نزاع الصحراء المغربية: تعثر مجلس الأمن يفتح آفاقاً جديدة للمرحلة القادمة


هذا الخبر بعنوان "نزاع الصحراء المغربية: بعد تعثر مجلس الأمن" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: سليمان الخشين
شكل اجتماع مجلس الأمن الدولي المنعقد في 30 أكتوبر 2026 نقطة تحول في مسار النزاع حول الصحراء المغربية، حيث أخفق المجلس في اعتماد مشروع القرار الأمريكي بشأن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (المينورسو) بسبب استخدام روسيا حق النقض (الفيتو)، على الرغم من تأييد أحد عشر عضواً من أصل خمسة عشر. كما فشل المجلس في اعتماد مشروع القرار الروسي البديل، الذي كان يهدف إلى تمديد ولاية البعثة دون تعديلات، حيث حصل على ثلاثة أصوات مؤيدة فقط مقابل تصويت الولايات المتحدة ضده وامتناع أحد عشر عضواً.
تزامن هذا التطور مع صدور بلاغ للديوان الملكي المغربي، اعتبر فيه أن عدم تمديد ولاية المينورسو يمثل تطوراً مهماً وخطوة أساسية نحو الطي النهائي لملف الصحراء المغربية على مستوى الأمم المتحدة، وربط ذلك بضرورة الانتقال من منطق التدبير إلى منطق التغيير العميق لمحددات هذا الملف وقواعده. يثير هذا التحول تساؤلات حول طبيعة المرحلة الجديدة للنزاع، وتأثير تعثر مجلس الأمن على المسار الأممي، وحدود التحول الذي أشار إليه بلاغ الديوان الملكي، بالإضافة إلى الحلول السياسية والمؤسساتية والإنسانية الممكنة لإنهاء نزاع دام لأكثر من خمسة عقود.
إشكالية المقال: إلى أي حد يشكل تعثر مجلس الأمن في اعتماد قرار جديد بشأن الصحراء المغربية منعطفاً في مسار النزاع، وما هي الآفاق السياسية والمؤسساتية والدبلوماسية الممكنة للانتقال من إدارة النزاع إلى تسويته النهائية في ضوء توجهات بلاغ الديوان الملكي؟
لمقاربة هذه الإشكالية، سيتناول المقال ثلاثة محاور أساسية: دلالات التحول في الموقف الأممي وتوازناته الدولية، ثم إعادة تشكيل الاستراتيجية المغربية في ضوء بلاغ الديوان الملكي، وأخيراً الشروط السياسية والمؤسساتية والإنسانية اللازمة لإنجاح أي تسوية نهائية.
يكتسي تعثر مجلس الأمن في اجتماعه الأخير أهمية استثنائية، نظراً لأن تمديد ولاية بعثة المينورسو ظل إجراءً متكرراً يشكل جزءاً من التدبير الأممي للنزاع منذ إنشائها بموجب القرار 690 لسنة 1991. إلا أن اجتماع 30 أكتوبر 2026 كشف عن تباين عميق بين أعضاء المجلس بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، ليس فقط فيما يتعلق بتمديد ولاية البعثة، بل أيضاً بشأن الأساس السياسي الذي ينبغي أن تستند إليه جهود التسوية. حظي مشروع القرار الأمريكي بتأييد أحد عشر عضواً، مما يعكس وجود أغلبية واسعة تدعم جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات. لكن استخدام روسيا حق النقض حال دون اعتماده. في المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي البديل من الحصول على الحد الأدنى من الأصوات اللازمة لاعتماده، بالإضافة إلى استعمال الولايات المتحدة لحق الفيتو، مما أدى إلى عدم صدور أي قرار جديد.
تكشف هذه النتيجة عن مفارقة مؤسساتية داخل مجلس الأمن: وجود أغلبية تؤيد مشروعاً معيناً، دون أن تتمكن من تحويل هذا التأييد إلى قرار بسبب حق النقض، مقابل عجز المشروع البديل عن حشد التأييد الكافي. لم يكن الإخفاق نتيجة غياب توافق حول صياغة تقنية فحسب، بل عكس اختلافاً حول مستقبل الآلية الأممية ذاتها، وحول العلاقة بين استمرار المينورسو وتطور المسار السياسي.
من الناحية القانونية، يجب التمييز بين عدم اعتماد قرار جديد وبين إنهاء الوجود القانوني للأمم المتحدة في الصحراء المغربية أو حسم الوضع النهائي للإقليم. عدم تجديد ولاية المينورسو يعني انتهاء الولاية المحددة لها في القرار السابق، لكنه لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء جميع أدوار الأمم المتحدة المرتبطة بالنزاع، ولا إلى إسقاط القرارات السابقة. كما أن مجلس الأمن لم يتخل عن اختصاصه بالنظر في القضية، مما يفرض عدم الخلط بين انتهاء ولاية بعثة ميدانية وانتهاء المسار الأممي برمته. وتزداد أهمية هذا التمييز بالنظر إلى أن القرار 2797 لسنة 2025 لم يقتصر على تمديد ولاية المينورسو، بل أكد دعم مجلس الأمن للأمين العام ومبعوثه الشخصي في تيسير المفاوضات على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع الإبقاء على هدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف، يتيح تقرير المصير لسكان الصحراء المغربية. ودعا الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات دون شروط مسبقة، وشجعها على تقديم أفكار ومقترحات تدعم الوصول إلى تسوية نهائية.
وبالتالي، فإن تعثر اعتماد قرار جديد لا ينبغي قراءته باعتباره عودة آلية إلى نقطة الصفر، كما لا يجوز اعتباره حلاً نهائياً للنزاع. وإنما هو تطور يفتح مرحلة من عدم اليقين بشأن مستقبل المينورسو، ويعيد طرح السؤال حول مدى ملاءمة الإطار المؤسساتي الذي اعتمد منذ سنة 1991 مع التحولات السياسية التي عرفها الملف.
لا يمكن فهم الموقف الروسي بمعزل عن التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية، ولا عن طبيعة التنافس بين القوى الكبرى على مناطق النفوذ، خاصة في القارة الإفريقية ومنطقة الساحل والصحراء. ترتبط روسيا تاريخياً بعلاقات استراتيجية مع الجزائر، سواء في المجال العسكري أو في مجالات التعاون السياسي والاقتصادي. ظلت الجزائر، منذ مرحلة الحرب الباردة، ضمن الفضاء السياسي والاستراتيجي الأقرب إلى الاتحاد السوفياتي سابقاً، قبل أن تتطور هذه العلاقة إلى شراكة متعددة الأبعاد مع روسيا الاتحادية. وتكتسي هذه العلاقة أهمية إضافية في ظل التراجع النسبي للنفوذ الفرنسي في عدد من دول الساحل، وصعود أدوار قوى دولية أخرى، من بينها روسيا والصين والولايات المتحدة، في إعادة تشكيل التوازنات الأمنية والاقتصادية والسياسية في المنطقة.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى الجزائر باعتبارها شريكاً إقليمياً مهماً لموسكو، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وامتداد علاقاتها في شمال إفريقيا والساحل. ومن ثم، يمكن تفسير الفيتو الروسي باعتباره تعبيراً عن حسابات استراتيجية أوسع من مجرد الاختلاف حول صياغة مشروع قرار أممي. فقد تكون موسكو قد رأت في المشروع الأمريكي محاولة لتكريس توجه سياسي لا ينسجم مع رؤيتها لمبدأ التسوية المتوافق عليها، أو فرصة لممارسة الضغط الدبلوماسي في سياق التنافس الدولي مع الولايات المتحدة وحلفائها. والأقرب إلى التحليل الموضوعي هو وضع الموقف الروسي ضمن سياق التوازنات الدولية والإقليمية، دون اختزاله في تفسير واحد أو افتراض وجود صفقة غير مثبتة.
فالسياسة الخارجية للدول الكبرى غالباً ما تتحرك وفق شبكة من المصالح والتحالفات والاعتبارات المتداخلة، وليس بالضرورة وفق منطق المقايضة المباشرة. ومن جهة أخرى، لا ينبغي إغفال أن المغرب أصبح بدوره فاعلاً إقليمياً مهماً، بفضل شبكة علاقاته المتنامية مع القوى الغربية والآسيوية والإفريقية، وبفضل موقعه الاستراتيجي كبوابة نحو القارة الإفريقية. وهو ما يجعل ملف الصحراء جزءاً من توازنات إقليمية ودولية تتجاوز مجرد التنافس الإقليمي الثنائي المغربي/ الجزائري.
يشكل القرار 2797 لسنة 2025 محطة أساسية في تطور الموقف الأممي من النزاع، بالنظر إلى أنه جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، وأشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يمثل الحل الأكثر قابلية للتحقق. وتكمن أهمية هذا القرار في أنه نقل المبادرة المغربية من مجرد مقترح مقدم من أحد أطراف النزاع إلى مرجعية مركزية للعملية التفاوضية التي يدعمها مجلس الأمن. غير أن هذا التحول لا يعني أن المجلس أعلن بصورة نهائية انتهاء النزاع أو حسم الوضع القانوني للإقليم، إذ احتفظ القرار بمقتضيات تتعلق بتقرير المصير وبضرورة التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف. ومن هنا، فإن القيمة السياسية للقرار تتمثل في إعادة ترتيب مرجعيات التفاوض، وليس في إلغاء الحاجة إلى التفاوض ذاته.
فالمبادرة المغربية أصبحت أساساً للعملية السياسية، لكن نجاحها يظل مرتبطاً بقدرتها على التحول من تصور سياسي إلى صيغة مؤسساتية قابلة للتطبيق، وبمدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط في مسار تفاوضي جدي. كما أن تعثر مجلس الأمن في أكتوبر 2026 لا يلغي هذا التحول، لكنه يكشف عن صعوبة تحويل الأغلبية السياسية داخل المجلس إلى توافق مؤسساتي ملزم في ظل استمرار حق النقض. وهذا ما يطرح الحاجة إلى تنويع أدوات التحرك الدبلوماسي، مع الحفاظ على مركزية الأمم المتحدة في المسار السياسي.
يشكل بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026 وثيقة سياسية ذات أهمية خاصة، ليس فقط بسبب تقييمه لعدم تمديد ولاية المينورسو، بل أيضاً بسبب اللغة الاستراتيجية التي اعتمدها في تحديد طبيعة المرحلة المقبلة. فقد اعتبر البلاغ أن هذا التطور يمثل خطوة مهمة نحو الطي النهائي لملف الصحراء المغربية على مستوى الأمم المتحدة، وربطه بانتقال المغرب من منطق التدبير إلى مقاربة تستهدف إحداث تغيير عميق في المحددات المؤطرة لهذا الملف. ويستدعي هذا الانتقال التمييز بين مفهومين أساسيين:
تدبير النزاع: ويقصد به التعامل مع التطورات المتكررة في إطار القواعد والآليات القائمة، من خلال الرد على المواقف والمبادرات والقرارات الصادرة عن المؤسسات الأممية، ومحاولة التأثير في صياغتها أو الحد من آثارها.
تغيير قواعد النزاع: ويعني إعادة النظر في الإطار السياسي والمؤسساتي الذي ظل يؤطر تدبير القضية، والعمل على تعديل محددات العملية التفاوضية وأدواتها، بما يسمح بالانتقال من إدارة وضع قائم إلى البحث عن تسوية نهائية.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم الموقف المغربي من الفيتو الروسي باعتباره اختياراً لعدم التعامل معه باعتباره مجرد عقبة دبلوماسية ينبغي تجاوزها عبر تقديم تنازلات في الصياغة، وإنما باعتباره فرصة لإعادة تقييم قواعد الاشتغال التي حكمت الملف لعقود. وقد أكد وزير الشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، في المقابلة التي أجراها مع القناة الثانية يوم 31 أكتوبر 2026، أن المغرب كان على علم مسبق باحتمال استخدام روسيا حق النقض، وأن هذا الاحتمال كان موضوع نقاش وتحضير قبل انعقاد جلسة مجلس الأمن. كما أوضح أن المغرب لم يسع إلى ممارسة ضغوط على موسكو من أجل تغيير موقفها، بل تعامل مع التطور من زاوية انعكاساته على الاستراتيجية المغربية وإمكانية توظيفه لإعادة النظر في بعض قواعد تدبير الملف.
وتكشف هذه التصريحات عن وجود تصور مغربي سابق للاجتماع، لا يقتصر على توقع نتيجة التصويت، بل يمتد إلى التفكير في تداعياتها السياسية والمؤسساتية. كما أن تقارب الخطاب الذي استعمله بعض الفاعلين الإعلاميين مع الخطاب الرسمي، ولا سيما مفهوم الانتقال من التدبير إلى التغيير، يعكس تداولاً واسعاً لهذا التوجه الاستراتيجي.
لا يعني الانتقال إلى “استراتيجية التغيير” بالضرورة الانسحاب من المسار الأممي أو التخلي عن المؤسسات الدولية، وإنما قد يعني إعادة توظيف هذه المؤسسات وفق مقاربة أكثر تنوعاً، لا تجعل مجلس الأمن القناة الوحيدة للتحرك الدبلوماسي. وفي هذا السياق، تبرز إمكانية توسيع التحرك المغربي داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا سيما اللجنة الرابعة المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، باعتبارها إحدى الآليات المؤسساتية التي يمكن أن تشكل مجالاً إضافياً للترافع حول تطورات الملف. وتتميز الجمعية العامة، خلافاً لمجلس الأمن، بعدم وجود حق النقض، وهو ما يتيح للدول الأعضاء التعبير عن مواقفها من خلال التصويت والمناقشة دون إمكانية تعطيل القرار بواسطة فيتو صادر عن عضو دائم.
غير أن غياب حق النقض لا يعني بالضرورة ضمان الحصول على التأييد، كما أن القرارات والتوصيات الصادرة عن الجمعية العامة لا تتمتع، من حيث الأصل، بالقوة الإلزامية نفسها التي قد تترتب عن قرارات مجلس الأمن المتخذة وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة. ومن ثم، فإن الهدف من التحرك داخل اللجنة الرابعة لا ينبغي أن يقتصر على السعي إلى إخراج الملف من جدول أعمالها، بل يتعين أن يندرج ضمن استراتيجية دبلوماسية أوسع ترمي إلى تعزيز الدعم الدولي للمبادرة المغربية، وتوضيح التحولات التي عرفها المسار الأممي، وإقناع الدول الأعضاء بضرورة الانتقال إلى تسوية سياسية واقعية. كما أن أي مسعى لإخراج الملف من جدول أعمال اللجنة الرابعة يظل مرتبطاً بمساطر الجمعية العامة وبمواقف الدول الأعضاء، ولا يمكن اعتباره نتيجة تلقائية لعدم تمديد ولاية المينورسو.
وبالموازاة مع ذلك، يمكن للمغرب تعزيز قنوات الحوار الثنائية والإقليمية، والاستفادة من علاقاته مع الدول التي تدعم مبادرة الحكم الذاتي، ومن الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية التي تربطه بالقوى الدولية والإفريقية. غير أن تنويع قنوات التحرك لا ينبغي أن يؤدي إلى تهميش الأمم المتحدة، بالنظر إلى أن التسوية النهائية تحتاج إلى إطار دولي يحظى بقدر كاف من الشرعية والقبول.
من بين القضايا التي تبرز في المرحلة المقبلة مسألة تحديد الأطراف المعنية بالتفاوض، وتوزيع المسؤوليات المرتبطة باستمرار النزاع. فالمغرب يؤكد أن الجزائر ليست مجرد دولة مراقبة، بالنظر إلى دورها السياسي والدبلوماسي والعسكري في دعم جبهة البوليساريو واحتضان مخيمات تندوف. وفي المقابل، ظلت الجزائر ترفض التعامل معها باعتبارها طرفاً مباشراً في النزاع. وقد أشار وزير الخارجية المغربي إلى أن استمرار النزاع لأكثر من خمسين سنة يفرض الانتقال من منطق إدامة الوضع القائم إلى منطق البحث عن حل نهائي، مع إبراز المسؤوليات المرتبطة بالأبعاد السياسية والإنسانية للنزاع.
غير أن معالجة هذه المسألة تتطلب مقاربة واقعية، لأن أي تسوية قابلة للاستمرار لا يمكن أن تقوم فقط على تحديد المسؤوليات السياسية، بل ينبغي أن تفضي إلى صيغة تفاوضية تضمن مشاركة الأطراف المؤثرة في تنفيذ الحل، وتوفر الضمانات اللازمة لاحترام الالتزامات المتبادلة. ومن هنا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في تحديد من يتحمل المسؤولية عن استمرار النزاع، وإنما في إيجاد صيغة تسمح بتحويل مواقف الأطراف من حالة المواجهة السياسية إلى التزامات عملية قابلة للتنفيذ.
إذا كان القرار 2797 لسنة 2025 قد جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، فإن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من المستوى السياسي العام للمبادرة إلى التفكير في مضمونها المؤسساتي والقانوني والتدبيري. فالحكم الذاتي لا ينبغي أن يظل مجرد عنوان سياسي أو صيغة تفاوضية، بل يتعين أن يتحول إلى نظام مؤسساتي واضح يحدد الاختصاصات والموارد وآليات اتخاذ القرار والعلاقة بين السلطات المركزية والجهوية، فضلاً عن ضمانات المشاركة الديمقراطية والمراقبة والمساءلة.
وفي هذا الإطار، يمكن التمييز بين نموذج الجهوية المتقدمة الذي أقره دستور 2011 وكرسته القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، وبين إمكانية بلورة صيغة خاصة من الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الجنوبية في إطار المبادرة المغربية، في أفق التوصل إلى صيغة نهائي مع الأطراف المعنية بالنزاع. فالجهوية المتقدمة تشكل إطاراً دستورياً عاماً لتنظيم اللامركزية الترابية على مستوى مجموع جهات المملكة، بينما يمكن للجهوية الموسعة أن تؤسس لترتيبات مؤسساتية خاصة بالأقاليم الجنوبية، في نطاق السيادة المغربية ووحدة الدولة، ووفق صيغة سياسية يتم التفاوض بشأنها.
ومن ثم، فإن الحديث عن توسيع صلاحيات الجهات الجنوبية لا ينبغي أن يقتصر على نقل بعض الاختصاصات الإدارية، بل يجب أن يشمل مراجعة حقيقية لتوزيع الاختصاصات بين الدولة والهيئات الجهوية، بما يسمح بممارسة فعالة للسلطات المحلية والجهوية. ويقتضي ذلك، على وجه الخصوص:
إن أهمية هذه المقاربة تكمن في أنها تجعل الحكم الذاتي/ الجهوية الموسعة مشروعاً مؤسساتياً قابلاً للحياة، وليس مجرد تنازل إداري محدود أو إعادة توزيع شكلي للاختصاصات. فنجاح أي نموذج للحكم الذاتي يظل مرتبطاً بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين وحدة الدولة من جهة، وفعالية التدبير الترابي والمشاركة الديمقراطية من جهة أخرى.
لا يمكن اختزال تسوية النزاع في أبعادها الدبلوماسية والقانونية، لأن استدامة أي حل سياسي ترتبط أيضاً بمدى توفره على قاعدة داخلية من الشرعية والقبول والمشاركة. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تقوية الجبهة الداخلية من خلال ترسيخ الديمقراطية الترابية، وتعزيز المشاركة السياسية، وتحسين شروط الحكامة، وضمان التوزيع العادل للثروات والاستثمارات بين مختلف المجالات الترابية.
فالشرعية الداخلية لا تتأسس فقط على المواقف السياسية المعلنة أو على الإنجازات الاقتصادية، وإنما تتطلب كذلك توفير مؤسسات تمثيلية فعالة، وإدارة عمومية مسؤولة، ومجالاً عاماً يسمح بالنقاش والتعبير عن الاختلاف في إطار احترام القانون. كما أن الأقاليم الجنوبية تحتاج إلى نموذج تنموي ومؤسساتي يتيح للسكان المشاركة الفعلية في تحديد الأولويات التنموية وتدبير الشؤون المحلية والجهوية، مع ضمان توزيع منصف للموارد والثروات وفرص الشغل والخدمات الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من الجهوية المتقدمة إلى الجهوية الموسعة كشكل من أشكال الحكم الذاتي، في إطار المبادرة المغربية، ينبغي أن يرتبط بإعادة النظر في العلاقة بين المركز والجهة، ليس فقط من زاوية الاختصاصات، بل أيضاً من زاوية السلطة الفعلية والموارد وآليات اتخاذ القرار. فلا يمكن الحديث عن نقل حقيقي للاختصاصات دون نقل الموارد المرتبطة بها، كما لا يمكن اعتبار الجهوية فعالة إذا ظلت المؤسسات المنتخبة محدودة القدرة على التأثير في السياسات العمومية التي تنفذ داخل مجالها الترابي.
وهنا تبرز أهمية الربط بين الحكم الذاتي والسياسات العمومية الترابية، باعتبار أن نجاح أي تسوية سياسية يتطلب بناء نموذج للحكامة يضمن الالتقائية بين السياسات القطاعية للدولة والبرامج التنموية الجهوية، ويعزز مبدأي التفريع والتدبير الحر في حدود الدستور والقانون.
من بين الأبعاد التي ينبغي أن تحتل مكانة مركزية في أي تصور للتسوية النهائية، البعد الإنساني المرتبط بأوضاع السكان الموجودين والمحتجزين في مخيمات تندوف. فالنزاع لم يعد مجرد خلاف سياسي أو دبلوماسي بين أطراف إقليمية، بل ترتبت عنه منذ عقود أوضاع إنسانية واجتماعية معقدة، تتعلق بحقوق السكان في الحرية والتنقل والعيش الكريم، وبالحاجة إلى توفير آفاق واقعية لإنهاء حالة الانتظار التي طالت أجيالاً من الأشخاص.
وقد أشار وزير الخارجية المغربي في تصريحاته الأخيرة إلى أهمية البعد الإنساني في معالجة الملف، بما يعكس إدراكاً متزايداً بأن التسوية النهائية لا يمكن أن تقتصر على تحديد الوضع السياسي للإقليم، بل يجب أن تشمل أيضاً معالجة الآثار الإنسانية والاجتماعية التي خلفها استمرار النزاع. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تعزيز دور المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ولا سيما فيما يتعلق بإحصاء السكان وتسجيلهم وتحديد أوضاعهم القانونية والإنسانية، مع احترام المعايير الدولية ذات الصلة.
كما ينبغي أن تتضمن أي تسوية مستدامة ضمانات واضحة للعودة الطوعية والآمنة والكريمة، أو غيرها من الحلول الإنسانية الملائمة، مع توفير شروط إعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، بما يشمل السكن والتعليم والصحة وفرص العمل والحماية القانونية والمشاركة السياسية. ويتعين هنا التمييز بين عملية التسجيل والإحصاء من جهة، وبين العودة الطوعية أو إنهاء وضع المخيمات من جهة أخرى. فهذه عمليات مختلفة من حيث طبيعتها القانونية والإنسانية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها إجراءً واحداً أو نتيجة تلقائية للأخرى. كما أن معالجة هذا الملف تستدعي تعاوناً دولياً يضمن احترام إرادة الأشخاص المعنيين وحقوقهم الأساسية، بعيداً عن أي توظيف سياسي أو إكراه، لأن التسوية التي لا تعالج الأوضاع الإنسانية للسكان ستظل تسوية ناقصة من حيث مضمونها العملي والإنساني.
لا يمكن إغفال البعد الأمني في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل استمرار التوتر بين المغرب وجبهة البوليساريو، وما رافق ذلك من قيام هذه الأخيرة بعدة عمليات عسكرية منذ سنة 2020. فعدم تمديد ولاية المينورسو يطرح تساؤلات حول آليات المراقبة الميدانية والحد من التصعيد، وحول مدى قدرة الأطراف على المحافظة على الاستقرار في ظل غياب تجديد الولاية التي كانت تضطلع بها البعثة.
ومن الناحية الاستراتيجية، ينبغي ألا يؤدي الانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق تغييره إلى خلق فراغ أمني أو إلى تشجيع الأطراف على اختبار حدود القوة. بل يتعين أن يقترن هذا التحول بإجراءات سياسية ودبلوماسية وأمنية تمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. وفي هذا السياق، تظل المحافظة على وقف إطلاق النار وتجنب التصعيد من المصالح الأساسية لجميع الأطراف، كما أن استمرار الالتزام بالحل السلمي ينسجم مع مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة ومع حاجة المنطقة إلى الاستقرار.
ومن ثم، فإن نجاح المرحلة المقبلة لا يقاس فقط بمدى قدرة المغرب على تعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي في المحافل الدولية، بل أيضاً بقدرته على إدارة المخاطر الأمنية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، مع الاستمرار في تقديم نفسه باعتباره طرفاً ملتزماً بالحل السياسي وبالمسار الدبلوماسي.
تكشف التطورات التي عرفها ملف الصحراء المغربية خلال أكتوبر 2026 عن دخول النزاع مرحلة جديدة تتسم بتراجع قدرة مجلس الأمن على إنتاج توافق بشأن آليات تدبيره، مقابل استمرار وجود أغلبية داخل المجلس تؤيد جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات. غير أن هذا التطور لا ينبغي تفسيره باعتباره نهاية المسار الأممي أو حسمًا نهائياً للوضع القانوني والسياسي للإقليم، بل باعتباره لحظة تستدعي إعادة تقييم الأدوات والآليات التي ظلت تؤطر النزاع منذ سنة 1991.
وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة التي تضمنها بلاغ الديوان الملكي إلى الانتقال من منطق التدبير إلى منطق التغيير أهمية استراتيجية، لأنها تفتح المجال أمام إعادة ترتيب المقاربة المغربية على مستويات متعددة: دبلوماسياً من خلال تنويع قنوات الترافع الدولي؛ وسياسياً من خلال جعل الحكم الذاتي أساساً عملياً للتفاوض؛ ومؤسساتياً من خلال بلورة نموذج للحكم الذاتي الموسع يقوم على نقل حقيقي للاختصاصات والموارد؛ وإنسانياً من خلال معالجة أوضاع سكان مخيمات تندوف وفق الضمانات الدولية ذات الصلة.
إن نجاح أي تسوية نهائية يظل رهيناً بقدرتها على الجمع بين مقتضيات السيادة والوحدة الترابية من جهة، ومتطلبات الحكم الذاتي الفعلي والديمقراطية والعدالة المجالية من جهة ثانية، فضلاً عن إيجاد حل إنساني مستدام لمعاناة السكان المتضررين من استمرار النزاع. وبذلك، يمكن القول إن المرحلة التي أعقبت تعثر مجلس الأمن لا تضع حداً تلقائياً للنزاع، لكنها قد تشكل فرصة لإعادة صياغة شروط إنهائه، شريطة أن يتحول منطق التغيير المعلن إلى رؤية متكاملة تجمع بين الشرعية الدولية والفعالية المؤسساتية والإنصاف الاجتماعي والاستقرار الإقليمي.
ثقافة
سياسة
سياسة
سياسة