المغرب
سياسة

الخبير الكاين: ملف الصحراء المغربية يدخل مرحلة التفاصيل والضمانات.. والرهان على قابلية التطبيق الفورية

العمق المغربي28 أكتوبر 2026 في 21:200 مشاهدة
الخبير الكاين: ملف الصحراء المغربية يدخل مرحلة التفاصيل والضمانات.. والرهان على قابلية التطبيق الفورية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الكاين: ملف الصحراء يدخل “مرحلة التفاصيل والضمانات”.. والرهان على إثبات القابلية الفورية للتطبيق (حوار)" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

حوار: عبد المالك أهلال

28 أكتوبر 2026 - 21:00

اعتبر الخبير في ملف الصحراء المغربية، عبد الوهاب الكاين، أن القضية الوطنية دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة، انتقلت فيها من تدبير النزاع واستنزاف المسار التفاوضي إلى البحث عن تسوية سياسية على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وأبرز أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 شكل محطة مفصلية في هذا المسار، من خلال جعل المقترح المغربي أساسا للمفاوضات.

وأوضح الكاين في حوار مع جريدة “العمق” أن تنامي الدعم الدولي للمبادرة يعكس تحولاً في مقاربة المنتظم الدولي للنزاع، في ظل تزايد الاقتناع بضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ومستدام، بعيداً عن المقاربات التي لم تنجح في إنهاء الخلاف على مدى عقود. وشدد المتحدث، في حوار بمناسبة تخليد عيد الوحدة، على أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من تثبيت موقع مبادرة الحكم الذاتي في المسار الأممي إلى بلورة تصور مؤسساتي وتنموي متكامل يحدد الاختصاصات والضمانات وآليات الحكامة، بما يعزز مشاركة الساكنة في تدبير شؤونها في إطار السيادة المغربية.

كما أبرز أهمية الأوراش التنموية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، والدور الذي يمكن أن تضطلع به الشراكات الدولية، ولا سيما العلاقات المغربية الإسبانية، في دعم الاستقرار وتعزيز فرص تنزيل المبادرة، معتبراً أن تحويل الدعم الدبلوماسي إلى تعاون اقتصادي ومؤسساتي يشكل أحد المداخل الأساسية لترسيخ هذا المسار. وتطرق الحوار أيضا إلى دلالات النقاش المتزايد بشأن تفاصيل الحكم الذاتي وضمانات تطبيقه، وإلى تأثير التحولات الدبلوماسية على آفاق إنهاء النزاع، فضلاً عن المطالب المتعلقة بتمكين سكان الصحراء من الجنسية الإسبانية وانعكاساتها المحتملة على مسار التسوية.

وفي هذا السياق، أكد المتحدث أن الرهان لم يعد مقتصراً على كسب مزيد من التأييد الدولي للمبادرة المغربية، بل يشمل تهيئة الشروط السياسية والقانونية والمؤسساتية الكفيلة بتحويلها إلى حل قابل للتطبيق، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستظل رهينة بمسار المفاوضات ومدى استعداد الأطراف للانخراط في تسوية سياسية واقعية.

نص الحوار كاملاً:

بمناسبة تخليد عيد الوحدة، كيف تقرؤون المسار الذي قطعته قضية الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً فيما يتعلق بتطور مبادرة الحكم الذاتي من مقترح مغربي إلى مرجعية تحظى بدعم متزايد داخل المنتظم الدولي؟

تشكل مناسبة تخليد عيد الوحدة محطة استراتيجية فارقة لاستقراء التحول النوعي والعميق الذي طرأ على مسار ملف الصحراء المغربية، حيث انتقلت القضية برمتها من نموذج “تدبير النزاع” واستنزاف الجهد التفاوضي إلى منطق “الحسم السيادي والتسوية النهائية”. فهذا التطور لم يكن نتاج ظرفية عابرة، بل ثمرة تراكم عقلاني أرسى قطيعة سياسية مع المقاربات الكلاسيكية البائدة، مستندا إلى رؤية ملكية متبصرة زاوجت بين الشرعية التاريخية، والصلابة القانونية، والبراغماتية الدبلوماسية. وتبعا لذلك، نجحت المملكة في إعادة توجيه البوصلة الأممية نحو معايير الحل السياسي الواقعي العملي والمستدام، والقائم حصراً على التوافق، مما جعل المنتظم الدولي يعيد ترتيب أولوياته وفق موازين الشرعية الميدانية والتوازنات الجيوسياسية الإقليمية الراهنة.

وفي قلب هذا التحول المفصلي، برزت مبادرة الحكم الذاتي كنموذج معياري متقدم أعاد صياغة وتحديث مفهوم “تقرير المصير” في الفقه الدستوري والقانون الدولي المعاصر، مفرغا إياه من حمولته الانفصالية التفكيكية ليعيد توطينه داخل بيئته الطبيعية المتمثلة في الديمقراطية التشاركية وصون السيادة الوطنية والوحدة الترابية. فالخطة التي طرحت سنة 2007 كأفق تفاوضي شجاع ومسؤول، لم تعد مجرد مقترح مغربي ضمن خيارات مطروحة، بل استحالت في القرارات المتتالية لمجلس الأمن وعواصم القرار الدولي إلى المرجعية الحصرية الأكثر جدية ومصداقية لتسوية النزاع. إن هذا التكريس يمثل انتصاراً صريحاً لمبدأ التوفيق الخلاق بين مقتضيات ممارسة الساكنة لحقوقها المدنية والسياسية والاقتصادية عبر تدبير شؤونها الذاتية، وبين مبدأ الحفاظ على وحدة الدول واستقرارها ضد مخاطر البلقنة، وهو ما أضفى على المبادرة قوة نفاذ معيارية وحصانة حقوقية وأخلاقية غير مسبوقة.

ولا يمكن فصل هذا الإشعاع الدبلوماسي عن دينامية البناء الحقوقي والمؤسساتي الراسخ على الأرض، فالشرعية الدولية المتنامية لا تتحرك في فراغ نظري، بل تتغذى من واقع ميداني متطور تمارس فيه الساكنة الصحراوية مواطنتها الكاملة عبر انتخاب ممثليها الشرعيين بنسب مشاركة غير مسبوقة، وتتمتع بحقوقها الأساسية في إطار دولة المؤسسات وسيادة القانون. ونجزم بأن التنزيل الفعلي للحق في التنمية من خلال الأوراش الكبرى والنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، قد حول الصحراء المغربية إلى قطب جاذب للكرامة الإنسانية والعدالة المجالية والشراكة القارية عبر واجهتها الأطلسية، وهو واقع يمثل تفنيداً حقوقياً ساطعاً لادعاءات الخصوم، ويبرز في المقابل التناقض الأخلاقي الصارخ مع الوضع المأساوي في مخيمات تندوف الخاضعة لتفويض قضائي غير شرعي وانتهاكات ممنهجة تصادر أبسط حقوق الإنسان الأساسية.

وبناء على هذا التلازم بين عدالة القضية الوطنية وجدوى الإنجاز الميداني، ترسخت مرجعية الحكم الذاتي كقاعدة لإجماع دولي وازن ومطرد، عبرت عنه المواقف الاستراتيجية الصريحة للقوى المؤثرة دولياً وإقليمياً، وتوج بتدفق دبلوماسي تاريخي عبر فتح عشرات القنصليات بالعيون والداخلة. ويؤكد هذا التموضع الجديد بما لا يدع مجالاً للشك أن النزاع قد دخل منعطفه الأخير الذي لا رجعة فيه، حيث تلاشت الأطروحات الانفصالية المتقادمة أمام حتمية الرؤية المغربية كصمام أمان للأمن الإقليمي والدولي. وبذلك، لا يخلد عيد الوحدة مجرد حدث تقويمي، بل يحتفي بانتصار منطق الدولة المعاصرة المسؤولة، التي جعلت من مبادرة الحكم الذاتي عقداً سياسياً واجتماعياً وحقوقياً دائماً يضمن عيش وكرامة الصحراويين في كنف وطنهم الأم والموحد.

إذا كانت مبادرة الحكم الذاتي قد شكلت منذ تقديمها سنة 2007 تصورا مغربيا لتسوية النزاع، فما الذي تغير اليوم في موقعها داخل المسار الأممي، وما الذي جعلها تحظى بهذا الزخم الدولي المتنامي؟

يكمن التحول الجوهري في تموضع مبادرة الحكم الذاتي داخل المسار الأممي في تقديرنا في انتقالها النوعي والتدريجي من مجرد مقترح تفاوضي وطني قدم بحسن نية سنة 2007 بناء على رغبة دولية صادقة لإنهاء النزاع، إلى مصاف المرجعية المعيارية الحصرية المؤطرة لمنطوق قرارات مجلس الأمن الدولي وتوجهات المجتمع الدولي. لقد أحدث هذا التطور قطيعة صريحة مع المقاربات الكلاسيكية المستهلكة التي استنزفت المنظومة الأممية لعقود، حيث أسهمت المبادرة المغربية في إعادة ضبط التفسير القانوني والحقوقي لمبدأ تقرير المصير، مفرغة إياه من القوالب الإيديولوجية الانفصالية المتجاوزة، بإعادة توطينه ضمن الفقه الدستوري المعاصر القائم على الديمقراطية التشاركية واللامركزية المتقدمة وحماية الحقوق السياسية والمدنية للساكنة في إطار السيادة الوطنية التوافقية.

وعليه، لم يعد المنتظم الدولي ينظر إلى المبادرة كأحد الخيارات، بل كمجال وحيد وحصري قادر على ترجمة معايير الواقعية والبراغماتية والحل السياسي المستدام، مما جعل أي محاولة لإحياء الآليات التقنية العدمية كاستفتاء تقرير المصير المفضي للانفصال، أمراً متجاوزاً قانوناً ومستحيلاً واقعاً. أما هذا الزخم الدولي الاستثنائي والمتنامي الذي يطوق المبادرة اليوم، فيستمد قوته من التحولات العميقة في البيئة الجيوسياسية الإقليمية والدولية، إذ أدركت عواصم القرار الكبرى والقوى الفاعلة في النظام الدولي أن استقرار الفضاء الأطلسي المتوسطي ومنطقة الساحل الإفريقي لا يحتمل مغامرات تفكيكية تسفر عن كيانات هشة تتحول حتماً إلى ملاذات آمنة للإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وفي وقفة تصحيحية للموقف الدولي إزاء نزاع الصحراء، انتقلت الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن وشركاء المغرب الاستراتيجيون، من مواقف الدعم الدبلوماسي الحذر إلى الانخراط العملي الصريح، وهو ما تجسد في قرارات سيادية باعتراف صلب بمغربية الصحراء، وافتتاح شبكة واسعة من التمثيليات القنصلية بالأقاليم الجنوبية، واعتبار مبادرة الحكم الذاتي السقف الوحيد والأسمى لأي مسار تسوية، مما حول الدعم من مجرد تأييد لفكرة سياسية إلى شراكة استراتيجية ميدانية مع دولة ذات مصداقية تضمن الأمن، وتؤسس لاندماج اقتصادي قاري غير مسبوق.

ويكتمل هذا المسار التحولي بأن المبادرة المغربية لم تظل رهينة الصالونات الدبلوماسية، بل اكتسبت حجيتها وقوتها المعيارية من تجسيدها الحي والملموس على الأرض عبر هندسة مؤسساتية وحقوقية متقدمة كفلت إشراك الصحراويين أنفسهم في تدبير شأنهم المحلي عبر مؤسسات منتخبة تعكس أعلى نسب المشاركة السياسية والديمقراطية في المملكة. ونعتبر أن التنزيل الخلاق للالتزامات المرتبطة بالحق في التنمية والنهضة المجالية الشاملة التي تشهدها المنطقة حولا الأقاليم الجنوبية إلى بيئة نموذجية لصون الكرامة والعدالة الاجتماعية، وهو ما رسخ شرعية الطرح المغربي أخلاقياً وقانونياً أمام الآليات الحقوقية الأممية، ليصبح الزخم الحالي بمثابة اعتراف دولي صريح بأن الحكم الذاتي لم يعد مجرد مسودة مشروع، بل هو واقع معاش وعقد سياسي حقوقي غير قابل للنقض، يؤسس لمستقبل المنطقة كقطب للاستقرار والنماء بعيداً عن أوهام الانفصال واستنزاف الشعوب.

إلى أي حد يمكن اعتبار قرار مجلس الأمن 2797 محطة مفصلية في مسار قضية الصحراء، خصوصاً بعدما جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، وما دلالة ذلك سياسياً وقانونياً؟

لا يختلف اثنان حول تصنيف القرار 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، كمحطة مفصلية في مسار قضية الصحراء، لأنه نقل مرجعية التفاوض من منطق الخيارات المتعددة إلى إطار محدد المعالم. فقد أعرب مجلس الأمن عن دعمه الكامل لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي في إدارة مفاوضات تتخذ من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً لها، ودعا الأطراف إلى الانخراط فيها دون شروط مسبقة، وهو ما قرأه فقهاء القانون الدولي على أنه اعتبار للمقترح المغربي إطارا مهيكلا للتفاوض، لا مجرد خيار ضمن خيارات أخرى. وتتعزز هذه الدلالة بأن النص أقر بأن حكماً ذاتياً حقيقياً قد يمثل النتيجة الأكثر جدوى، وطلب من الأمين العام مراجعة استراتيجية لمستقبل بعثة المينورسو في ضوء تقدم المحادثات، فيما خلا من أي إشارة إلى استفتاء الاستقلال، في وقت يعكس القرار سياسياً تبلور ميزان دولي جديد، إذ حظي بـ11 صوتاً مؤيداً دون أي صوت معارض، مع امتناع ثلاث دول وعدم مشاركة الجزائر في التصويت، وذلك بصياغة أمريكية ودعم فرنسي صريح لإطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما يجعل من هذه اللحظة انتقالا من تدبير النزاع إلى هندسة الحل، ويمنح الدبلوماسية الرسمية والموازية رصيداً معيارياً يمكن البناء عليه.

أما على المستوى القانوني، فينبغي التمييز بين القوة السياسية للقرار وحدود أثره التأسيسي، فالنص لم يخلُ إلى حد كبير عن مرجعية تقرير المصير، بإعادة تأطير ممارسة تقرير المصير داخل مسار تفاوضي ينطلق من الحكم الذاتي، وهو ما ينسجم مع القراءة التي ترى أن تقرير المصير يمكن أن يتحقق في إطار الوحدة الوطنية. ولذلك نعتبر كتحالف للمنظمات غير الحكومية الصحراوية أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 أضعف إلى حد كبير تحقق مبدأ تقرير المصير في سياق إنهاء الاستعمار، لمخالفته الصريحة لسياق نزاع الصحراء المتعلق في تقديرنا بالترافع لحماية الوحدة الترابية لدولة كانت مستقلة وذات سيادة أثناء نشوء المشكلة، دافعت لإنهاء الاستعمار الإسباني. وبالمجمل فإن القرار يشكل تحولاً سياسياً ومعيارياً حاسماً، سيفضي من القادم من الأيام إلى حسم قانوني نهائي، لإن اكتمال دلالاته رهين بمسار المفاوضات الحالية وبقدرة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ومناعة الدبلوماسية المغربية على إنهاء هذا العبث الملتحف بالإيديولوجيا والمناورات والمطامع الجيوسياسية لأطراف إقليمية، وبمدى قدرة الأطراف على فهم واستيعاب وجاهة وقدرة المقترح المحين على تقديم حكم ذاتي ذي مصداقية يقوم على مشاركة الساكنة وضمانات الديمقراطية المحلية وحقوق الإنسان، وهو المجال الذي تملك فيه الترافعات المدنية والحقوقية قيمة مضافة حقيقية، كما هو الحال بالتراكم الترافعي والدفاعي لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية منذ سنوات.

بعد الانتقال من مرحلة طرح المبادرة والدفاع عنها إلى مرحلة التفاوض على أساسها، ما الذي يتعين على المغرب القيام به لتقديم نموذج للحكم الذاتي قادر على ترجمة مضامين المبادرة إلى تصور مؤسساتي وتنموي متكامل؟

في تقديري أن الرهان المغربي اليوم لم يعد محصوراً في تثبيت عدالة المبادرة، بل في إثبات قابليتها الفورية للتطبيق، وهو ما يستدعي تحويل المبادئ العامة للحكم الذاتي إلى مدونة حكامة دقيقة المعالم، لإن رسم حدود الولاية المشتركة والحصرية بين أجهزة الدولة والسلطات الإقليمية بات هو الورقة التفاوضية الحاسمة لتقديم الحكم الذاتي كعقد دولة عصري جاهز لإعادة توزيع السلطة بروح ديمقراطية حداثية. ويجد هذا المشروع سنده الواقعي في تجربة تمثيلية راسخة، إذ دأبت ساكنة الأقاليم الجنوبية على المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية بمعدلات تفوق المعدل الوطني، ففي اقتراع 2021 بلغت المشاركة 66.94% بجهة العيون الساقية الحمراء، و63.76% بجهة كلميم واد نون، و58.30% بجهة الداخلة وادي الذهب، مقابل 50.18% على المستوى الوطني. وتكرر هذا النمط في الانتخابات التشريعية لشتنبر 2026، حيث سجلت المشاركة 77% بجهة العيون الساقية الحمراء، و61% بجهة الداخلة وادي الذهب، و53.48% بجهة كلميم واد نون، بينما بلغت وطنيا 38%، وهي معطيات تؤسس لرصيد من الشرعية التمثيلية يمكن البناء عليه عند تصميم هيئات الحكم الذاتي.

ويقتضي هذا التحول تحصين البناء المؤسساتي بمنظومة متقدمة من الضمانات الحقوقية والسيادية، تشمل إقرار ميثاق جهوي للحقوق والحريات ينسجم مع الصكوك والاتفاقيات الدولية المصادق عليها، وتكريس استقلالية آليات الانتصاف والرقابة الديمقراطية، فضلاً عن وضع آليات قانونية وإجرائية تضمن الإدماج السياسي والمدني السلس لكافة الفئات الصحراوية، بما في ذلك إخواننا في مخيمات تندوف، وترسيخ المصالحة المجتمعية وسيادة القانون، بما يحول جهة الحكم الذاتي إلى فضاء متطور للمواطنة الكاملة والتمثيلية الشعبية الحقيقية تحت السيادة المغربية الجامعة. وبالموازاة مع هذا التأطير الدستوري، يتوجب على المملكة أن تقدم نموذجا اقتصاديا وماليا رائدا ينزل مضامين الحق في التنمية، كما كرسها الإعلان الأممي المتعلق به والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى واقع ملموس. وقد جسد النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية هذا الوفاء بالالتزامات الدولية في أوراش مهيكلة، أبرزها ميناء الداخلة الأطلسي الذي بلغت أشغاله 62% في يونيو 2026، بغلاف مالي يناهز 12.5 مليار درهم، ووفر نحو 2500 منصب شغل مباشر وغير مباشر، إلى جانب الطريق السريع تيزنيت الداخلة الذي يربط الأقاليم الجنوبية بباقي التراب الوطني، ومشاريع الطاقة الريحية والبنيات الاجتماعية المندرجة في مخطط التنمية 2016-2021. وقد أدرج الأمين العام للأمم المتحدة هذه المشاريع في أربعة تقارير متتالية على الأقل، حيث أن المسار يستلزم اليوم مأسسة حكامة شفافة للموارد الطبيعية والجباية المحلية، تضمن عودة العوائد التنموية بصفة مباشرة وأولوية وموثقة إلى الساكنة المحلية وفق أعلى معايير الحكامة الدولية، وهو ما ينسجم شروط الاستدامة وآليات رقابة تتحقق من وصول الفوائد إلى السكان المحليين، فيلجم حجج الخصوم ويحصن الموقف التفاوضي أمام الهيئات القضائية والسياسية الدولية.

ويتعاظم ذلك بربط الفضاء المؤسساتي للحكم الذاتي بالمشاريع المهيكلة الكبرى، لاسيما الواجهة الأطلسية ومشاريع الطاقة المتجددة والربط القاري، التي تشكل ركيزة للمبادرة الملكية الأطلسية الرامية إلى فتح ممرات اقتصادية نحو دول الساحل، لتتحول الأقاليم الجنوبية إلى قاطرة استراتيجية للنمو المشترك مع العمق الإفريقي. وحين تجد الساكنة المحلية نفسها في موقع قيادة مسار تشاركي متقدم لرسم السياسات التنموية وإدارة الثروة، تصبح المبادرة المغربية المعروضة على طاولة التفاوض نموذجا معياريا في الفقه الدولي المقارن، يجسد تطبيقا متقدما لمبدأ تقرير المصير التنموي والديمقراطي في إطار الدولة الوطنية الموحدة.

في هذا السياق، إلى أي حد يمكن أن تلعب العلاقات المغربية الإسبانية دوراً حاسماً في تهيئة الظروف السياسية والدبلوماسية لتنزيل الحكم الذاتي عملياً، خصوصاً في ظل الموقف الإسباني الداعم للمبادرة المغربية باعتبارها أساساً جدياً وواقعياً وذا مصداقية لتسوية النزاع؟

تكتسي العلاقات المغربية الإسبانية في مرحلتها الاستراتيجية الراهنة بعداً يتجاوز الدعم الدبلوماسي التقليدي، إذ تشكل رافعة تأسيسية تهيئ الشروط السياسية والقانونية والعملياتية لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي. فإسبانيا ليست مجرد شريك أوروبي وازن، بل هي القوة الإدارية السابقة للإقليم، ولذلك اكتسب تحول موقفها في مارس 2022 دلالة خاصة، حين أعلنت دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع، وهو موقف أعادت حكومتها تأكيده في يونيو 2025، استناداً إلى الإعلان المشترك الموقع في 7 أبريل 2022. وقد أضعف هذا التحول أحد الأسس التي ظلت الأطروحة الانفصالية تستند إليها، وهو ورقة المسؤولية التاريخية لمدريد في المحافل الدولية، وأتاح لشركاء المغرب وللأمم المتحدة تأطير الحكم الذاتي بوصفه حلاً واقعياً يحظى بدعم الدولة التي كانت طرفاً في أصل النزاع.

وعلى المستوى الأوروبي، تؤدي مدريد دوراً دبلوماسياً متقدماً في الدفاع عن المقاربة المغربية داخل مؤسسات الاتحاد، إذ استحضر رئيس حكومتها الموقف الألماني والموقف الأمريكي الداعمين، وشكل الموقف الإسباني، مقترناً بالموقفين الفرنسي والألماني، مجموعة أوروبية وازنة تدفع نحو تبني هذه المقاربة. ويكتسي هذا الدور أهمية خاصة في مواجهة التحديات القضائية الأوروبية، لأنه يجعل من إسبانيا حليفاً في إرساء شراكات اقتصادية وبحرية وفلاحية جديدة ترتكز على الحكامة المحلية وإشراك الساكنة الصحراوية، بما يحمي البعد التنموي للحكم الذاتي من الطعون المعيارية. وفي المقابل، تفتح هذه الشراكة آفاقاً عملية في مرحلة الانتقال من الخطوط العريضة إلى البناء الدستوري التفصيلي للنظام الأساسي، إذ تملك إسبانيا تجربة رائدة في اللامركزية السياسية عبر نظام الجهات ذاتية الحكم المنصوص عليه في دستور 1978، يمكن للمغرب أن يستلهمها تقنياً في ضبط تقاسم الاختصاصات الحصرية والمشتركة، وبناء آليات التنسيق بين برلمان الجهة والبرلمان المركزي، وصياغة قواعد الحكامة المالية والجبائية، مع الحفاظ على خصوصية النموذج المغربي وسياقه. ويمنح التعاون التقني والقانوني بين الخبراء مصداقية إضافية لمسودة النظام الأساسي، بربطها بتجربة أوروبية متقدمة في حماية الخصوصيات الجهوية ضمن وحدة الدولة، كما أن نجاح الحكم الذاتي يقتضي بيئة اقتصادية نشطة، وهنا يبرز البعد الجيو اقتصادي للعلاقة، من خلال تطوير الربط البحري والتجاري بين جزر الكناري وموانئ طرفاية والعيون والداخلة، بما يجعل الأقاليم الجنوبية شريكاً اقتصادياً مباشراً لإسبانيا ويربط استقرارها بمصالح مشتركة، ويندرج ذلك ضمن رؤية استراتيجية أوسع تعززها مشاريع من قبيل التنظيم المشترك مع البرتغال لكأس العالم 2030. وتضاف إلى ذلك مصلحة أمنية مشتركة في ضبط الهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات الإرهاب في الساحل، ما يجعل دعم الاستقرار الإقليمي خياراً وقائياً لإسبانيا، وبذلك تتحول العلاقات المغربية الإسبانية إلى ضامن جيوسياسي وجسر قانوني يسهم في نقل مبادرة الحكم الذاتي من فضاء التداول الأممي إلى حيز التنفيذ، ويرسخ شراكة استراتيجية في صياغة المستقبل المؤسساتي للأقاليم الجنوبية.

كيف تقرؤون في سياق النقاش حول مستقبل الصحراء المغربية والدفع نحو تنزيل الحكم الذاتي، مسألة المطالب أو المبادرات المتعلقة بتمكين سكان الصحراء من الحصول على الجنسية الإسبانية؟ وهل يمكن أن يكون لمثل هذه الخطوة تأثير سياسي أو قانوني على مسار التسوية وعلى تصور الحكم الذاتي؟

تندرج المبادرات والمطالب التشريعية الرامية إلى تمكين ساكنة الصحراء من الجنسية الإسبانية، من الناحية السوسيولوجية والتاريخية، ضمن مساعي معالجة تركة مدريد الاستعمارية وتصحيح أوضاع إدارية تعود إلى فترة ما قبل عام 1975، على غرار التدابير التي اتخذتها إسبانيا مع جاليات تاريخية أخرى كاليهود السفارديم أو شعوب الفضاء الإيبيرو أمريكي. ورغم محاولات بعض التيارات السياسية والجمعيات الموالية للأطروحة الانفصالية توظيف هذه المبادرات كأداة ضغط رمزية للإيحاء بوجود رابطة قانونية وسيادية ممتدة تعطل مسار الحسم المغربي، إلا أن القراءة الدستورية الرصينة وقرارات المحكمة العليا الإسبانية ذاتها تؤكد أن نيل الجنسية يظل حقاً مدنياً فردياً يخضع لشروط التجنيس العادية والاعتبارات الإنسانية، ولا يرقى بأي حال من الأحوال إلى مستوى الفعل السياسي الجماعي أو سند لتقرير المصير الإقليمي، فالقانون الدولي يميز بوضوح تام بين المركز القانوني الفردي للأشخاص وحقهم في الهوية أو الجنسية المكتسبة، وبين مسألة السيادة الترابية وتسوية النزاعات الإقليمية المؤطرة حصرياً بقرارات مجلس الأمن الدولي.

وعليه، فإن هذه الخطوة تفتقر تماماً إلى أي أثر قانوني أو سياسي قادر على إرباك مسار التسوية الأممي أو تقويض تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، بل إنها قد تسهم من حيث لا يحتسب مروجوها، في تسريع تفكيك أطروحة الخصوم من الداخل، إذ إن تمكين الصحراويين، لاسيما قاطني مخيمات تندوف، من وثائق ثبوتية وجنسية معترف بها دولياً يحررهم من حالة انعدام الجنسية والحصار والاحتجاز المفروضة عليهم قسراً من قبل قيادة البوليساريو والجزائر، ويمنحهم حرية التنقل والحماية الدبلوماسية، والقدرة على كسر طوق الاستغلال السياسي لمعاناتهم. وفي المقابل، لا يتعارض اكتساب جنسية أجنبية مع روح وجوهر الحكم الذاتي في الفقه الدستوري الحديث، حيث تضمن النظم المتقدمة للمواطنين حاملي الجنسيات المزدوجة كامل حقوقهم المدنية والسياسية في تدبير شأنهم الجهوي والانتخابي والمساهمة في تنمية مجالاتهم الترابية، مما يجعل المبادرة المغربية تظل هي الأفق المؤسساتي والجماعي الأوحد والجامع الذي يستوعب تطلعات كافة الصحراويين فوق أرضهم، بصرف النظر عن وضعياتهم القانونية أو الجغرافية الفردية.

في ظل اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، كيف يمكن للمغرب أن يحول هذا الدعم الدولي إلى دينامية سياسية جديدة تنهي حالة الجمود وتدفع نحو تسوية نهائية للنزاع؟

لا شك أن التحول من الاعتراف الدبلوماسي الكمي بمبادرة الحكم الذاتي إلى دينامية سياسية ضاغطة تنهي الجمود، يقتضي نقل هذا الزخم الدولي الواسع من نطاق البيانات الثنائية والمواقف الرمزية إلى إطار عمل استراتيجي متعدد الأطراف داخل أروقة الأمم المتحدة، ويتحقق ذلك عبر بلورة كتلة دولية وازنة لرعاية الحل السياسي تقودها قوى فاعلة ودائمة العضوية بمجلس الأمن كواشنطن وباريس، مدعومة بشركاء إقليميين من أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، لإعادة ضبط البوصلة الإجرائية لقرارات مجلس الأمن المقبلة. وتكمن الغاية الأساسية لهذا التحرك في فرض انتقال نوعي في لغة القرارات الأممية، يتجاوز التوصيف التقليدي للمبادرة المغربية بـ”الجدية والمصداقية” نحو ترسيمها كمرجعية تفاوضية حصرية ووحيدة لعملية السلام، مما يتيح ممارسة ضغط دبلوماسي منسق يلزم الجزائر بالانخراط المسؤول في مسار الموائد المستديرة بصفتها الطرف الحقيقي المعني بالنزاع، ويسقط جدوى سياسة الهروب إلى الأمام عبر تحويل كلفة العرقلة والتعنت إلى عبء سياسي ودبلوماسي متزايد على النظام الإقليمي المعاكس.

وبالموازاة مع هذا التأطير الأممي الحاسم، يتعين تحويل هذا الدعم السياسي إلى واقع جيو اقتصادي ومؤسساتي غير قابل للنقض، عبر إدماج القوى الدولية الداعمة في شبكة مصالح تنموية واستثمارية كبرى على امتداد الفضاء الأطلسي للأقاليم الجنوبية، بما يحول تلك الدول من مجرد أطراف مؤيدة للموقف المغربي إلى شركاء عضويين معنيين باستقرار المنطقة وحماية مكتسباتها. ويتكامل هذا المسار مع خطوة نوعية تتمثل في التنزيل الاستباقي والشجاع لمعالم النظام الأساسي للحكم الذاتي من خلال تطوير آليات الجهوية المتقدمة ونقل اختصاصات حيوية للبرلمان والهيئات التنفيذية المحلية المنتخبة، ذلك أن تدشين الحكامة الذاتية ديمقراطياً وتنموياً على أرض الواقع سيفرغ النزاع من مبررات وجوده، ويضع المجتمع الدولي أمام نموذج ناجز ومستقر يجسد أسمى صور تقرير المصير الداخلي، ليتحول التفاوض الدولي من مرحلة البحث العقيم عن تسوية نظرية إلى مرحلة الاعتراف بالأمر الواقع الناجز ومواكبة التدابير الإجرائية لإنهاء مأساة المحتجزين في تندوف في كنف السيادة المغربية الجامعة.

وأخيراً، هل نحن أمام مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء المغربية، يصبح فيها النقاش منصباً ليس فقط على مبدأ الحكم الذاتي، وإنما على تفاصيله ومضمونه وضماناته وآفاق تطبيقه في إطار السيادة المغربية؟

تشير المعطيات الأخيرة إلى انتقال نسبي من الجدل حول مبدأ الحكم الذاتي إلى النقاش في مضمونه، فقد قدم المغرب، بحسب إحاطة المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا أمام مجلس الأمن في 8 أكتوبر 2026، وثيقة من 39 صفحة عن الحكم الذاتي، ووصفها المبعوث بأنها أساس يمكن الانطلاق منه. وفي الوقت نفسه، حدد معالم الصيغة التي يراها ممكنة والمتضمنة لصلاحيات فعلية في التشريع وإدارة المؤسسات والخدمات العمومية والقضاء والأنشطة الاقتصادية والتجارية، إضافة إلى مسؤوليات النظام والأمن، مع ضمانات دولية قوية وتهيئة ظروف عودة اللاجئين وإشراك البوليساريو وفعاليات صحراوية. ويعني هذا أن السؤال لم يعد فقط هل يقبل الحكم الذاتي، بل ما حدود اختصاصاته، ومن يضمن استقراره، وكيف يصادق عليه، وما موقع الصحراويين في المخيمات منه. ويدفع الإجماع الدولي في اتجاه إعادة هيكلة بعثة المينورسو واعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً وحيداً للتفاوض، بالرغم من تجديد الجبهة اعتراضها على المسودة الأمريكية المطروحة على مجلس الأمن، وهكذا يبدو أننا أمام مرحلة تتقدم فيها لغة التفاصيل والضمانات، علاوة على قدرة كبيرة على كسر الجمود تتوقف على ما سيقرره مجلس الأمن في جلسته المرتقبة يوم 30 أكتوبر، وعلى استعداد الأطراف لتحويل التفاوض إلى بحث في النصوص، وعلى قبول البوليساريو والجزائر بالجلوس إلى طاولة تناقش فيها المبادرة دون شرط مسبق.

شارك الخبر: