المغرب
ثقافة

فريد الأنصاري: رحلة الروح التي ألهمت كاتبًا وفتحت أبواب المعرفة

العمق المغربي5 نونبر 2026 في 21:560 مشاهدة
فريد الأنصاري: رحلة الروح التي ألهمت كاتبًا وفتحت أبواب المعرفة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "فريد الأنصاري… الرجل الذي علّمني أن للروح أسفارًا" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 5 نونبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في رحلة غير متوقعة من بلدتي تنجداد إلى مكناس الزيتون، لم يكن الكاتب يتوقع أن يجد في أسوار الجامعة رجلًا سيفتح له آفاقًا جديدة في روحه وعقله. كان ذلك هو فريد الأنصاري، الأستاذ الذي ترك بصمة لا تُمحى في حياة تلاميذه، ومنهم الكاتب الذي وجد فيه مرشدًا في دروب الحياة المظلمة.

بدأت قصة الكاتب مع الأنصاري في ساحة كلية الآداب بمكناس، حيث استوقفه مشهد مجموعة من الطلبة يتفاعلون مع أستاذهم. كانت كلمات الأنصاري تتجاوز العقل لتلامس القلب، موقظةً شيئًا في النفوس. أدرك الكاتب حينها أن بعض الناس لا يحتاجون إلى طول صحبة ليدخلوا القلوب، وأن لقاءً واحدًا يكفي ليشعر المرء بمعرفة قديمة.

كان الأنصاري، ببساطته ووقاره، يجمع بين العلم والأدب والتربية. بدأ الكاتب يلتهم كتبه، يعود بها إلى غرفته الصغيرة، يقرأ ويتأمل، ليشعر بأن ما يقرأه ليس مجرد كلمات، بل جزء من تفكيره ونظرته للحياة. قرأ له في الفقه والأصول، وفي الدعوة والتربية، وفي الأدب والشعر، مستشعرًا قدرته الفريدة على الجمع بين عمق الفكرة وجمال العبارة، وبين صرامة العالم ورقة الأديب.

كان الحس الجمالي سمة بارزة في كتابات الأنصاري، حيث لم يكن الجمال مجرد زخرف، بل سبيلًا لإدراك أسرار التعبد وصلة الإنسان بخالقه. في كتب مثل “جمالية الدين” و”قناديل الصلاة”، كان الأنصاري يرى في العبادات سفرًا للروح واغتسالًا من أدران الحياة.

لم تقتصر علاقة الكاتب بالأنصاري على الدراسة الأكاديمية، بل امتدت لتشمل مجالسه القرآنية التي كانت تنزل على القلوب كالغيث. كان الأنصاري يتحدث عن القرآن كمن يعيش في ظلاله، داعيًا إلى أن نحيا به ونزن به أفكارنا وأعمالنا. ومن كلماته الخالدة: “لا تحرير للأمة اليوم في معركة هذا العصر إلا بالقرآن”.

تميز الأنصاري بتواضعه الجم، حتى في الاعتراف بالجهل بقوله “ما عرفتش، خاصني نمشي نراجع”. لم يكن تواضعه مقصورًا على مجالس العلم، بل تجسد في معاملته للناس وقربه من طلبته. كان بيته مفتوحًا، وسي carته المتواضعة شاهدة على بساطته.

أجمل ما بقي في ذاكرة الكاتب هو لقاء قصير عقب أحد الدروس القرآنية، حيث وضع الأنصاري يده على كتفه وقال ببساطة: “توكل على الله واكتب رواية!”. هذه الكلمات البسيطة فتحت للكاتب بابًا لعالم جديد، وألهمته لكتابة رواية يكون الأنصاري بطلها.

رغم المرض الذي أنهكه، ظل الأنصاري حريصًا على لقاء الناس وتعليمهم. وفي السادس من نوفمبر 2009، رحل فريد الأنصاري، تاركًا فراغًا كبيرًا في قلوب محبيه. لكن ذكراه بقيت حية، تتجدد كلما عاد الكاتب إلى كتبه أو مرّ بمكان شهد مجالسه.

بعد سبعة عشر عامًا على رحيله، يكتب الكاتب عن الأنصاري ليس كعالم أو أستاذ، بل كرجل شكل وجدانه، وأيقظ فيه حس الجمال، وشجعه على الكتابة. يؤمن الكاتب بأن الوفاء للراحلين يكمن في حفظ فضلهم، والإنصاف لعلمهم، ومواصلة التفكير في أسئلتهم.

يتذكر الكاتب دائمًا كلماته: “العلم إذا لم يثمر تواضعًا ورحمة وتزكية، فقد يفقد شيئًا من مقصوده”، وأن “الجمال ليس ترفًا في حياة المؤمن، وإنما هو من المعاني التي بها تستقيم نظرته إلى الكون والإنسان والحياة”.

في ختام مقاله، يعود الكاتب إلى ذكريات الجامعة ومجالس الأنصاري، مؤكدًا أن لقاءً عابرًا صار حكاية عمر، وكلمة صغيرة أصبحت رواية، وأن رجلًا واحدًا منح أسباب المحبة والوفاء. لقد سافر الكاتب إلى مكناس طلبًا للعلم، فوجد أستاذًا علمه أن للعلم روحًا، وللروح جمالًا، وللجمال أسفارًا لا تنتهي.

شارك الخبر: