رضا المجني عليه في القانون الجنائي: متى يكون حاسماً ومتى يفقد قيمته؟


هذا الخبر بعنوان "رضا المجني عليه.. متى يسقط التجريم ومتى يصبح الرضا بلا أثر؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحتل رضا المجني عليه موقعاً دقيقاً في النظرية العامة للجريمة، حيث يلامس حدوداً متداخلة بين حرية الفرد في التصرف في حقوقه ومصالحه الخاصة، وبين سلطة الدولة في التجريم والعقاب وحماية المصالح الجديرة بالحماية الجنائية. لذا، فإن مجرد القول بأن «الضحية وافقت» لا يكفي لنفي الجريمة أو إسقاط المسؤولية عن مرتكب الفعل، كما أن وجود الضرر لا يؤدي آلياً إلى قيام المسؤولية دون فحص إرادة الأطراف وطبيعة الحق المعتدى عليه ومكونات النموذج التجريمي. القاعدة الأساسية هي أن رضا المجني عليه لا يشكل سبباً عاماً من أسباب الإباحة في القانون الجنائي المغربي. الفصل 124 من مجموعة القانون الجنائي حدد حالات التبرير في نطاق مضبوط، وتشمل الأفعال التي يوجبها القانون، أو التي تأمر بها السلطة الشرعية، أو حالة الضرورة القصوى، أو حالة الدفاع الشرعي عن النفس أو الغير أو المال، مع ضرورة التناسب بين فعل الدفاع وخطورة الاعتداء. وبالتالي، يجب بحث رضا المجني عليه ضمن البنيان القانوني للجريمة، لا كسبب مستقل للإباحة.
تتجلى أهمية الرضا عندما يجعله المشرع عنصراً داخلاً في تكوين الجريمة، حيث يصبح انعدامه جزءاً من الركن المادي أو الظروف التي يقوم عليها الوصف الجرمي. في هذه الحالة، يكتسب الرضا قيمة قانونية مباشرة، فثبوت الموافقة وفق الشروط القانونية قد يؤدي إلى انتفاء عنصر من عناصر الجريمة، وبالتالي سقوط الوصف الجنائي الخاص بالفعل. يفسر هذا ما جاء في الفصل 486 من مجموعة القانون الجنائي بشأن الاغتصاب، حيث ربط الجريمة بالمواقعة التي تتم «بدون رضاها»، مما يجعل عنصر الرضا حاضراً في تحديد نطاق التجريم ذاته. ومع ذلك، تحتاج هذه القاعدة إلى تحفظ عند تطبيقها، فالرضا المفترض أو المزعوم أو الصادر عن شخص يفتقد الأهلية القانونية لا ينتج الأثر نفسه. الفصل 484، مثلاً، يقرر حماية جنائية خاصة للقاصر الذي تقل سنه عن ثماني عشرة سنة، وللعاجز أو المعاق أو الشخص المعروف بضعف قواه العقلية، حيث يرتبط التجريم بصفة المجني عليه وطبيعة الفعل المرتكب. وبالتالي، فإن مجرد الادعاء بوجود موافقة من شخص تحيط به حماية جنائية خاصة لا يكفي لإهدار الحماية التي قررها المشرع. هنا يظهر الفارق بين الرضا كتعبير عن إرادة معتبرة قانوناً، والرضا الذي يثار كوسيلة دفاع دون أن تتوافر فيه مقومات الاعتداد القانوني.
يختلف الأمر في جريمة هتك العرض باستعمال العنف، المنظمة بالفصل 485، حيث يصبح العنف عنصراً ذا دلالة في التكييف الجنائي، وتتحول الواقعة من مجرد خلاف حول وجود الموافقة إلى بحث في حقيقة الإكراه والقوة المستعملة والظروف المحيطة بالفعل ومدى تأثيرها في إرادة المجني عليه. لذا، لا تقف المحكمة عند الأقوال المجردة، بل تبحث في الوقائع والقرائن والملابسات ووسائل الإثبات، حتى تتوصل إلى حقيقة الرضا من حيث وجوده وصدوره عن إرادة حرة ومدركة وخالية من الإكراه المؤثر.
في الجرائم الواقعة على الأموال، يأخذ رضا المجني عليه مساراً قانونياً مختلفاً. الفصل 505 يعتبر من اختلس عمداً مالاً مملوكاً للغير سارقاً، وبالتالي فإن التسليم الإرادي للمال من مالكه قد تكون له نتيجة مباشرة على قيام عنصر الاختلاس، بحسب ظروف الواقعة وطبيعة التسليم والغاية منه. فإذا سلم المال بإرادة صاحبه، فقد ينتفي عنصر الأخذ المميز للسرقة، مع بقاء إمكانية قيام وصف جنائي آخر متى توافرت عناصره، كالنصب أو خيانة الأمانة أو غيرهما بحسب الوقائع الثابتة. هنا يتضح أن الرضا قد يهدم جريمة معينة دون أن يمنح الفاعل حصانة جنائية مطلقة، لأن الفعل الواحد قد ينتقل من تكييف إلى آخر وفق العناصر المادية والمعنوية التي تثبتها المحكمة.
في الجرائم المتعلقة بالحياة الخاصة، جعل المشرع للموافقة وزناً مباشراً في تحديد المشروعية الجنائية لبعض الأفعال. الفصل 447-1 يرتبط بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة في إطار خاص أو سري دون موافقة أصحابها، كما يشمل التقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص أثناء وجوده في مكان خاص دون موافقته، وفق الشروط المحددة قانوناً. تصبح الموافقة هنا ذات صلة مباشرة بتحديد الركن المادي للفعل، مع ضرورة التمييز بين الموافقة على الالتقاط أو التسجيل وبين الموافقة على النشر أو البث أو التوزيع، لأن نطاق الإذن لا يفترض توسعاً يتجاوز الغرض الذي صدر من أجله. هذا التمييز مهم في عصر أصبحت فيه الهواتف والتسجيلات والصور والرسائل الرقمية وسائل لإنتاج الدليل ووسائل محتملة للاعتداء في الوقت نفسه. فقد يوافق شخص على تصويره في وضع معين، ثم يستعمل شخص آخر الصورة في سياق مختلف أو ينشرها خارج نطاق الموافقة. في هذه الحالة، لا يكفي التمسك بعبارة «كان يعلم أنه يصور» لحسم المسؤولية، بل يتعين تحديد مضمون الرضا ومداه وغايته وزمنه، وما إذا كان قد انصرف إلى التسجيل وحده أم شمل الاستعمال اللاحق. الرضا الجنائي ذو نطاق محدد، ولا يجوز تحويله إلى إذن مفتوح بالمساس بكل المصالح المرتبطة بالشخص.
في مقابل هذه الحالات، توجد أفعال جعل فيها المشرع التجريم قائماً رغم موافقة المجني عليه. الفصل 449 يعاقب على إجهاض امرأة حبلى برضاها أو بدونه، وفق الحالات التي حددها القانون. هنا يفقد الرضا أثره في إزالة التجريم، لأن المصلحة محل الحماية الجنائية تتجاوز مجرد الإرادة الفردية للمجني عليه وفق التصور الذي اعتمده المشرع. هذه القاعدة تكشف مبدأً جوهرياً في القانون الجنائي: مدى تأثير الرضا يتحدد بطبيعة الحق المحمي وبالسياسة الجنائية التي يقوم عليها النص. الأمر ذاته يظهر بصورة أكثر صرامة في الجرائم الواقعة على الحق في الحياة. الفصل 392 يقرر مسؤولية من تسبب عمداً في قتل غيره، ولا يجعل موافقة المجني عليه على إزهاق حياته سبباً عاماً للإباحة. وبالتالي، فإن قبول الشخص بالفعل القاتل لا يحول الجريمة إلى فعل مشروع، لأن الحق في الحياة من المصالح ذات الحماية الجنائية المشددة، وتملك الدولة سلطة التجريم حمايةً له ضمن النظام العام الجنائي. ينسحب هذا المنطق، بحسب ظروف كل واقعة، على جرائم الضرب والجرح المنصوص عليها في الفصول 400 وما بعدها، حيث لا يؤدي قبول الشخص بالاعتداء على جسمه، بمجرده، إلى محو المسؤولية الجنائية متى استوفت الواقعة عناصر الجريمة.
من هنا تظهر ضرورة الفصل بين «الرضا» و«الإذن» و«التنازل» و«المصالحة» و«التسامح». هذه المفاهيم قد تتقارب في الاستعمال العادي، لكنها تختلف من حيث الأثر القانوني. الرضا السابق أو المعاصر للفعل قد يمس قيام الجريمة عندما يكون انعدامه عنصراً في النموذج التجريمي، أما التنازل اللاحق عن الشكاية فيرتبط أساساً بالدعوى العمومية وآثارها الإجرائية. تنازل المجني عليه بعد وقوع الفعل لا يمحو بالضرورة الصفة الإجرامية التي كانت قائمة وقت ارتكابه، وإنما ينظر القانون إلى هذا التنازل وفق القواعد الخاصة التي تحدد متى ينتج أثره. هذا يكتسب أهمية خاصة مع مقتضيات قانون المسطرة الجنائية بعد القانون رقم 03.23، حيث اتسع مجال العدالة التصالحية في الحدود التي رسمها المشرع. المادة 4 تقرر حالات سقوط الدعوى العمومية، ومن بينها التنازل عن الشكاية عندما تكون الشكاية شرطاً لازماً للمتابعة، ما لم يوجد نص خاص يقضي بخلاف ذلك. يجب الانتباه إلى أن التنازل لا يتحول إلى قاعدة عامة لإسقاط المتابعة في جميع الجرائم، بل ينتج أثره حيث رتب القانون عليه ذلك صراحة. المادة 41 تنظم الصلح كآلية بديلة عن الدعوى العمومية في نطاقها القانوني، حيث يمكن للمتضرر أو للمشتكى به أو لهما معاً طلب تضمين الصلح في محضر قبل إقامة الدعوى العمومية، كما يمكن لوكيل الملك اقتراح الصلح والسعي إلى تحقيقه وفق الشروط والإجراءات المقررة. هذا التطور يعكس انتقالاً نسبياً من المنطق العقابي الصرف إلى تصور يتيح في بعض الجنح تسوية النزاع وجبر الضرر وتحقيق قدر من الرضائية الإجرائية، مع بقاء سلطة الدولة في تحريك الدعوى وممارستها قائمة في الحدود التي حددها القانون. المادة 41-1 تحدد نطاق الجرائم التي يمكن أن تشملها مسطرة الصلح، ومن بينها أفعال محددة وردت في فصول من مجموعة القانون الجنائي، ومنها الفصول 401 و404 و425 و426 و441 و445 و447-1 و447-2 و447-3 و505، وفق الشروط القانونية المنصوص عليها. الصلح لا يقوم على مجرد رغبة شخصية من الطرفين، بل على توافر شروط موضوعية وإجرائية تجعل النزاع قابلاً لهذه الآلية. الإرادة الفردية هنا تعمل داخل الإطار الذي رسمه المشرع، وتنتج آثارها حيث منحها القانون قوة قانونية. المادة 372، وفق الصيغة المشار إليها في قانون المسطرة الجنائية، ترتب في نطاق محدد إمكانية إيقاف سير إجراءات الدعوى العمومية عند تنازل الطرف المتضرر عن شكايته، متى كانت الجريمة من الجرائم المشمولة بالشروط القانونية. هذا يبرز الفارق بين مرحلة نشوء الحق في تحريك الدعوى وبين المرحلة التي يصبح فيها التنازل منتجاً لأثر إجرائي. قد تتراجع الضحية عن شكايتها، غير أن هذا التراجع لا يصبح بذاته سبباً لإلغاء الجريمة في جميع الأحوال؛ بل تتحدد قيمته بحسب طبيعة الجريمة والنص المنظم لها.
الفصل 124 يكتسب أهمية أخرى عند ربطه بمسؤولية المجني عليه، خصوصاً في حالة الدفاع الشرعي. إذا كان المجني عليه هو المعتدي ابتداءً، ورد المدافع الاعتداء في الحدود التي رسمها القانون، فقد تتبدل مركز الأطراف قانونياً؛ فقد يكون المعتدي الأصلي هو المجني عليه في النتيجة، بينما يكون من رد الاعتداء هو الفاعل المادي للفعل الذي أحدث الضرر. ومع ذلك، لا يكفي القول بأن الطرف الآخر بدأ الاعتداء حتى تقوم حالة الدفاع الشرعي، بل يتعين تحقق الضرورة الحالية للدفاع والتناسب بين وسيلة الدفاع وخطورة الاعتداء. هنا تلتقي بعض القواعد القانونية مع ما قرره الفقه الإسلامي في باب دفع الصائل، حيث اعتبر الدفاع عن النفس أو العرض أو المال من المسائل التي تراعى فيها حال الاعتداء وضرورته ووسيلة دفعه ومدى إمكان رد العدوان بوسيلة أخف. فلا يستقيم قانوناً ولا فقهاً أن يتحول الدفاع إلى انتقام، أو أن تستمر القوة بعد زوال الخطر، لأن مناط المشروعية هو دفع الاعتداء، فإذا انتهى الاعتداء انتهى موجب الدفاع. تحديد اللحظة التي بدأ فيها العدوان واللحظة التي انتهى فيها، والوسيلة التي استعملت لدفعه، تعد عناصر حاسمة في التكييف القضائي.
تزداد المسألة دقة عندما يكون المجني عليه قد ساهم بسلوكه في خلق الظروف التي انتهت إلى الجريمة. فقد يتخذ هذا السلوك صورة اعتداء سابق، أو استفزاز، أو إغراء، أو تسليم مال، أو قبول بفعل معين، أو سلوك آخر له صلة سببية بالواقعة. غير أن مساهمة المجني عليه في الظروف السابقة للجريمة لا تعني تلقائياً انتقال المسؤولية الجنائية إليه أو سقوط مسؤولية الفاعل، لأن المسؤولية الجنائية شخصية، ولكل شخص أن يتحمل تبعة فعله وفق عناصره وشروطه. في هذا السياق، ينبغي التمييز بين «مساهمة المجني عليه في وقوع الضرر» وبين «انتفاء الجريمة بسبب رضاه». قد يكون للمجني عليه دور واقعي في وقوع النتيجة، دون أن يكون لهذا الدور أثر في قيام الجريمة قانوناً. قد يكون رضاه سبباً في انتفاء عنصر محدد من الجريمة، فينتفي الوصف الجرمي ذاته. قد يكون رضاه عديم الأثر تماماً عندما يتعلق الأمر بمصلحة محمية بنص آمر. قد يكون رضاه اللاحق ذا أثر إجرائي في حدود الشكاية والصلح والتنازل. هذه المستويات الثلاثة تمنع من التعامل مع رضا المجني عليه كقاعدة واحدة صالحة لكل الجرائم. فالرضا قد يكون عنصراً نافياً للتجريم، وقد يكون واقعة محايدة تجاه المسؤولية، وقد يتحول بعد وقوع الفعل إلى وسيلة للتسوية أو سبب ذي أثر على الدعوى العمومية، بحسب النص الواجب التطبيق. الرضا الذي يعتد به قانوناً يفترض إرادة معتبرة، صادرة عن شخص تتوافر فيه القدرة القانونية والإدراك اللازم، وفي ظروف تسمح باعتبار الإرادة حرة وغير مشوبة بإكراه أو تهديد أو تدليس أو غلط مؤثر، بحسب طبيعة الواقعة والنص المطبق. لذا، فإن المحكمة عند فحص الرضا لا تبحث عن كلمة مجردة وردت في تصريح، بل عن حقيقة الإرادة في سياقها الواقعي والقانوني، مستعينة بالقرائن والحجج وسائر وسائل الإثبات المقبولة. هنا تتجلى أهمية التكييف القانوني؛ فالقاضي لا يسأل فقط: «هل وافق المجني عليه؟»، بل يسأل قبل ذلك: ما طبيعة الجريمة؟ وما المصلحة المحمية؟ وهل جعل المشرع انعدام الرضا عنصراً من عناصرها؟ وهل صدر الرضا من ذي أهلية؟ وهل كان حراً وحقيقياً؟ وهل انصرف إلى الفعل ذاته أم إلى استعمال لاحق؟ وهل تعلق الأمر بحق يجوز للشخص التصرف فيه أم بمصلحة ذات حماية آمرة؟ وهل نحن أمام رضا سابق أم تنازل لاحق أم صلح إجرائي؟ وعلى ضوء هذه الأسئلة يتحدد الأثر القانوني.
من منظور الفقه الجنائي، يرتبط رضا المجني عليه بفكرة المصلحة محل الحماية، وهي من المفاهيم المركزية في تحديد نطاق التجريم. كلما اتصل الفعل بحق شخصي قابل للتصرف في الحدود التي يسمح بها القانون، ازدادت إمكانية الاعتداد بالإرادة الفردية، وكلما تعلق الأمر بمصلحة ذات طبيعة آمرة، تضيق دائرة الاعتداد بالرضا. لذا، لا يمكن إسقاط الأحكام المتعلقة بالمال على الحياة، ولا القواعد المتعلقة بالحياة الخاصة على الجرائم الواقعة على القاصرين، ولا قواعد الشكاية على الجرائم التي تقوم الدعوى العمومية فيها على حماية مصلحة عامة. استفزاز المجني عليه للجاني يحتاج إلى معالجة مستقلة عن مفهوم الرضا. فالاستفزاز قد يكون عنصراً في فهم ظروف الواقعة ودوافعها، وقد تكون له قيمة في تقدير العقوبة متى سمح القانون بذلك، غير أنه لا يتحول تلقائياً إلى سبب للإباحة ولا إلى مانع عام للمسؤولية. الدفاع الشرعي له نظام قانوني مستقل، حدده الفصل 124، ويقوم على ضرورة حالّة وعلى التناسب، وهو ما يجعله مختلفاً جذرياً عن مجرد الغضب أو الانتقام أو رد الفعل الانفعالي. القول بوجود «مسؤولية للمجني عليه» ينبغي استعماله بحذر؛ لأن المجني عليه قد يتحمل تبعات فعله في المجال المدني أو في بعض الصور التي يعترف فيها القانون بدور سلوكه في النتيجة، وقد يكون سلوكه منشئاً لحالة دفاع شرعي أو مؤثراً في التكييف، غير أن ذلك لا يعني إقامة مسؤولية جنائية مقابلة لمجرد كونه ساهم في ظروف الواقعة. المسؤولية الجنائية تقوم على نص وتجريم وفعل ونسبة وقصد أو خطأ بحسب الأحوال، ولا تنشأ بالانطباع أو باللوم الأخلاقي.
النتيجة أن رضا المجني عليه في القانون الجنائي المغربي مفهوم ذو وظيفة متعددة، تتحدد قيمته بحسب النص والتكييف والحق محل الحماية. إذا كان انعدام الرضا عنصراً في الجريمة، أصبح إثبات الرضا مسألة جوهرية في تقدير قيام الركن المادي. إذا كان النص يحمي مصلحة آمرة، بقي الرضا عاجزاً عن رفع التجريم، كما يظهر في الجرائم التي صاغ المشرع أحكامها على نحو يجعل العقاب قائماً برضا المجني عليه أو بدونه. إذا تعلق الأمر بتنازل لاحق عن الشكاية، انتقل البحث من القانون الجنائي الموضوعي إلى قانون المسطرة الجنائية، حيث يصبح السؤال متعلقاً بمدى إنتاج التنازل أو الصلح أو الوساطة لأثر إجرائي وفق الشروط التي حددها القانون. لا يصح اختزال المسألة في عبارة «رضا الضحية يسقط الجريمة»، كما لا يستقيم الاتجاه المقابل الذي يعتبر الرضا عديم القيمة في جميع الأحوال. الصواب أن الرضا واقعة قانونية تختلف قيمتها باختلاف الجريمة والنص والمصلحة المحمية وزمن صدوره وأهلية صاحبه ونطاقه وآثاره. قد يهدم الرضا ركناً من أركان جريمة معينة، وقد يبقى دون أثر في جريمة أخرى، وقد ينتقل أثره بعد وقوع الفعل إلى مجال الشكاية والصلح والدعوى العمومية. القضاء الجنائي، عند مواجهته برضا المجني عليه، لا يبحث عن مجرد «موافقة» في معناها العادي، بل عن إرادة معتبرة داخل منظومة التجريم والإثبات والتكييف. القانون وحده هو الذي يمنح الرضا قوته القانونية، والقاضي وحده، من خلال الوقائع الثابتة والنص الواجب التطبيق، يحدد حدوده وآثاره؛ لأن الرضا في القانون الجنائي لا يُقاس بوجوده فقط، بل بقيمته داخل النص الذي يحكم الواقعة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة