من 19 مقعدًا إلى مشروع تأثير: استراتيجية عربية نحو مستقبل أفضل


هذا الخبر بعنوان "من 19 مقعدا إلى مشروع تأثير" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: محمد طلال بدران
إن حصول الأحزاب العربية على 19 مقعدًا في الكنيست، بناءً على النتائج المعلنة، لا يمثل مجرد إنجاز انتخابي يُحتفى به، بل هو فرصة سياسية استراتيجية تتطلب استثمارًا عقلانيًا ومسؤولًا. لقد ساهمت ممارسات التحريض والتهديد والتضييق على المواطنين العرب، إلى جانب هدم المنازل واستهداف الهوية الفلسطينية، في تعميق الشعور بالخطر لدى قطاعات واسعة، مما دفعها إلى إدراك أهمية المشاركة السياسية الفعالة. ورغم أن اليمين المتطرف، بخطابه وسياساته، قد عزز الشعور بالحاجة إلى الوحدة، إلا أن هذه الوحدة لا ينبغي أن تكون مرهونة بالخطر وحده؛ فالمجتمع الذي يتوحد لمواجهة التهديدات قد يتشتت بزوالها. على النقيض، فإن المجتمع الذي يجمعه مشروع واضح قادر على تحويل الأزمات إلى فرص، وتحويل التمثيل السياسي إلى إنجازات مستدامة.
لذلك، تستدعي المرحلة المقبلة الانتقال من مجرد الاحتفاء بالنتائج إلى بناء استراتيجية عمل واضحة ترتكز على محاور أساسية:
المطلوب ليس إلغاء الاختلافات الحزبية والفكرية، بل الاتفاق على برنامج حد أدنى للقضايا المصيرية، وإنشاء آلية دائمة للتنسيق بين النواب العرب لتوحيد المواقف في القضايا الكبرى، ومنع تحويل الخلافات الداخلية إلى عامل يضعف القوة الجماعية.
يجب وضع برنامج عمل بأهداف محددة ومواعيد زمنية لمتابعة قضايا الأرض والمسكن، وهدم المنازل، ومكافحة الجريمة والعنف، وتوزيع الميزانيات، وتطوير التعليم والصحة، وتوفير فرص العمل، وتحسين البنية التحتية، وضمان المساواة في الحقوق والخدمات. فالجمهور لا يحتاج إلى خطابات احتفالية بقدر حاجته إلى نتائج ملموسة في حياته اليومية.
لا يكفي إدانة تصريحات سموتريتش وبن غفير أو التحذير من مخاطر سياساتهما؛ بل يجب توثيق آثار هذه السياسات ومواجهتها برلمانيًا وقانونيًا وإعلاميًا، وبناء شراكات مع القوى التي قد تتقاطع مصالحها مع حماية الحقوق والمساواة والديمقراطية. إن تحجيم اليمين المتطرف يبدأ بمنع احتكاره للمشهد السياسي، وكشف نتائج سياساته، وبناء قوة قادرة على مقاومة الإقصاء والتمييز.
ينبغي نشر تقرير دوري يوضح ما أنجزه النواب العرب، وما تعثر، وأسباب ذلك، والخطوات المستقبلية. فالمقاعد ليست امتيازًا شخصيًا أو حزبيًا، بل تكليف ومسؤولية أمام المجتمع الذي منح الثقة.
لا ينبغي أن تنتهي العلاقة بين الناخب وممثليه عند صندوق الاقتراع. المطلوب هو عقد لقاءات دورية مع السلطات المحلية، واللجان الشعبية، والمؤسسات المهنية والأكاديمية، والشباب والنساء، للاستماع إلى احتياجات الناس وإشراكهم في صياغة الأولويات.
إن الدفاع عن الأرض والهوية الفلسطينية والحقوق الدينية والثقافية لا ينفصل عن معالجة قضايا الحياة اليومية؛ بل يجب الجمع بين حماية الوجود الوطني وتحسين الظروف المعيشية، وبين صون الهوية وبناء مجتمع آمن وعادل ومتماسك.
خلاصة:
لقد أسهمت سياسات التحريض والتهديد في استنهاض قطاعات من المجتمع العربي، لكن مسؤوليتنا الآن هي جعل وحدتنا نابعة من رؤية مشتركة، لا من الخوف وحده. إن المقاعد التسعة عشر قد تمنحنا فرصة للتأثير، لكنها لا تضمنه تلقائيًا. وما سيحدد قيمة هذا الإنجاز هو قدرتنا على تحويله إلى سياسات تحمي الإنسان والأرض والحقوق، وتحد من نفوذ اليمين المتطرف، وتمنح أبناء مجتمعنا أملًا واقعيًا بمستقبل أفضل. لقد وحّدنا الخطر، والآن يجب أن توحّدنا الرؤية، وأن يثبت العمل السياسي أن هذه المقاعد كانت بداية تغيير، لا مجرد رقم في سجل الانتخابات.
مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية، الحركة الإسلامية – الداخل الفلسطيني
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة