المغرب
اقتصاد

النظام الضريبي للجمعيات في المغرب: توازن بين الدعم المجتمعي والعدالة الضريبية

العمق المغربي31 أكتوبر 2026 في 20:340 مشاهدة
النظام الضريبي للجمعيات في المغرب: توازن بين الدعم المجتمعي والعدالة الضريبية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "النظام الضريبي للجمعيات بالمغرب: بين فلسفة الإعفاء الجبائي ورهانات الحكامة والعدالة الضريبية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 31 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تلعب جمعيات المجتمع المدني دوراً متزايد الأهمية في مجالات التنمية الاجتماعية، الثقافية، التربوية، والبيئية، لتصبح شريكاً أساسياً للدولة والجماعات الترابية في تنفيذ مشاريع ذات منفعة عامة. لم يعد العمل الجمعوي يقتصر على المبادرات التطوعية، بل تطور ليصبح مجالاً منظماً يجمع بين الموارد المالية العمومية والخاصة، الشراكات، التبرعات، والأنشطة المدرة للموارد. في هذا السياق، يكتسي النظام الضريبي المطبق على الجمعيات أهمية بالغة، حيث اختار المشرع المغربي منحها نظاماً جبائياً يتضمن إعفاءات وامتيازات، نظراً لطبيعتها غير الربحية وأدوارها الاجتماعية والتضامنية. ومع ذلك، فإن هذه الامتيازات لا تعني إعفاءً مطلقاً من الالتزامات الضريبية، ولا ينبغي أن تُستغل لممارسة أنشطة تجارية في ظروف تخل بمبدأ المنافسة والعدالة الجبائية. النقاش الحقيقي يجب أن يتجاوز السؤال حول ما إذا كانت الجمعيات معفاة من الضرائب أم لا، ليتجه نحو كيفية التوفيق بين دعم العمل الجمعوي كرافعة للتنمية وضمان احترام قواعد العدالة الضريبية والشفافية المالية.

تسعى هذه المقالة إلى تحليل النظام الضريبي للجمعيات في المغرب، من خلال استعراض الإعفاءات المتعلقة بالضريبة على الشركات، الضريبة على الدخل، الضريبة على القيمة المضافة، وواجبات التسجيل والتنبر، والرسوم المحلية. كما ستبرز الالتزامات المحاسبية والتصريحية التي تظل قائمة رغم الاستفادة من بعض الإعفاءات.

أولاً: الأساس القانوني والفلسفة الجبائية لإعفاء الجمعيات

يستند النظام الضريبي للجمعيات إلى مقتضيات المدونة العامة للضرائب والقانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، المعدل بالقانون رقم 14.25 لسنة 2025. تستفيد الجمعيات المستوفية للشروط القانونية من امتيازات جبائية متعددة تشمل الضريبة على الشركات، الضريبة على الدخل، الضريبة على القيمة المضافة، واجبات التسجيل والتنبر، بالإضافة إلى إعفاءات تتعلق بالرسم المهني ورسم الخدمات الجماعية. تقوم فلسفة هذه الإعفاءات على اعتبار أن الجمعية لا تستهدف الربح، بل تحقيق أهداف اجتماعية، ثقافية، تربوية، أو تنموية، وتوظيف مواردها في تحقيق هذه الأهداف. يجب التمييز بين عدم توزيع الأرباح وعدم تحقيق فائض مالي؛ فالجمعية قد تحقق فائضاً نتيجة حسن التدبير أو الحصول على منح، ولا يعني ذلك بالضرورة أنها مؤسسة ربحية. العبرة هنا بطبيعة النشاط ومآل الموارد ومدى إعادة توظيفها في تحقيق الأهداف الجمعوية. يظهر هنا أهمية التمييز بين الفائض المالي المشروع والربح الموزع.

ثانياً: الإعفاء من الضريبة على الشركات وحدود الاستفادة منه

تعتبر الضريبة على الشركات من أهم الضرائب التي تثير إشكالات عملية في النظام الجبائي للجمعيات. بموجب المادة 2 من المدونة العامة للضرائب، تدخل الجمعيات ضمن نطاق الأشخاص المعنيين بالضريبة على الشركات. لكن المادة 6 تمنح إعفاءً كلياً ودائماً للجمعيات غير الهادفة إلى الربح، بالنسبة للعمليات المطابقة لأهدافها الأساسية. هذا الإعفاء يرتبط بطبيعة العملية ومدى ارتباطها بالغرض الجمعوي، وليس بالصفة القانونية للجمعية فقط. لا يشمل الإعفاء المؤسسات التجارية أو الخدماتية التي تملكها الجمعية، ولا يمتد إلى الأنشطة الصناعية أو التجارية أو المالية خارج نطاق الهدف غير الربحي. على سبيل المثال، امتلاك الجمعية لمقهى أو مطعم أو محل تجاري قد يخضع للضريبة. لا يكفي النص في القانون الأساسي على أهداف اجتماعية للاستفادة من الإعفاء آلياً، بل يجب أن تعكس الأنشطة الفعلية تلك الأهداف. تستأنس المعايير لتقييم الطابع غير الربحي بالتسيير التطوعي، عدم توزيع الفائض، عدم تمكين الأعضاء من أصول الجمعية عند حلها، ارتباط الخدمات بالأهداف الاجتماعية، طبيعة الفئات المستفيدة، مستوى الأسعار، وطبيعة الإشهار. هذه المعايير تكتسب أهمية خاصة عند ممارسة الجمعية لأنشطة قد تتقاطع مع أنشطة المقاولات التجارية. تخضع الجمعيات السكنية لشروط خاصة للاستفادة من الإعفاء، وفق المادة 7-I-B من المدونة العامة للضرائب.

ثالثاً: الامتيازات الجبائية المرتبطة بالتبرعات والشراكات

تتجه السياسة الجبائية نحو تشجيع التمويل الخاص للعمل الجمعوي عبر السماح بخصم بعض التبرعات من النتيجة الخاضعة للضريبة لدى الجهات المانحة. تسمح المادة 10 من المدونة العامة للضرائب بخصم التبرعات النقدية أو العينية المقدمة إلى الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة، متى كانت تمارس أنشطة خيرية أو علمية أو ثقافية أو رياضية أو بيئية، وغيرها. تشمل هذه المقتضيات التبرعات الممنوحة للجمعيات التي أبرمت اتفاقيات شراكة مع الدولة لإنجاز مشاريع ذات مصلحة عامة، مع مراعاة سقف قانوني محدد في 2‰ من رقم المعاملات. تكشف هذه المقتضيات عن توجه لجعل النظام الضريبي أداة لتعبئة الموارد الخاصة للمبادرات ذات النفع العام. فعالية هذا التحفيز مرتبطة بوضوح مساطر الاعتراف بالمنفعة العامة وشفافية استعمال التبرعات.

رابعاً: الضريبة على الدخل والأجور داخل الجمعيات

إعفاء الجمعية من الضريبة على الشركات لا يعني إعفاءها من جميع الضرائب المتعلقة بالموارد البشرية. فالأجور والتعويضات المدفوعة للمستخدمين تخضع للضريبة على الدخل، مع التزام الجمعية باقتطاع الضريبة من المنبع والتصريح بها. تتضمن المادة 57-20 من المدونة مقتضى خاصاً بإعفاء الأجور الشهرية الإجمالية التي لا تتجاوز 10.000 درهم لمدة 24 شهراً، في حدود عشرة أجراء للمقاولات والجمعيات والتعاونيات المنشأة خلال الفترة من 1 يناير 2015 إلى 31 ديسمبر 2026. يشترط للاستفادة من هذا الإعفاء إبرام عقد عمل غير محدد المدة، وأن يتم التوظيف خلال السنتين الأوليين من تاريخ بداية الاستغلال، واحترام سقف الأجراء وباقي الشروط التصريحية. هذا الإعفاء ليس عاماً، بل هو امتياز مؤقت ومشروط. تستبعد المادة 62 من نطاق الضريبة على الدخل القيمة الكرائية للعقارات التي تضعها مالكوها مجاناً رهن إشارة الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة، متى استعملت لإيواء مؤسسات خيرية غير ربحية.

خامساً: الضريبة على القيمة المضافة بين الإعفاء ومحدودية نطاقه

تطرح الضريبة على القيمة المضافة إشكالا خاصاً، حيث أن بعض الجمعيات قد تمارس أنشطة أو تقدم خدمات بمقابل. الإعفاء من الضريبة على الشركات لا يعني بالضرورة الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة. تنص المادة 91 من المدونة العامة للضرائب على إعفاءات دون الحق في الخصم، تشمل الخدمات المقدمة من الجمعيات غير الربحية المعترف لها بصفة المنفعة العامة، مع استثناء العمليات التجارية أو الصناعية أو الخدمية. تشمل بعض الإعفاءات بيع المعدات المتخصصة للأشخاص في وضعية إعاقة، وبعض الخدمات المرتبطة بفحص البصر للمكفوفين. تنص المادة 92 على إعفاءات مع الحق في الخصم لعمليات محددة، من بينها السلع والأعمال والخدمات الممولة أو المقدمة على سبيل التبرع للدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة التي تعنى بالأوضاع الاجتماعية والصحية للأشخاص في وضعية إعاقة أو هشاشة. تستفيد بعض الجمعيات والمؤسسات ذات الطبيعة الخاصة من إعفاءات إضافية تتعلق باقتناء المعدات والتجهيزات. الاستفادة من هذه الإعفاءات لا تتم بصورة تلقائية، بل ترتبط بطبيعة العملية والجهة المستفيدة والوثائق المطلوبة. الإعفاء دون الحق في الخصم يختلف عن الإعفاء مع الحق في الخصم.

سادساً: واجبات التسجيل والتنبر والرسوم المحلية

تستفيد بعض الجمعيات والهيئات ذات المنفعة العامة من إعفاءات في مجال واجبات التسجيل والتنبر وفق الحالات المحددة في المادة 129 من المدونة العامة للضرائب. تهم هذه الإعفاءات بعض العقود والاقتناءات والوثائق المرتبطة بالأنشطة ذات المصلحة العامة. كما ترتبط الإعفاءات من واجبات التنبر بالمقتضيات القانونية التي تحيل على الوثائق والعقود المعفاة من التسجيل. على مستوى الجبايات المحلية، نصت المادة 6 من القانون رقم 47.06 على الإعفاء الكلي والدائم للجمعيات غير الهادفة إلى الربح، بالنسبة للعمليات المطابقة لأهدافها الأساسية. يشمل هذا الإطار الرسم المهني ورسم الخدمات الجماعية، مع استثناء المؤسسات التجارية والخدماتية التي تملكها الجمعيات. يجب مراعاة التعديلات التي أدخلها القانون رقم 14.25 على القانون رقم 47.06.

سابعاً: الالتزامات المحاسبية والتصريحية

الاعتقاد بأن الاستفادة من الإعفاء الضريبي تعني عدم الخضوع للمراقبة أو عدم الالتزام بمسك المحاسبة والتصريح هو من الأخطاء الشائعة. الإعفاء من الضريبة على الشركات لا يلغي الالتزامات المحاسبية والتصريحية. تُلزم المادة 20 من المدونة العامة للضرائب الجمعيات، سواء كانت خاضعة للضريبة أو معفاة منها، بإيداع التصريح بالنتيجة الجبائية. تفرض المادة 145 احترام قواعد المحاسبة والوثائق الإثباتية، بما في ذلك مسك محاسبة منتظمة، الاحتفاظ بالوثائق، إعداد جرد تفصيلي للمخزون، إصدار الفواتير والوثائق المحاسبية، تضمين المعرفات الجبائية، وإثبات المصاريف والمشتريات بوثائق صحيحة. تظل بعض التصريحات الأخرى واجبة بحسب طبيعة العمليات، مثل التصريحات المتعلقة بالأجور والتعويضات المدفوعة للغير. تكتسي هذه الالتزامات أهمية خاصة للجمعيات التي تتلقى دعماً عمومياً أو تمويلاً، حيث أن الشفافية المالية لا تقتصر على احترام الالتزامات الجبائية، بل تمتد إلى إثبات كيفية تحصيل الموارد وصرفها.

ثامناً: نحو عدالة جبائية تدعم العمل الجمعوي ولا تخل بالمنافسة

يجب تقييم النظام الضريبي للجمعيات من خلال مدى قدرته على تحقيق التوازن بين دعم المجتمع المدني، حماية العدالة الضريبية، وتعزيز الحكامة المالية والمحاسبية. يمكن اقتراح تبسيط المساطر التصريحية للجمعيات الصغيرة، توفير أدلة جبائية مبسطة، تعزيز التكوين في المحاسبة والتدبير المالي، وتوضيح حدود الأنشطة المدرة للدخل. كما ينبغي نشر ثقافة جبائية داخل النسيج الجمعوي، بحيث يُنظر إلى الالتزام الضريبي كجزء من الحكامة الجيدة والمسؤولية المؤسساتية.

خاتمة

يمنح المشرع المغربي الجمعيات إعفاءات وامتيازات جبائية تقديراً لدورها في خدمة الصالح العام. هذه الامتيازات ليست مطلقة، بل ترتبط بشروط قانونية وموضوعية، أهمها احترام الأهداف الأساسية، عدم توزيع الأرباح، والتمييز بين الأنشطة الجمعوية والعمليات التجارية. التحدي الحقيقي يكمن في بناء نظام جبائي واضح ومتوازن يضمن استمرارية الجمعيات ويمنع توظيف الامتياز الجبائي خارج الغايات التي أُقر من أجلها. الجمعية القوية هي التي تحسن تدبيرها، تثبت أثرها، تحترم القانون، وتقدم نموذجاً في الشفافية والمسؤولية. الحكامة الجبائية للجمعيات يجب أن تتحول إلى ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في المجتمع المدني وترسيخ دوره كشريك في التنمية.

المراجع القانونية والمؤسساتية الأساسية:

  • الظهير الشريف رقم 1.58.376 الصادر في 15 نوفمبر 1958 بتنظيم حق تأسيس الجمعيات، كما وقع تغييره وتتميمه.
  • المدونة العامة للضرائب، طبعة 2026، ولا سيما المواد 2، 6، 7، 10، 20، 56، 57، 62، 91، 92، 129، 145، 250.
  • القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، كما تم تغييره وتتميمه.
  • القانون رقم 14.25 الصادر سنة 2025 بتغيير وتتميم القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية.
  • القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي.
  • مذكرة حول النظام الضريبي المطبق على جمعيات المجتمع المدني، الموقع الرسمي للوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، محينة بتاريخ 6 فبراير 2026.
  • المديرية العامة للضرائب، المدونة العامة للضرائب، طبعة 2026، وزارة الاقتصاد والمالية.

المراجع الرسمية:

  • المدونة العامة للضرائب – طبعة 2026، وزارة الاقتصاد والمالية.
  • مذكرة النظام الضريبي المطبق على جمعيات المجتمع المدني – تحيين 6 فبراير 2026.
شارك الخبر: