المغرب
ثقافة

الأمازيغية: من الاعتراف الرسمي إلى الامتلاك الوجداني لكل المغاربة

هسبريس1 نونبر 2026 في 22:080 مشاهدة
الأمازيغية: من الاعتراف الرسمي إلى الامتلاك الوجداني لكل المغاربة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الأمازيغية ملك للمغاربة" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

احتضنت أكاديمية المملكة المغربية مؤخرًا ندوة هامة ضمن سلسلة «الثقافة والتراث الأمازيغيين»، بعنوان «رهانات ترسيخ اللغة والثقافة الأمازيغيتين ونشرهما». هذا العنوان يعكس ببراعة المرحلة التي وصلت إليها الأمازيغية في المغرب، حيث لم يعد الاعتراف بها محل نقاش، بل تحول السؤال إلى كيفية ترسيخ ما تحقق ونشرها لتشمل كافة المغاربة. يعود الجواب المرجعي لهذا السؤال إلى خطاب أجدير في 17 أكتوبر 2001، حيث أكد الملك محمد السادس أن الأمازيغية، بتاريخها العريق، هي «ملك لكل المغاربة بدون استثناء». عزز دستور 2011 هذه الرؤية بجعل الأمازيغية لغة رسمية للدولة، معتبرًا إياها «رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة بدون استثناء».

على الرغم من هذه الخطوات التشريعية، لا تزال هناك فجوة بين النص والواقع. تسعى الندوة إلى الإجابة عن سؤال جوهري: كيف تصبح الأمازيغية فعلًا ملكًا لكل المغاربة؟ منذ عام 2001، تحققت إنجازات ملموسة، منها تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، واعتماد أبجدية تيفيناغ، وإدراج الأمازيغية في التعليم والإعلام. تبع ذلك الترسيم الدستوري في 2011، والقانون التنظيمي 26.16 لتفعيل طابعها الرسمي في 2019، وإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية في 2023. ومع ذلك، تظل هناك مفارقة تتمثل في أن الأمازيغية، رغم تكريسها قانونيًا، لا تزال في نظر فئات واسعة من المغاربة مرتبطة بـ«الأمازيغ» فقط، بل تثير أحيانًا الريبة. لقد تم الفوز بمعركة الاعتراف، ولكن معركة الاحتضان لا تزال مستمرة، وهذا هو جوهر رهان «الترسيخ» الذي تطرحه الأكاديمية. الترسيخ يتجاوز مجرد النصوص والبرامج ليشمل انتقالًا من الاعتراف القانوني إلى الامتلاك الوجداني، ليشعر كل مغربي بأن الأمازيغية جزء منه.

تواجه عملية امتلاك المغاربة للأمازيغية ثلاث صور نمطية متداولة، تتغذى من الذاكرة والخلط بين اللغة والإيديولوجيا. الصورة الأولى هي تهمة «صنيعة الاستعمار»، المستندة إلى «الظهير البربري» الصادر عام 1930. إلا أن قراءات نقدية حديثة، مدعومة بوثائق وبحوث مثل أعمال محمد بودهان، محمد منيب، وعبد المطلب الزيزاوي، أثبتت أن الظهير لم يُحدث وضعًا جديدًا بل نظّم أعرافًا تقليدية قائمة، وأن تسميته بـ«البربري» كانت توظيفًا سياسيًا. الأمازيغية سبقت الاستعمار بآلاف السنين، وكان الأمازيغ في طليعة المقاومين للاحتلال. تفكيك هذه الأسطورة بالبحث والوثائق ضروري لتحرير الوعي الجماعي.

الصورة الثانية هي تهمة «المؤامرة الخارجية»، التي تعمم مواقف فردية معادية للعربية أو تربط القضية بأجندات خارجية. لكن أدبيات الحركة الأمازيغية نفسها تظهر أنها لم تتخذ العربية خصمًا، بل كانت لغتها الأولى في الترافع. المطلب الأمازيغي كان في جوهره مطلب إنصاف واعتراف بالتعدد، لا إقصاء. كما أن تبني الدولة العليا لهذه القضية يناقض فكرة المؤامرة الخارجية.

الصورة الثالثة، وهي الأخطر، هي تهمة «محاربة لغة القرآن». القرآن الكريم نفسه يعتبر اختلاف الألسنة آية من آيات الله. علماء مثل جلال الدين السيوطي أشاروا إلى وجود كلمات غير عربية في القرآن، منها ما يعود إلى لغة البربر. التاريخ يؤكد أن الأمازيغ حملوا الإسلام ونشروا العربية، وأن أشهر متن في النحو العربي، «الآجرومية»، وضعه عالم أمازيغي هو ابن آجروم. بالتالي، كيف تكون الأمازيغية خصمًا للغة القرآن وأهلها خدموها؟

لتحقيق المعادلة، يجب أن يتوقف الأمازيغ عن اعتبارها ملكًا لهم وحدهم، ويتوقف غيرهم عن اعتبارها ملكًا لغيرهم. هذا يتطلب تجاوز منطق «نحن» مقابل «هم» وخطاب المظلومية. الانتقال من هوية فئة إلى مكون من هوية وطن يمر عبر أربع مراحل: الاعتراف (القانون)، المعرفة (المدرسة والإعلام)، الاستعمال (الإدارة والحياة اليومية)، والامتلاك (الوجدان والفخر). المغرب قطع شوطًا في الأولى، ويتقدم ببطء في الثانية والثالثة، بينما لم تتحقق الرابعة بعد.

تجارب دول أخرى تقدم دروسًا للمغرب. في الباراغواي، أصبحت لغة الغواراني علامة على الهوية الوطنية. في نيوزيلندا، استعادت لغة الماوري حيويتها عبر التعليم والاحتفاء بها، وأصبحت رموزها مشتركة. في ويلز، تم تحديد هدف رقمي لزيادة عدد المتحدثين باللغة الويلزية. أما أيرلندا، فتقدم درسًا معاكسًا حيث أدى الإلزام المدرسي إلى نفور. يتميز المغرب بتاريخ طويل من التمازج بين العربية والأمازيغية، مما يمثل رصيدًا مشتركًا يجب الكشف عنه.

تتطلب تحقيق المعادلة ثلاثة أفعال: كشف الأمازيغية الكامنة في كل مغربي، الطمأنة بأنها لا تهدد الدين أو الوحدة، وفتح باب تعلمها للجميع. المدخل الجامع هو حوار وطني صريح حول الأمازيغية، كما دعا الأستاذ محمد شفيق في «البيان الأمازيغي». هذا الحوار يجب أن يشارك فيه الجميع، ويُتوج بتقرير وطني وتوصيات قابلة للتنفيذ.

تشمل التوصيات العملية:

  • الدولة والمؤسسات: إدماج الأمازيغية في التعليم الأولي بأسلوب ممتع، واعتماد مقاربة تواصلية في التدريس، وفتح مراكز مجانية لتعليم الكبار، ومراجعة مقررات التاريخ لإبراز الرموز الأمازيغية كأبطال مغاربة، وإجراء دراسات لفهم أسباب تراجع عدد الناطقين بها.
  • الإعلام والاتصال: ضمان حضور أفقي للأمازيغية في كل القنوات، ودعم الأعمال المختلطة لغويًا، وإدراج خطاب التخوين ضمن آليات رصد خطاب الكراهية.
  • الحقل الديني: إشراك العلماء في التعريف بالتراث الديني الأمازيغي، وتعزيز الدروس الدينية بالأمازيغية لهدم ثنائية «الأمازيغية ضد لغة القرآن».
  • الحركة الأمازيغية والمجتمع المدني: صياغة ميثاق أخلاقي للخطاب الأمازيغي يرفض الإقصاء، وإطلاق حملات تحتفي بـ«المتكلمين الجدد»، والانتقال من خطاب المظلومية إلى خطاب الاشتراك.
  • الرموز والفضاء العام: تحويل «إيض ن يناير» إلى احتفال شعبي، وإطلاق حملة وطنية مثل «اكتشف الأمازيغية التي فيك»، وتوظيف الرياضة، وإشراك سفراء من غير الناطقين بالأمازيغية.
  • الرقمي والاقتصادي: إحداث صندوق لدعم المحتوى الرقمي بالأمازيغية، واعتبار الأمازيغية كفاءة مطلوبة في الإدارة والصحة والعدل والسياحة مع تحفيزات.

في الختام، وضع خطاب أجدير الأمازيغية في مكانها الطبيعي كملك لكل المغاربة، وكرّس دستور 2011 هذه الرؤية. تطرح ندوة أكاديمية المملكة سؤال المرحلة: كيف نرسّخ هذا الملك المشترك وننشره؟ المعيار الحقيقي للنجاح هو أن يتعلم الطفل الأمازيغية، وأن يقضي المواطن أغراضه بها في الإدارة، وأن يراها حاضرة في الشاشة والهاتف بصورة عصرية. عندما يشعر كل مغربي، أيًا كان أصله، بأنه يستعيد جزءًا من ذاته، سنكون قد انتقلنا من الاعتراف إلى الامتلاك، ومن الحبر إلى الوجدان.

شارك الخبر: