حماية الطفولة الرقمية: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يطرح حلولاً لمواجهة تحديات الخوارزميات


هذا الخبر بعنوان "المجلس الاقتصادي والرشد الرقمي: من يحرس الطفولة في زمن الخوارزميات؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 24 غشت 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عالم تتزايد فيه سيطرة الشاشات على حياة الأطفال، يبرز خطر خفي يكمن في الأجهزة التي تبدو بريئة. فخلف الألوان الزاهية والأصوات المبهجة، توجد خوارزميات تراقب سلوك الطفل، وتستغل تردده، وتصمم مسارات تبقيه أطول وقت ممكن أمام الشاشة، لا بالضرورة لتحقيق ما يبحث عنه، بل لإبقائه مستهلكاً للمحتوى. هذه الظاهرة تحول المسألة من تربوية إلى قانونية وأخلاقية، وتطرح سؤالاً جوهرياً: من يحمي الطفل حين تصبح الخوارزميات أدرى بميوله من أسرته؟
في هذا السياق، أعاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قضية الرشد الرقمي إلى صدارة النقاش، مقترحاً تحديد سن قانوني لاستقلال القاصر في الفضاء الرقمي. وقد تجلى هذا الاهتمام أيضاً في البرلمان من خلال مقترحات تشريعية تتفق على سن السادسة عشرة كنقطة مرجعية، لكنها تتباين في تصورها للحماية. فبين مقاربة تركز على موافقة القاصر على معالجة بياناته الشخصية، وأخرى تميل إلى تقييد وصوله إلى بعض شبكات التواصل الاجتماعي، يتضح أن الخلاف يتجاوز مجرد تحديد السن ليشمل سؤالاً أعمق حول ما يجب حمايته تحديداً: هل هي بيانات الطفل، أم حقه في الوصول، أم تجربته داخل المنصة نفسها؟
هذا النقاش يمس أيضاً حدود مسؤولية الأسرة، وسلطة المنصات الرقمية، ودور القانون. ولا يمثل هذا الاختلاف مجرد تفصيل تقني، بل يكشف عن فلسفات متباينة للحماية. فهناك فرق جوهري بين حماية بيانات الطفل، ومنعه من إنشاء حساب، وحمايته بعد دخوله إلى المنصة. كما أن ربط المنع بأسماء منصات محددة مثل Facebook وInstagram وTikTok قد يجعل التشريعات عرضة للتجاوز السريع، نظراً لتغير المنصات بوتيرة أسرع من القوانين، ولأن الخطر لا يكمن في الاسم التجاري بحد ذاته، بل في ممارسات معينة مثل التواصل مع الغرباء، والنشر المفتوح، والتتبع المستمر، والإعلانات الموجهة، وأنظمة التوصية المصممة لجذب الانتباه.
وتشير التجارب الدولية إلى أن مسارات حماية القاصرين ليست موحدة. فقد حددت أستراليا سن السادسة عشرة، وفرنسا الخامسة عشرة كسِن مرجعي في بعض جوانب الاستقلال الرقمي، بينما ربط الاتحاد الأوروبي المسألة بشكل أساسي بموافقة القاصر على معالجة البيانات الشخصية. أما بريطانيا، فقد اتجهت نحو إلزام المنصات بتصميم خدمات أكثر أماناً وخصوصية للقاصرين. ولا يصلح أي من هذه النماذج للاستنساخ الحرفي، فالقانون يعمل ضمن سياق مجتمعي تتأثر فيه فرص نجاحه بالثقافة الرقمية، ووعي الأسر، وكفاءة المؤسسات.
لذلك، يبدو نظام الحماية المتدرجة أكثر واقعية. هذا النظام يقترح عدم السماح لمن هم دون الثالثة عشرة بإنشاء حسابات مستقلة على المنصات الاجتماعية عالية المخاطر، مع عدم حرمانهم من الخدمات التعليمية والصحية والمنصات المصممة خصيصاً للأطفال. وبين سن الثالثة عشرة والسادسة عشرة، يمكن إتاحة إنشاء الحساب بموافقة موثقة من ولي الأمر، ثم يُمنح القاصر استقلالاً أكبر عند بلوغه السادسة عشرة، مع استمرار الحماية القانونية حتى سن الثامنة عشرة.
ومع ذلك، فإن تحديد السن وحده لن يحل المشكلة إذا بقيت المنصات حرة في تشكيل سلوك القاصر. لذا، ينبغي أن تكون حسابات الأطفال خاصة بشكل تلقائي، وأن يتم تعطيل خاصية تحديد الموقع الجغرافي، وتقييد الرسائل الواردة من الغرباء، وإيقاف الإشعارات الليلية، ومنع الإعلانات التي تعتمد على تحليل شخصية الطفل أو حالته النفسية. كما يجب إلزام المنصات بآليات فعالة للإبلاغ عن حالات التحرش والابتزاز والاستدراج، وتمكين الأسر من طلب تعليق الحساب عند ظهور خطر جدي.
تبقى مسألة التحقق من العمر من أعقد حلقات النقاش، حيث لا ينبغي أن تتحول الحماية إلى وسيلة لجمع مزيد من البيانات الحساسة. يمكن التفكير في بوابة مستقلة تتولى التحقق من الفئة العمرية، ثم ترسل إلى المنصة إشارة رقمية مشفرة دون الكشف عن الاسم أو رقم الهوية أو تاريخ الميلاد الكامل، مع ضمان إتلاف بيانات التحقق وحق الاعتراض عند الخطأ.
يبقى التنفيذ هو الامتحان الحقيقي لأي تشريع. فالنص القانوني يحتاج إلى تنسيق فعال بين المؤسسات المعنية بحماية البيانات والاتصالات والطفولة، وإلى فرض جزاءات رادعة على المنصات الكبرى. أما الطفل ووالداه، فلا ينبغي أن يكونا موضع العقاب، بل الطرف الذي يُمنح المعرفة ووسائل الوقاية والتبليغ والدعم. الهدف ليس بناء جدار بين الناشئة والعصر الرقمي، فالجدران العالية لا تلغي الفضول بل تدفعه إلى مسارات أكثر خفاء. المطلوب هو توفير نافذة آمنة على العالم، يحرسها القانون، وترافقها الأسرة، وتضيئها المدرسة بالمعرفة والوعي النقدي. عندها، لن يكون الرشد الرقمي مجرد رقم بارد في مادة قانونية، بل وعدٌ بأن لا تُترك الطفولة وحيدة أمام سوق عالمية تتغذى من الانتباه والأسرار، وتستنزف براءة الصغار بصمت.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة