المغرب
سياسة

الملك محمد السادس: عبقرية استراتيجية ترسم مستقبل الصحراء المغربية في عيد الوحدة

العمق المغربي30 أكتوبر 2026 في 22:420 مشاهدة
الملك محمد السادس: عبقرية استراتيجية ترسم مستقبل الصحراء المغربية في عيد الوحدة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الملك محمد السادس.. عبقرية استراتيجية ترسم مستقبل الصحراء المغربية في عيد الوحدة 31 أكتوبر" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 30 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

وجهة نظر حبيل رشيد 30 أكتوبر 2026 - 22:39

ليست الأمم العظيمة تلك التي تكتفي باستحضار أمجادها، وإنما تلك التي تعرف كيف تحول تاريخها إلى قوة، وتضحياتها إلى مكاسب، وتحدياتها إلى فرص لصناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق، يشكل يوم 31 أكتوبر محطة وطنية وتاريخية بارزة في مسار المملكة المغربية، بعدما أصبح «عيد الوحدة» عنوانا جامعا لمرحلة جديدة من تاريخ قضية الصحراء المغربية، وموعدا لاستحضار الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك محمد السادس في تدبير ملف ظل لعقود في صلب التوازنات الإقليمية والدولية.

إن الحديث عن عبقرية الملك محمد السادس في الدفاع عن الصحراء المغربية يقتضي تجاوز القراءة السطحية للأحداث، واستحضار مسار متكامل من الدبلوماسية الهادئة، والتحرك الاستباقي، والترافع الدولي، والتنمية الميدانية، وبناء الشراكات الاستراتيجية. فقد عمل جلالة الملك محمد السادس على نقل القضية الوطنية من دائرة تدبير النزاع إلى دائرة صناعة شروط الحل، ومن الاكتفاء بالدفاع عن عدالة الموقف المغربي إلى تعزيز حضوره في موازين القرار الدولي.

ولعل يوم 31 أكتوبر 2025 سيظل من المحطات المفصلية في هذا المسار، بعدما اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2797، بتأييد 11 دولة، وامتناع ثلاث دول، وعدم مشاركة الجزائر في التصويت. وقد أخذ القرار علما بالدعم الذي تحظى به مبادرة الحكم الذاتي المغربية المقدمة سنة 2007، وأكد أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق، داعيا إلى مواصلة المفاوضات للتوصل إلى تسوية سياسية دائمة ومقبولة.

إن أهمية القرار الأممي لا تكمن في أرقامه وحدها، بل في دلالاته السياسية والدبلوماسية، وفي المكانة التي أصبحت تحتلها المبادرة المغربية داخل المسار الأممي. وهو تحول يعكس تراكم سنوات من العمل الدبلوماسي الذي قاده الملك محمد السادس، بمشاركة المؤسسات الوطنية ومختلف مكونات الدبلوماسية الرسمية والموازية.

وفي خطابه السامي بتاريخ 31 أكتوبر 2025، خاطب الملك محمد السادس شعبه قائلا: «هناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده». عبارة ملكية تختزل دلالة مرحلة تاريخية، وتؤشر على انتقال القضية الوطنية إلى سياق جديد من الترافع والتفاوض وتثبيت المكتسبات. كما أعلن جلالة الملك محمد السادس: «بعد خمسين سنة من التضحيات، ها نحن نبدأ، بعون الله وتوفيقه، فتحا جديدا، في مسار ترسيخ مغربية الصحراء».

ولم يكن هذا الخطاب مجرد استعراض للمواقف، بل حمل تصورا واضحا للمرحلة المقبلة، حين أكد جلالته أن المغرب سينكب على تحيين مبادرة الحكم الذاتي وتفصيلها، قبل تقديمها إلى الأمم المتحدة لتكون أساسا للتفاوض. ومن أبرز المعطيات التي استحضرها الملك محمد السادس في خطابه أن ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أصبحت تعتبر مبادرة الحكم الذاتي الإطار الوحيد لحل النزاع. كما أشار إلى تنامي الاعتراف بالسيادة الاقتصادية للمملكة على أقاليمها الجنوبية، في ضوء مواقف دول وقوى اقتصادية كبرى شجعت الاستثمار والتبادل التجاري مع المنطقة.

وهنا تتجلى إحدى أهم ملامح الرؤية الملكية: عدم فصل السيادة عن التنمية. فمنذ إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015، بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، جرى رصد غلاف مالي بلغ 87.5 مليار درهم، وفق المعطيات الرسمية المنشورة سنة 2025. وهو استثمار يعكس توجها نحو تحويل الأقاليم الجنوبية إلى أقطاب اقتصادية وتنموية، وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية، وتطوير بنياتها التحتية والخدماتية. ويأتي مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي تبلغ كلفته الاستثمارية حوالي 12.65 مليار درهم، وبقدرة استيعابية مستقبلية تصل إلى 35 مليون طن سنويا، ليجسد هذا التوجه الاستراتيجي. فالمشروع ليس مجرد منشأة مينائية، وإنما رافعة جيو-اقتصادية تروم تعزيز موقع المغرب في الفضاء الأطلسي، وتوسيع جسوره التجارية مع إفريقيا، وفتح آفاق جديدة أمام دول الساحل، بما يجعل من الصحراء المغربية مجالا للربط والتكامل والتبادل الاقتصادي.

لقد أدرك الملك محمد السادس أن السيادة في عالم اليوم لم تعد مفهوما ترابيا صرفا، بل أصبحت منظومة متعددة الأبعاد، تشمل القوة الاقتصادية، والأمن الغذائي والطاقي، والبنيات اللوجستية، والتموقع الجيوسياسي، والقدرة على استقطاب الاستثمارات. ولذلك ارتبطت الدبلوماسية الملكية بمشاريع تنموية كبرى، تجعل من الأقاليم الجنوبية فضاء حيويا في الرؤية المغربية لإفريقيا والمحيط الأطلسي.

ولم تقتصر الرؤية الملكية على تعزيز الموقف المغربي خارجيا، بل امتدت إلى تقديم خطاب سياسي يترك أبواب الحوار مفتوحة. فقد أكد الملك محمد السادس في خطابه أن المغرب لا يبحث عن حل بمنطق الغالب والمغلوب، قائلا: «المغرب لا يعتبر هذه التحولات انتصارا، ولا يستغلها لتأجيج الصراع والخلافات». كما وجه نداء إلى سكان مخيمات تندوف من أجل العودة إلى وطنهم، ودعا الرئيس الجزائري إلى حوار أخوي صادق، يقوم على الثقة وحسن الجوار وتجاوز الخلافات. وهذه الرسالة تحمل أبعادا تتجاوز اللحظة الدبلوماسية، لأنها تؤكد أن تثبيت الحقوق الوطنية لا يتعارض مع المصالحة الإقليمية، وأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن مصالحها، بل كذلك بقدرتها على تقديم حلول سياسية تحفظ الكرامة وتفتح آفاق الاستقرار.

إن عيد الوحدة الذي أقره الملك محمد السادس، بموجب بلاغ الديوان الملكي الصادر في 4 نونبر 2025، ليس مجرد إضافة إلى المناسبات الوطنية، بل يحمل دلالات مرتبطة بالوحدة الوطنية والترابية الراسخة للمملكة، ويجعل من 31 أكتوبر موعدا سنويا لاستحضار التضحيات والمكتسبات وتجديد الالتزام بالمستقبل المشترك.

ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة تفرض مسؤوليات جديدة. فالمطلوب ليس فقط الاحتفاء بالأرقام والمشاريع والقرارات الأممية، وإنما ضمان انعكاسها على الحياة اليومية لساكنة الأقاليم الجنوبية، من خلال التشغيل والتعليم والصحة والعدالة المجالية والحكامة الجيدة. كما تقتضي المرحلة تعبئة الباحثين والخبراء والجامعات ومراكز التفكير من أجل تطوير الترافع القانوني والأكاديمي، وتعزيز الحضور المغربي في النقاشات الدولية.

إن عبقرية الملك محمد السادس، كما تكشف عنها هذه المحطات، تتجلى في الجمع بين الثبات على الثوابت الوطنية والمرونة في تدبير العلاقات الدولية، وبين استحضار التاريخ واستشراف المستقبل، وبين الدفاع عن السيادة وبناء شروط التنمية. إنها رؤية تجعل من الدبلوماسية أداة للتأثير، ومن الاقتصاد رافعة للتموقع، ومن التنمية وسيلة لتعزيز الاندماج الوطني.

وإذا كانت المسيرة الخضراء بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني قد جسدت ملحمة وطنية استثنائية سنة 1975، فإن الملك محمد السادس يقود اليوم مرحلة أخرى من مسار القضية الوطنية، عنوانها الترافع الاستراتيجي، وتوسيع الشراكات، وتعزيز الحضور الأطلسي والإفريقي، وتكريس مغربية الصحراء في مختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والتنموية. إن 31 أكتوبر، عيد الوحدة، ليس مجرد ذكرى للاحتفال، بل مناسبة للتأمل في مسار دولة استطاعت أن تجعل من قضية وحدتها الترابية مشروعا وطنيا متكاملا، ومن التحديات المتراكمة حافزا لتطوير أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية والمؤسساتية. فالتاريخ لا تصنعه الشعارات وحدها، وإنما تصنعه الرؤية حين تتحول إلى استراتيجية، والإرادة حين تصبح مشروعا، والقيادة حين تجعل من المستقبل امتدادا لحقوق الوطن وتضحيات أبنائه. عيد وحدة مجيد، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، والصحراء المغربية عنوان وحدة الوطن وامتداد مستقبله الاستراتيجي.

شارك الخبر: