المغرب
ثقافة

البوصلة المعطلة: كيف تغير وجدان المغاربة؟

العمق المغربي28 أكتوبر 2026 في 12:220 مشاهدة
البوصلة المعطلة: كيف تغير وجدان المغاربة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين انطفأت البوصلة: كيف تبدل وجدان المغرب؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في 28 أكتوبر 2026، كتب الحسين خاوتي في منتدى العمق مقالاً بعنوان "حين انطفأت البوصلة: كيف تبدل وجدان المغرب؟"، متناولاً التغيرات العميقة التي طرأت على العلاقة بين المغاربة وبلدهم.

يشير الكاتب إلى أن بعض الأشياء العزيزة تغيب عن البيوت دون أن يلتفت إليها أحد، وأن المدارس والشاشات تتغير تدريجياً، ومع مرور السنين، نجد أن البنية المادية للبلاد قد بقيت كما هي، لكن الروح التي كانت تربطنا بها قد رحلت، وانطفأت البوصلة التي كانت توجه خطواتنا نحو الديار.

في الماضي، كان الجيل السابق يعيش بيقين بسيط؛ فالمرء قد يخاصم جاره ولكنه يبقى ابن الحي نفسه. كانت السياسة مجرد خصومة، والدين يمثل السكينة، والمدرسة كانت سلماً يصعد منه أبناء الفقراء إلى مكانتهم. أما الإعلام، فكان صوت البلد الذي يحدث نفسه. كانت المجالات تقف عند حدودها، والمؤسسات تؤدي وظائفها، والكلمة تحتفظ بوزنها. ورغم وجود عيوب في تلك الأيام، مثل احتكار تلفزيون واحد للصورة، وضيق المدرسة بالمختلف، واستمرار الفوارق خلف الأبواب، إلا أن الناس كانوا يجتمعون في ساحات مشتركة يختلفون فيها ويتصالحون.

ثم تداخلت الحدود. دخلت السياسة في تفاصيل الروح، وزحفت التجارة على مساحة الرأي، وزاحمت الشهرة مجال التربية. أصبحت الشاشة تمنح الحضور لمن يملك جاذبية الانتباه، وتغيب من يملك ما يستحق السماع. تغير شكل المجتمع دون قرار رسمي. كانت المدرسة القديمة تجمع أبناء الحي أمام سبورة واحدة، يجلس فيها ابن الطبيب بجوار ابن الأجير، ويقف ابن الموظف مع ابن الحرفي في صف واحد، ويدخل الجميع من باب واحد نحو مستقبل متقارب. تعلم الطفل اسمه ولغته وتاريخ بلده، وعرف أبناء بيئات مختلفة، فاكتشف أن الوطن فكرة يعيشها الناس معاً لأنهم يجلسون جنباً إلى جنب في المقعد نفسه.

اليوم، اتسعت الفوارق بين المؤسسات، وتمدد التعليم الخاص، وأصبح اختيار المدرسة في كثير من الحالات يعكس القدرة المالية للأسرة، مما يجعل الطفل يتعلم داخل دائرة تشبه بيته. ومع انحسار الاختلاط، تنحسر معرفة الناس ببعضهم البعض، ويذبل الخيال الاجتماعي. يحتاج الإنسان إلى رؤية حياة الآخرين لفهم مجتمعه، وإلى الاحتكاك ليدرك أن الوطن شبكة من المصالح والآمال والتجارب، وأن الصورة الواحدة المعلقة على الجدار تضيق به.

أما الدين، فقد سلك طريقاً آخر. ارتبط حضوره الشعبي بالسكينة والعبادة والتربية الأسرية. دخل الناس المسجد من باب الطمأنينة، ودخلت الموعظة البيوت من باب البساطة، وبقيت مساحة فسيحة بين الإنسان وربه تستغني عن الكاميرا. ثم فرضت الصورة نفسها على المجال الديني، وانتقلت إلى الوعظ لغة المشاهدة والمشاركة والانتشار. أصبح عدد المتابعين علامة على المكانة، ومنحت سرعة التداول بعض الأصوات نفوذاً واسعاً على القلوب. الفكرة التي تتطلب التأمل تذبل تحت ضغط السرعة، والفتوى التي ترتكز على العلم تصير أحياناً مادة للجدل، والخطاب الهادئ يواجه اقتصاد انتباه يكافئ الصدمة ويثير الانفعال. الجملة الحادة تسبق الفكرة المركبة، والموقف الغاضب يسافر بين الناس خفيفاً. الدين سالم في جوهره، والخلل في طريقة استهلاكه. عندما تصير المقدسات مادة للمعـارك الرقمية، يصبح الدين طرفاً في صراع الجمهور، وتفقد الروح هدوءها القديم.

ثم دخلت الشاشة البيوت، فتغير معها شكل الاجتماع. كان التلفاز القديم مؤسسة ذات سلطان، ببث محدود وبرامج قليلة ومجتمع يتابع المواد نفسها، فتشكلت ذاكرة مشتركة من أغانٍ وأفلام وأخبار ومواعيد يعرفها الناس معاً. واليوم انقسمت الشاشة إلى ملايين الشاشات. صار للفرد عالمه الخاص، تقوده خوارزمية تعرف ما يحب وما يثيره وما يبقيه أمامها زمناً طويلاً. تحولت الجماعة إلى جماعات صغيرة، ثم إلى أفراد، ثم إلى عوالم منعزلة. يسكن الجاران الشارع نفسه، ويخرجان من اليوم نفسه بواقعين ثقافيين متباعدين. تجمعهما الجغرافيا وتفرقهما الخوارزميات.

وانكسرت بوابة الإعلام. حفظ الإعلام القديم، على عيوبه السياسية والمهنية، فكرة المحرر: شخص يقف بين الجمهور والخبر، يقرأ ويفحص ويختار ويراجع، ثم يقرر ما يستحق الوصول إلى الناس. أما الإعلام الرقمي فهدم البوابة، وصار بوسع أي شخص أن يصنع جمهوراً من هاتفه. تحولت الشهرة إلى معيار قائم بذاته، وصار إتقان الاستفزاز طريقاً إلى الحضور. كانت القدوة تنضج على مهل عبر سنوات، وتكفيها اليوم لقطة واحدة.

وجاء دور السياسة. عاش السياسي القديم داخل مؤسسات ثقيلة: الحزب والنقابة والبرلمان والجريدة والجامعة والمناظرة، وكان الخلاف يستند إلى تنظيم. أما السياسة الرقمية فتطلب السرعة: تغريدة تشعل معركة، ومقطع قصير يحل محل برنامج سياسي. حلت المبارزة محل النقاش الطويل، وصار السياسي مطالباً بالظهور الدائم، والمواطن مطالباً بموقف فوري. فضاقت المسافة بين الرأي والانفعال، وصار الاصطفاف يسبق القراءة. ودخل بعض الناس السياسة من باب الهوية قبل باب البرنامج، فصار سؤال «مع من أنت؟» يعلو سؤال «ماذا تقترح؟». ربما لهذا يشعر كثيرون بأن شيئاً انكسر.

وللعصر فضائل نعرفها: يصل الطالب إلى الكتاب في لحظات، ويقول الإنسان رأيه طليقاً، وتنفتح أمامه تجارب العالم. لكن الوفرة نفسها ولدت فقراً اسمه فقر البوصلة. أمام الطفل ملايين الصور وقليل من البوصلة. أمام المراهق آلاف الأصوات وقليل من المعايير. أمام الشاب مساحات واسعة للاختيار ومؤسسات واهنة تعينه على فهم اختياره. ورث الحرية ومعها الضجيج، وورث أبواباً كثيرة، فاحتاج إلى معرفة الباب الذي يقوده إلى نفسه. ودخلت الوطنية الدوامة نفسها. ارتبطت عند الأجيال السابقة بالتراب والحي والمدرسة والأغنية والعلم وذاكرة العائلة، وسكنت الوجدان قبل أن تصير موقفاً سياسياً. واليوم ربطتها بعض الخطابات بالمعسكر: من يصفق لك وطني، ومن ينتقدك يقف خارج الصف. فتحولت الوطنية من انتماء إلى بطاقة عضوية. الوطنية الحقيقية ترحب بالنقد وتغتني به. من يحب بلده يرى عيوبه، ويغضب لأجلها، ويحلم بإصلاحها، ويبقى قلبه معلقاً بالأرض نفسها. يتغذى حب الوطن على الذاكرة والعدالة والكرامة. فلماذا تركنا هذا التحول يمر؟ لأن الأدوات سبقتنا. كبر الهاتف والتلفاز والإنترنت والمنصات والشهرة، وكبرت معها المتاهات، وتأخرت الرؤية عن اللحاق بها. وبقي الإنسان يسأل سؤالاً قديماً جداً: ما الذي يجمعنا؟

يحتاج المغرب إلى استعادة فكرة المشترك: مدرسة تجمع أبناء المجتمع تحت سقف واحد، وإعلام يمنح المعرفة مكانتها أمام الإثارة، ودين يصون قداسته أمام اقتصاد المشاهدة، وسياسة تفسح للعقل مجالاً أمام الاصطفاف، وثقافة وطنية تتيح للمغربي أن يحب بلده دون أن يستأذن أحداً. المطلوب اتفاق جديد بين البلد وأبنائه، يأخذ من العصر هواتفه ويحفظ للبيت حكاياته. الشاشة تفتح للطفل العالم، والحكاية العائلية تعرفه بمكانه فيه، وحرية التعبير تثمر إذا صحبتها تربية على المسؤولية. المجتمع الذي يفقد ذاكرته يصير طيعاً لأي يد، والذي يفقد لغته المشتركة يعجز عن الحوار، والذي يفقد معاييره يترك أبناءه في سوق مفتوحة للقيم، يربح فيها صاحب الحضور الصاخب ويخسر صاحب الأثر العميق. وأزمة الهوية اليوم أزمة علاقة بين الإنسان والمؤسسات التي صاغت وعيه. ومتى استعادت المدرسة معناها، والإعلام مهنته، والدين هدوءه، والسياسة احترامها للاختلاف، استعاد المغربي خيطاً انقطع منذ سنوات. خيط رفيع يصل الطفل بالرجل الذي سيصير إليه، ويصل الفرد بمجتمعه، والذاكرة بالمستقبل، والإنسان بالأرض التي منحته اسمه. تضيء البوصلة من جديد، عندئذ يعرف المغربي أي باب يقوده إلى نفسه.

شارك الخبر: