تنويه
هذا الخبر بعنوان "الأمازيغية والدينامية الهوياتية (2)*" نشر أولاً على موقع اليوم 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نونبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سياق العلاقة المعقدة بين اللغة الأمازيغية والدينامية الهوياتية، يبرز تحدٍ كبير في وضع سياسات تدبيرية وقيم سياسية فعالة تضمن تفعيل اللغة الأمازيغية دون إهدار للمال العام أو إبطاء لعملية ترسيمها. إن الانتظارات المجتمعية تتجه نحو تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في كافة مراحل التعليم، ودمجها في مجالات الثقافة والإعلام والعدالة، وتوفير الموارد اللازمة لتعزيز مكانتها في المجتمع.
تستند مقاربة المسألة الأمازيغية، في شقها المتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية، إلى مفهوم تقاسم وتمازج المكونات الأنثروبولوجية والثقافية واللغوية. فالمقاربة الموضوعية تهدف إلى الاندماج الوطني (مغاربة) لا إلى الإقصاء (عرب مقابل أمازيغ)، معتبرةً أن التميز الثقافي المغربي ينبع من مسارين متوازيين ومتمازجين هما التعريب والتمزيغ. في هذا الإطار، يمكن للفاعلين السياسيين والمدنيين والأكاديميين تبني مبدأ التمازج، واعتبار المغاربة عنصراً متجانساً يتكون من معربين وممزغين، حيث يقتصر الاختلاف على الجانب اللغوي، بينما يبقى تمثل القيم والمحيط الثقافي مشتركاً مغربياً. إن العنصر البشري في المغرب متجانس، والاختلاف يكمن فقط في اللسان، فهناك ناطقون بالعربية وآخرون بالأمازيغية.
يجب إيلاء أهمية للعرض الجامعي المرتبط بالدراسات الأمازيغية كخطوة أساسية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في الحياة العامة. فإلى جانب النقص في الأطر التربوية وندرة البرامج الدراسية بالأمازيغية، لوحظ تراجع في التخصصات الجامعية التي تهتم بالدراسات الأمازيغية، مما يعطل تطبيق المادة السادسة من القانون التنظيمي رقم 26.16 الذي يؤكد على ضرورة فتح مسالك تكوينية ووحدات بحثية متخصصة وجعل الأمازيغية موضوعاً للبحث الجامعي.
من الضروري بناء سياسة ثقافية تضع الثقافة في صلب السياسات العمومية، وتجعلها محور الإصلاح والتجديد، وتتجنب خلق هامش ثقافي يضر بالثقافة الأمازيغية. يمكن التفكير في مشروع «ميثاق وطني للثقافة المغربية» يراعي تنوع مكونات الثقافة المغربية، ويرتكز على قيم الحرية، ويمكّن من نشر التعبيرات الثقافية والإبداعية بشراكة مع القطاع الخاص. كما يجب تفعيل البديل الرقمي عبر خلق بوابات ثقافية تفاعلية تعنى بالشأن الثقافي الأمازيغي، ودمج الخصوصيات الثقافية واللغوية ضمن تصور شمولي للجهوية المتقدمة، لتعزيز الهوية الوطنية المتنوعة وخلق مؤسسات جهوية لتدبير التعدد اللغوي والتنوع الثقافي.
تؤكد العلاقة بين السياسة اللغوية والتخطيط الثقافي على ضرورة بعث مشاعر المواطنة والعيش المشترك والانتماء الجماعي. يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت اختلالات السياسة اللغوية ستؤدي إلى احتباس لغوي وثقافي يؤثر على المنظومة الهوياتية وجسور التعايش بالمغرب؟
من مظاهر الاحتباس اللغوي المحتملة فرملة مسلسل التعريب، وإعادة «فرنسة» التعليم، وحصر الأمازيغية كلغة تواصل. يطرح هذا إشكالية ثنائية لغات التدريس (العربية، الأمازيغية، الفرنسية، الإنجليزية...) مقابل لغات التنشئة المجتمعية. في التجارب الدولية، ينضبط تدبير الثنائية اللغوية لمبدأي الشخصانية والترابية. يجب الأخذ بعين الاعتبار عناصر الهوية المغربية المعلنة في الدستور، وكيف يمكن للمدرسة المغربية استيعاب هذين المبدأين بالاعتماد على لغات أجنبية.
إن اعتماد لغة أجنبية كلغة أساسية في التعليم قد يخلق حالة من اللاأمن اللغوي، مما يؤدي إلى انهزامية هوياتية تصبح فيها اللغة الهوياتية (العربية والأمازيغية) لغة دونية. هذا الوضع قد يفضي إلى شعور بالانفصام اللغوي والثقافي، وقلق وجودي يدفع إلى تقبل «الاستلاب». في المقابل، فإن اعتبار لغة رسمية (الأمازيغية) كلغة تواصل في المنظومة التعليمية قد يخلق شرخاً في منطق التعددية الذي لا يعترف بالتراتبية بل بالتساوي والتكافؤ.
الهدف الأسمى هو الانتقال من لغات هوياتية إلى لغات وظيفية عبر حركة إبداعية في الترجمة الإيجابية، بحيث تصبح الترجمة من الإنجليزية إلى العربية والأمازيغية ضرورة لتأهيل اللغات الرسمية المغربية لتصبح لغات تدريس في جميع المستويات. يصطدم هذا النسق بالنزوعات اللغوية المحتدمة في السوق اللغوية المغربية كالفرنكوفونية، العربوفونية، الأمازيغوفونية، والداريجوفونية. إن لغات المدرسة هي أساس بناء الهوية الفردية والجماعية، وجسر للانفتاح الكوني. الوضعية التي ستنجم عن مشروع القانون الإطار رقم 51.17 قد تخلق منظومة خارج السياق الدستوري، وتستشرف حالة من الاحتباس الهوياتي واللغوي، مما يجعل إلزامية تعميم الأمازيغية ضرورة وحاجة مجتمعية.
مداخلة قدمت خلال ندوة فكرية تحت عنوان « ربع قرن من مسار الأمازيغية: خطاب اجدير بين إعادة قراءة التاريخ وترسيخ الهوية وبناء المؤسسات » التي تم تنظيمها من طرف المركز الثقافي إكليل بالرباط، بالشراكة مع جريدة العالم الأمازيغي وجمعية أزافور يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026.
أخبار ذات صلة
ثقافةأساتذة التاريخ يسبرون أغوار "المدينة البيضاء" بفاس ويكشفون أسرارها الخفية
ثقافةمهرجان مراكش للفيلم يكشف عن برنامجه الدولي: 76 فيلماً من 39 بلداً في دورته الـ23
ثقافةمهرجان مراكش للفيلم يكشف عن برنامجه الحافل: 76 فيلما من 39 بلدا في دورته الـ23
ثقافة
