تقييم السياسات العمومية لحكومة أخنوش: بين الطموحات النظرية والواقع المعاش


هذا الخبر بعنوان "السياسات العمومية في عهد حكومة أخنوش: مقاربة نقدية بين المرجعية النظرية والواقع التطبيقي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 27 غشت 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر: أشرف ادعلي
التاريخ: 27 أغسطس 2026 - 15:56
تُعد السياسات العمومية أداة رئيسية للحكومات لترجمة اختياراتها السياسية إلى برامج وتدابير ذات تأثيرات اقتصادية واجتماعية. لا يقتصر تقييم هذه السياسات على مجرد وجود برامج أو حجم الموارد المرصودة، بل يتطلب قياس مدى تحقيق الأهداف المعلنة، واتساقها مع حاجات المجتمع الفعلية، وآثارها على الفئات المستهدفة. في هذا السياق، تكتسب تجربة حكومة عزيز أخنوش، التي تولت المسؤولية منذ أكتوبر 2021، أهمية خاصة لفحص العلاقة بين التصور النظري للسياسات العمومية وشروط إنتاجها وتنفيذها وتقييمها في السياق المغربي.
يتزايد أهمية هذا النقاش نظرًا للتباين بين الخطاب الحكومي الذي يركز على المؤشرات الكمية والإنجازات المعلنة، والمعطيات التي تقدمها مؤسسات وطنية ودولية حول التشغيل، والقدرة الشرائية، والفوارق الاجتماعية، وفعالية الإصلاحات الهيكلية. لا يتعلق الأمر بمجرد المفاضلة بين روايتين، بل بمحاولة بناء تقييم يستند إلى معايير علمية مثل وضوح الرؤية الاستراتيجية، والمقاربة التشاركية، والتقييم المستقل، والقدرة على تحقيق أثر توزيعي متوازن.
مفاهيميًا، لا تقتصر السياسة العمومية على القرارات الإدارية، بل تشمل مسارًا متكاملًا يتضمن تحديد المشكلات، وصياغة البدائل، واتخاذ القرار، وتعبئة الموارد، ثم التنفيذ والتقييم. السياسة العمومية الفعالة تقاس بقدرتها على تحويل الأهداف إلى نتائج قابلة للقياس والتحقق، وهو جانب حيوي في الدول التي تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية متشابكة.
في التجربة الأمريكية، تتخذ عملية صنع القرار طابعًا مؤسساتيًا متعدد الفاعلين، حيث يتقاطع دور السلطة التنفيذية مع الكونغرس، ومؤسسات الرقابة والتقييم، والجامعات، ومراكز البحث، ومنظمات المجتمع المدني. تبرز هنا أهمية آليات التقييم المستقل وإتاحة البيانات لمراجعة البرامج بناءً على النتائج المحققة.
أما في الحالة المغربية، فقد جاءت حكومة عزيز أخنوش في سياق تنزيل النموذج التنموي الجديد، والتزامات التنمية البشرية، وتقليص الفوارق، وتعزيز الاستثمار، وتحسين الخدمات العمومية. شكلت الانتخابات التشريعية والمحلية والجهوية في 8 سبتمبر 2021 نقطة انطلاق لهذه المرحلة، وتولت الحكومة مهامها في أكتوبر 2021، وأعيد تشكيلها في أكتوبر 2024. يكتسي هذا السياق أهمية في تقييم السياسات العمومية، حيث واجهت الحكومة ضغوطًا مرتبطة بآثار جائحة كوفيد-19، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، والتقلبات المناخية. هذه العوامل الخارجية لا تلغي ضرورة مساءلة السياسات المعتمدة حول قدرتها على الاستجابة لهذه التحديات.
عند تقييم الحصيلة الحكومية، يظهر أن الخطاب الرسمي اعتمد على المؤشرات الاقتصادية والمالية مثل معدلات النمو، والتحكم في عجز الميزانية، واستقرار المؤشرات المالية، وتطور التضخم. هذه المؤشرات أساسية للاستقرار الاقتصادي، لكن الاقتصار عليها قد يقدم صورة جزئية إذا لم تُربط بالمؤشرات الاجتماعية وسوق الشغل والقدرة الشرائية.
تكشف قراءة المعطيات الاقتصادية والاجتماعية عن صورة أكثر تركيبًا. حتى مع معدلات النمو الإيجابية، قد لا تنتقل آثار النمو بصورة متوازنة إلى مختلف فئات المجتمع، وقد تظل آثارها محدودة على خلق فرص الشغل، أو قد تترافق مع استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية. ارتفاع الأسعار قد يقلص الأثر الفعلي لتحسن المؤشرات الماكرو اقتصادية على معيشة الأسر. يصبح التمييز ضروريًا بين الأداء الاقتصادي الكلي والأثر الاجتماعي للسياسات العمومية.
تشير التقارير الصادرة عن المؤسسات الوطنية والدولية إلى هذه الازدواجية. فمن ناحية، توجد مؤشرات على تحسن بعض التوازنات الاقتصادية والمالية، ومن ناحية أخرى، تستمر تحديات مرتبطة بالتشغيل، خصوصًا تشغيل الشباب والنساء، وضعف قدرة الاقتصاد على إحداث مناصب شغل ذات قيمة مضافة. يبقى ارتفاع الأسعار، رغم تراجع معدل التضخم، ذا أثر مباشر على القدرة الشرائية.
منهجيًا، التضخم هو مؤشر لوتيرة تغير الأسعار، بينما يعكس مستوى الأسعار الوضع التراكمي. تسجيل معدل تضخم منخفض لا يعني بالضرورة استعادة الأسر لقدرتها الشرائية السابقة، خصوصًا إذا كانت الأسعار قد ارتفعت بشكل ملحوظ في السنوات السابقة. الاقتصار على مؤشر واحد قد يؤدي إلى قراءة غير مكتملة للأثر الاجتماعي للسياسات الاقتصادية.
وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط، انتقل معدل التضخم من 0.2% سنة 2021 إلى 6.6% سنة 2022، ثم 4.9% سنة 2023، وتراجع إلى 0.8% سنة 2025. لكن المستوى العام للأسعار ارتفع بنسبة تراكمية تقارب 15% مقارنة بسنة 2021، حسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. المواد الغذائية وحدها سجلت ارتفاعًا تراكميًا يقارب 27%، مما أثر على القدرة الشرائية للأسر، خاصة الفئات الهشة.
سوق الشغل يمثل اختبارًا عمليًا لفعالية السياسة العمومية. النمو الاقتصادي لا يكتسب دلالته التنموية الكاملة ما لم يخلق فرص عمل منتجة ومستدامة. تطرح معدلات البطالة، وضعف مشاركة النساء، وارتفاع عدد الشباب غير الموجودين في التعليم أو العمل أو التكوين (NEET) أسئلة حول قدرة السياسات العمومية على تحويل النمو إلى إدماج اقتصادي واجتماعي. هذه المسألة ملحة في الاقتصادات ذات القاعدة الشبابية الواسعة، حيث يشكل التشغيل عنصرًا أساسيًا للاستقرار الاجتماعي.
وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط، انتقل معدل البطالة من 11.2% سنة 2022 إلى 13% سنة 2023، مؤثرًا على 1.5 مليون شخص. بلغت البطالة في صفوف الشباب (15-24 سنة) 36.7%، وفي صفوف النساء 16.8% مقابل 11.7% لدى الرجال. ظلت نسبة نشاط النساء مستقرة عند 24.2%، مما يعكس محدودية إدماج المرأة في سوق الشغل.
أما فئة “NEET” (الشباب غير الموجودين في التعليم أو العمل أو التكوين)، فقد كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في أبريل 2024 أن عددهم يناهز 4.3 مليون شاب (35% من إجمالي الشباب)، يتركزون بالخصوص في العالم القروي (50% لدى الإناث القرويات).
تقييم البعد الاستراتيجي للسياسات الحكومية يقتضي التمييز بين وجود برنامج حكومي والقدرة الفعلية على تنفيذه. وضعت الحكومة أهدافًا تتعلق بالتشغيل، الاستثمار، الحماية الاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية. قياس نجاحها يرتبط بمدى تحقق هذه الأهداف ضمن الآجال المحددة وبالنتائج. وجود برنامج واضح شرط ضروري ولكنه لا يكفي.
يصبح الأمر أكثر تعقيدًا عند تقييم الإصلاحات الهيكلية. قد لا تنتج هذه الإصلاحات أثرها في الأمد القصير، وقد تحتاج سنوات لتظهر نتائجها. ومع ذلك، يمكن تقييم مسار الإصلاح من خلال فحص درجة التقدم في تنفيذ الإجراءات ومدى انسجامها مع الأهداف المعلنة. يجب التمييز بين التأخر الطبيعي في ظهور النتائج وضعف التنفيذ.
البعد التشاركي معيار أساسي في تقييم جودة السياسات العمومية. يفترض أن تشمل التشاركية مختلف مراحل السياسة العمومية، ابتداءً من تحديد المشكلة وصولًا إلى التنفيذ والتقييم، بما في ذلك إشراك المؤسسات الدستورية، الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، المجتمع المدني، الباحثين، والفئات المتأثرة. اتساع دائرة المشاركة يحسن جودة المعلومات المتاحة ويقلل احتمال تصميم سياسات لا تنسجم مع الحاجات الفعلية.
تكتسب التقارير الصادرة عن المؤسسات المستقلة أهمية خاصة كأدوات للتقييم وتوفير المعلومات. اختلاف الحكومة مع نتائج تقرير صادر عن مؤسسة دستورية أو هيئة مستقلة لا يمثل ضعفًا في الحوكمة ما دام مؤطرًا بالنقاش المؤسساتي. القيمة الحقيقية لهذه المؤسسات تظهر عندما تُستخدم ملاحظاتها كمدخل لمراجعة السياسات وتحسينها.
التقييم المستقل من أكثر الجوانب التي تحتاج إلى تطوير. الحصيلة الرقمية التي تقدمها الحكومة ضرورية لكنها لا تكفي لقياس الأثر. يقتضي ذلك الانتقال من قياس المدخلات والمخرجات إلى قياس النتائج والآثار. عدد المشاريع المنجزة أو حجم الموارد المرصودة لا يبين بالضرورة ما إذا كانت هذه المشاريع قد حسنت مستوى الخدمات أو ساهمت في خفض الفوارق. التقييم المستقل أداة لتجاوز الفجوة بين الإنجاز الإداري والأثر التنموي.
يطرح البعد التوزيعي للسياسات الحكومية إشكالية لا تقل أهمية. لا تقاس السياسة العمومية فقط بحجم القيمة الاقتصادية التي تنتجها، بل بكيفية توزيع منافعها وتكاليفها. قد تستفيد المقاولات الكبرى بصورة أكبر من الأوراش الاستثمارية، في حين تحتاج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى آليات دعم مختلفة. تحسين المؤشرات الاقتصادية العامة لا يعني تلقائيًا تحسن أوضاع الشباب والنساء والفئات الهشة إذا لم تكن هناك سياسات استهدافية.
يكشف هذا عن أحد أوجه الاختلاف الأساسية بين تقييم السياسة العمومية من منظور اقتصادي صرف ومن منظور تنموي شامل. المقاربة الاقتصادية الكلية تركز على النمو والاستقرار المالي، بينما يضيف المنظور التنموي أبعادًا تتعلق بالتوزيع، والإدماج، وتكافؤ الفرص، وجودة الخدمات، والاستدامة. نجاح السياسة العمومية يتطلب الجمع بين الاستقرار الاقتصادي والفعالية الاجتماعية.
عند مقارنة التجربة المغربية بالنموذج الأمريكي، ينبغي توخي الحذر من مقارنة مباشرة بين نظامين مختلفين. ومع ذلك، تسمح المقارنة باستخلاص دروس حول منهجية صناعة السياسات وتقييمها. تعتمد الولايات المتحدة على تعدد مراكز القرار والرقابة، وحضور قوي لمؤسسات التقييم والبحث، وتفاعل مرتفع بين السلطة التنفيذية والكونغرس والقطاع الخاص والمجتمع المدني. أما في الحالة المغربية، فتظل السلطة التنفيذية أكثر مركزية، مع وجود مؤسسات دستورية ورقابية يمكن أن تؤدي دورًا أكبر في التقييم والمساءلة.
لا تكمن المسألة في القول إن نموذجًا مؤسساتيًا أفضل بصورة مطلقة، بل في استخلاص المبادئ التي يمكن تكييفها مع السياق المغربي. من هذه المبادئ: ربط البرامج الحكومية بمؤشرات أداء واضحة، تعزيز استقلالية التقييم، إتاحة البيانات، إشراك الفاعلين المتأثرين بالسياسات، واعتماد آليات منتظمة لمراجعة البرامج بناءً على النتائج. هذه العناصر تحول السياسة العمومية من التزام سياسي إلى عملية مؤسساتية قابلة للقياس والتصحيح.
يصعب اختزال حصيلة حكومة أخنوش في حكم ثنائي. حققت الحكومة بعض النتائج على مستوى الاستقرار المالي وتدبير أوراش اقتصادية واجتماعية، لكن هذه النتائج لا تلغي استمرار اختلالات مرتبطة بالتشغيل، والقدرة الشرائية، والفوارق الاجتماعية والمجالية، ووتيرة الإصلاحات الهيكلية. تبدو الحصيلة أقرب إلى أداء متفاوت المجالات، تتجاور فيه عناصر نجاح على المستوى الماكرو اقتصادي مع حدود واضحة على مستوى الأثر الاجتماعي والتوزيعي.
الحكم على مدى احترام حكومة أخنوش لمفهوم السياسات العمومية وفق التصورات النظرية الحديثة يقتضي القول إن عناصر السياسة العمومية بمعناها المؤسساتي كانت حاضرة (وجود البرنامج، الأهداف، الموارد، آليات المتابعة). غير أن الفجوة تظل قائمة بين تصميم السياسات وقياس أثرها الفعلي. محدودية المشاركة في بعض مراحل صناعة القرار، والحاجة إلى تعزيز استقلالية التقييم، وضعف الربط بين مؤشرات النمو ومؤشرات الرفاه الاجتماعي، تمثل جوانب تستحق مزيدًا من المعالجة.
الدرس الأساسي هو استكمال المقاربة الاقتصادية الكلية بمقاربة أكثر ارتباطًا بالنتائج الاجتماعية والأثر الفعلي للسياسات. يتطلب ذلك تطوير منهجية صناعة القرار العمومي على أساس دورة متكاملة: تشخيص دقيق للمشكلة، تحديد الأهداف والمؤشرات، التنفيذ، التقييم المستقل، وإعادة توجيه السياسات عند الضرورة.
تتطلب الولايات التشريعية المقبلة إعادة النظر في منهجية إعداد السياسات العمومية للانتقال من التركيز على الإعلان عن البرامج إلى بناء سياسات قابلة للقياس والتقييم. تعزيز مشاركة المجتمع المدني والنقابات والقطاع الخاص والخبراء شرط لتحسين جودة القرار العمومي، إلى جانب تطوير أنظمة البيانات ونشر المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية بصورة منتظمة وقابلة للتحقق.
لا يقل أهمية عن ذلك اعتماد مقاربة أكثر دقة في التعامل مع الفئات الهشة، والشباب، والنساء، والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، من خلال سياسات تستند إلى حاجاتها الفعلية بدل الاكتفاء بالبرامج العامة. نجاح السياسة العمومية يتجسد في قدرتها على إحداث أثر قابل للملاحظة لدى الفئات المستهدفة، وليس فقط في حجم الموارد المعبأة أو عدد المشاريع المعلنة.
خلاصة القول، تكشف تجربة حكومة أخنوش عن مفارقة أساسية في تقييم السياسات العمومية: قد تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية في الوقت الذي تظل فيه آثار التحسن محدودة على المستوى الاجتماعي. تقييم الأداء الحكومي ينبغي أن يتجاوز ثنائية «الإنجاز» و«الفشل» نحو مقاربة أكثر تركيبًا تميز بين المدخلات والمخرجات والنتائج والآثار. جودة السياسة العمومية مرتبطة بقدرتها على الجمع بين الكفاءة الاقتصادية، والفعالية الاجتماعية، والعدالة التوزيعية، التشاركية، الشفافية، والتقييم المستقل. هذه العناصر تشكل أساسًا لبناء ثقة مستدامة بين المؤسسات والمجتمع وتحويل السياسات العمومية من برامج معلنة إلى أدوات فعلية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة