المغرب
ثقافة

رحيل عزيز باقبو: نجم آخر من سلالة كناوة العريقة بمراكش يرحل عن عالمنا

العمق المغربي15 أكتوبر 2026 في 15:540 مشاهدة
رحيل عزيز باقبو: نجم آخر من سلالة كناوة العريقة بمراكش يرحل عن عالمنا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عزيز باقبو.. انطفاء وتر آخر من سلالة صنعت مجد “كناوة” بمراكش" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

قبل شهرين فقط من رحيله، كان المعلم عزيز باقبو يجلس في الصويرة مستعيداً ذكريات شقيقه مصطفى باقبو، الذي كرمه مهرجان كناوة وموسيقى العالم في 27 يونيو الماضي، قبل أن يرحل في سبتمبر 2025. لم تمضِ أسابيع قليلة حتى ودّعت أسرة "تاكناويت" عزيز نفسه، ففي مساء الاثنين 31 أغسطس 2026، وافته المنية بعد صراع طويل مع المرض. أعلنت نائلة التازي، منتجة ومديرة مهرجان كناوة وموسيقى العالم، خبر الوفاة الذي أكدته جمعية "يرمى كناوة" وفريق المهرجان، لتُسدل الستار على مسيرة أحد أبناء سلالة موسيقية مراكشية عريقة، لم تكن كناوة بالنسبة لهم مجرد فن، بل إرثاً عائلياً ينتقل عبر الأجيال.

رحل عزيز قبل أيام قليلة من الذكرى الأولى لوفاة شقيقه مصطفى (8 سبتمبر 2025)، لتعيش عائلة باقبو في أقل من عام فقدان اثنين من أبرز معلميها. يصعب فصل سيرة عزيز عن اسم العائلة، فوالده هو المعلم العياشي باقبو، أحد رواد المدرسة الكناوية المراكشية، وفي بيته نشأ أحمد ومصطفى وعزيز. كان العياشي المعلم الأول لأبنائه، وانتقلت تقاليد "تاكناويت" داخل العائلة جيلاً بعد جيل، كما كان المعلم بوجمعة باقبو اسماً لامعاً في هذه السلالة.

تجسد عائلة باقبو بوضوح كيف حافظ فن كناوة على استمراريته عبر القرون. فاليونسكو، عند إدراجها كناوة ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية عام 2019، أكدت أن المعارف والمهارات تنتقل تقليدياً بشكل غير رسمي داخل الأسرة أو الدوائر الاجتماعية القريبة. لم يكن على عزيز أن يبحث بعيداً عن مدرسته الأولى؛ فالإيقاع، والكمبري، وأسماء الألوان، والأذكار، والطقوس، والمقامات كانت جزءاً من ذاكرة عائلية يومية. ومن هنا بدأ طريقه نحو لقب "المعلم"، وهو لقب يتجاوز كونه مجرد عازف جيد، ليشمل معرفة الرصيد الموسيقي والطقوسي، وضبط الإيقاعات، وقيادة المجموعة، ونقل الخبرة للأجيال القادمة.

عزيز ومصطفى وأحمد.. ثلاثة إخوة واسم واحد

عند ذكر اسم باقبو في تاريخ كناوة الحديث، يصعب حصر الأمر في فرد واحد. كان مصطفى من أشهر أفراد الأسرة وأكثرهم حضوراً في تجارب المزج الموسيقي، وكان أحمد عازفاً بارزاً على الكمبري، بينما شق عزيز مساره كأحد معلمي المدرسة المراكشية وحامل لجزء من رصيد الأسرة. جاء رحيل عزيز محملاً بدلالات تتجاوز وفاة فنان منفرد. وصفته جمعية "يرمى كناوة" وفريق مهرجان الصويرة بأنه من حراس التقليد الكناوي وممثلي سلالة باقبو، مؤكدين دوره في الحفاظ على هذا التراث ونقله.

كانت المفارقة أن إحدى آخر المحطات الموثقة لعزيز ارتبطت بشقيقه مصطفى. ففي 27 يونيو الماضي، استضاف "شجر الكلام" بالمعهد الفرنسي بالصويرة لقاءً تكريمياً لمصطفى، شارك فيه المعلمان أحمد وعزيز باقبو. كان عزيز يستعيد إرث أخيه، وبعد شهرين أصبحت الأسرة الكناوية تستعيد إرث عزيز نفسه.

لكن اختزال عزيز باقبو في صفة "حافظ التراث" وحدها لا ينصف مساره. فقد انتمى إلى جيل من معلمي كناوة عايش التحول الكبير الذي عرفه هذا الفن: من الليالي والزوايا والفضاءات التقليدية إلى المسارح الكبرى، ومن دائرة المريدين إلى جمهور عالمي جاء إلى كناوة من أبواب الجاز والبلوز والروك والموسيقى الإفريقية. وكان عزيز من المعلمين الذين قبلوا الحوار مع الموسيقات الأخرى دون التخلي عن مركز الثقل الكناوي.

في دورة مهرجان الصويرة عام 2013، جمعته الخشبة بالفنانة ماجدة اليحياوي في لقاء بين كناوة والملحون. وبعد عامين، شارك في الدورة الثامنة عشرة للمهرجان مع الموسيقي المغربي جاوك، في لقاء بين عازف من قلب التقليد الكناوي وموسيقي معروف بتجريبيته. تكشف هاتان المحطتان عن شخصية باقبو الفنية؛ قدرته على الانتقال من حوار مع الملحون إلى مغامرة موسيقية مع فنان تجريبي، مع بقاء "الكمبري" نقطة الانطلاق والعودة.

لم يكن المهرجان بالنسبة لعزيز مجرد منصات مفتوحة. ففي دورة 2018، ظهر اسمه ضمن برمجة "الليلة" في زاوية عيساوة بالصويرة، في فضاء أقرب إلى البنية الروحية والطقوسية الأصلية لكناوة. وهنا تكمن سمة جيله: القدرة على الوقوف في ليلتين متقاربتين داخل عالمين مختلفين؛ عالم المسرح المعاصر وعالم "الليلة" حيث يستعيد الفن منطقه القديم. وهذا التداخل بين الديني والدنيوي، وبين الموسيقى والطقس، هو ما تعتبره اليونسكو من الخصائص الأساسية لكناوة.

ترك عزيز باقبو أثراً مسجلاً. ففي عام 2019، صدر ضمن ألبوم Maroc: Mlouk, Festival Gnaoua et musiques du monde تسجيلان باسم Maâlem Aziz Baqbou et ses Kouyous هما “Al Hadya” و”Allal”. تكتسب هذه التسجيلات اليوم معنى إضافياً؛ فالفن الشفهي الذي عاش بالانتقال من صدر إلى صدر، أصبح يمتلك ذاكرة صوتية تحفظ أداء بعض معلميه بعد رحيلهم.

"إسعاد الجمهور".. مهنة المعلم كما رآها عزيز

بعد جائحة كورونا، وفي جولة نظمتها مهرجان كناوة عام 2022، عاد عزيز باقبو للقاء الجمهور. في الرباط، أحيا حفلاً سينما النهضة إلى جانب المعلم عبد القادر أمليل. عبّر باقبو حينها عن افتخاره بالمشاركة، رابطاً عمل الفنان بفكرة بسيطة: إسعاد الجمهور، ومعتبراً تفاعله حافزاً لمواصلة الطريق. وفي السنة نفسها، خلال مهرجان "Gnaoua Show pour le Monde" بمراكش، أكد على ضرورة استمرار التظاهرات التي تحفظ هذا الفن، معتبراً أن وصول كناوة للشهرة العالمية كان ثمرة عمل معلمين وفنانين كرسوا حياتهم لصيانته والتعريف به.

تختصر تلك الكلمات جانباً كبيراً من مساره؛ فباقبو لم يكن صاحب مشروع فردي منفصل عن كناوة، بل ظل اسمه مرتبطاً بالسلالة، وفرقته بـ"الكوية"، وصوته بالكمبري والقراقب، ومساره بتاريخ جماعي أكبر منه.

رحيل المعلم.. وبقاء السلالة

يأتي رحيل عزيز باقبو في زمن مختلف عن زمن بداية رحلة عائلته. فكناوة التي تلقاها أبناء العياشي باقبو داخل الأسرة، أصبحت اليوم تراثاً مسجلاً باسم المغرب لدى اليونسكو، ولها مهرجانات دولية، وتلتقي على منصاتها مع الجاز والأفروبيت والبلوز وموسيقات العالم. وقد أدرجت اليونسكو هذا التراث رسمياً عام 2019.

لكن خلف هذا الحضور العالمي توجد قصص بسيطة: أب يضع آلة بين يدي أبنائه، وأخ يتعلم إلى جانب أخيه، ومعلم يحفظ ما أخذه عمن سبقه قبل أن يسلمه لمن سيأتي بعده. عزيز باقبو كان واحداً من هؤلاء. وفي أقل من عام، فقدت العائلة مصطفى ثم عزيز. بقي أحمد، وبقي أبناء وتلامذة وأسماء أخرى تحمل أجزاء من الذاكرة. أما ذلك البيت المراكشي الذي خرج منه أكثر من معلم، فقد أصبح جزءاً من حكاية أوسع عن الطريقة التي قاوم بها فن شفهي هشاشة الزمن، بأن ظل ينتقل من يد إلى أخرى، حتى صار صوت الكمبري الذي بدأ داخل العائلة مسموعاً في العالم كله.

شارك الخبر: