلبة الميثاق) من جامعة فاس، رغم أنه قدم مشروعاً أخلاقياً للتعايش بين المكونات الطلابية. غاب عن الحوارات الطلابية بين المعتدلين الطرفان الأكبر حضوراً ميدانياً: القاعديون وطلبة العدل والإحسان. تبادلت الأطراف تهمة الإقصاء، حيث اتهم اليسار القاعدي بالتمسك بالشرعية التاريخية، واتهم طلبة العدل والإحسان بالتمسك بشرعية الصندوق الطلابي.
قضية آيت الجيد: في 25 فبراير 1993، قُتل الطالب اليساري بنعيسى آيت الجيد بفاس. بعد عقدين، أعيد فتح الملف على خلفية شكاية ضد القيادي في حزب العدالة والتنمية عبد العالي حامي الدين. صدر حكم قضائي بالإدانة ثم ألغي لاحقاً. ظلت قضية العنف الجامعي مفتوحة قضائياً وسياسياً، وتنازعت الأطراف حولها، مما يعكس كيف أن الذاكرة التي لم تعالج تتحول إلى مادة للصراع الجديد.
يطرح تاريخ العلاقة بين اليسار والإسلاميين في المغرب سؤالاً حول قدرة لحظات التقاطع على تغيير طبيعة العداء. هل هو خلاف أيديولوجي قابل للتجاوز أم عداء وجودي جذري؟ لم يكن تاريخ العلاقة بين الطرفين قطيعة مطلقة ولا تقارباً متواصلاً، بل عرف توتراً وصداماً، وتعايشاً وتضامناً. تمثلت المشكلة الأساسية في عجز اللقاءات العابرة عن التحول إلى علاقة سياسية ومجتمعية مستدامة. في السبعينيات، كان اليسار يمتلك حضوراً قوياً، بينما كانت الحركات الإسلامية في طور بناء هويتها. زادت الصراعات من تعقيد العلاقة، وترسخت روايات متعارضة حول العنف السياسي. تحولت وقائع مثل اغتيال عمر بنجلون ومقتل بنعيسى آيت الجيد إلى عناصر مركزية في بناء الذاكرة المتبادلة. في المقابل، قدم السجن تجربة مختلفة، حيث جمعت المعتقلين في فضاء واحد من المعاناة وأتاحت إمكانات للتضامن وتبادل الخبرات. لكن السجن لم ينجح في دمج السرديات السياسية والفكرية المختلفة. أنتجت التجربة المشتركة تضامناً عملياً، لكنها لم تنتج تصوراً مشتركاً للمجتمع والدولة. أدى اختلاف مسارات التوثيق والاعتراف إلى شعور متبادل بعدم الإنصاف. لم يكن العداء حتمية فكرية، بل نتاج تراكم يجمع بين ذاكرة دم، وتعاقب غير متزامن، وصراع على فضاء واحد، وغياب وسطاء أقوياء. أنتج التقاطع حيث كان مؤطراً بقضية محددة خارج المنافسة على التمثيل. الرهان الحقيقي ليس إنهاء الخلاف، بل منع تحوله إلى عداء وجودي يعطل إمكانات العمل المشترك. يتطلب ذلك الاعتراف المتبادل، ورفض العنف السياسي والإقصاء، وضمان حق كل طرف في التعبير والمشاركة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة