المغرب
صحة

الصحة النفسية في المغرب: التهراوي يؤكد أن الإصلاح التدريجي لم يعد كافياً وأن كلفة التقاعس باهظة

العمق المغربي15 أكتوبر 2026 في 08:180 مشاهدة
الصحة النفسية في المغرب: التهراوي يؤكد أن الإصلاح التدريجي لم يعد كافياً وأن كلفة التقاعس باهظة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "“السرير النفسي وحده لا يكفي”.. التهراوي يقر: كلفة عدم التحرك في الصحة العقلية باهظة" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 3 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أقرّ وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، بأن منظومة الصحة العقلية في المغرب لا تزال تواجه تحديات كبيرة، تشمل تأخر ولوج عدد كبير من الأشخاص إلى العلاج، واستمرار الفوارق المجالية، بالإضافة إلى نقص الموارد البشرية المتخصصة والبنيات التحتية. وأكد التهراوي أن الإصلاح التدريجي لم يعد كافياً، وأن المرحلة المقبلة تتطلب رفع قدرات المنظومة وتغيير طريقة تنظيم وتقديم خدمات الصحة العقلية.

وأوضح التهراوي، خلال كلمته على هامش الإطلاق الرسمي لـ”مخطط الصحة النفسية 2030″ بالرباط، أن العديد من الأشخاص لا يحصلون على الرعاية في الوقت المناسب، أو يصلون إليها في مراحل متأخرة. وأشار إلى أن العرض الصحي يتركز بشكل كبير حول الاستشفاء، بينما تحتاج خدمات العلاج الخارجي والمجتمعي والنفسي والاجتماعي وإعادة التأهيل إلى تعزيز كبير.

وأضاف أن الموارد البشرية المتخصصة والبنيات التحتية لا تزال غير كافية، وأن هذه الصعوبات الصحية تتقاطع مع تحديات اجتماعية مثل القطيعة الأسرية أو المهنية، والصعوبات المالية المرتبطة بالولوج إلى العلاج، فضلاً عن استمرار اللجوء إلى استجابات غير رسمية أو غير مؤطرة بشكل كافٍ.

وشدد الوزير على أن “الإصلاح التدريجي لم يعد كافياً”، داعياً إلى رفع قدرات المنظومة وتغيير طريقة تنظيم المغرب للاستجابة لقضايا الصحة العقلية وكيفية تقديم خدماتها. وأشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية للصحة العقلية 2026-2030 ترفع هذا المجال إلى مستوى سياسة عابرة للقطاعات، مرتبطة بباقي السياسات العمومية، ومبنية على مقاربة ترابية، ومهيكلة حول إجراءات دقيقة وقابلة للقياس.

وقال إن سنة 2026 تمثل سنة تحريك الإصلاحات الهيكلية، على أن تعرف السنوات التالية تصاعداً في وتيرة تنفيذها، فيما ستكون سنة 2030 موعداً لتقييم ما تغير فعلياً في حياة المواطنين.

يرتكز التصور الجديد، وفق التهراوي، على أربعة تحولات أساسية: أولها التدخل المبكر، حيث تنتظر المنظومة طويلاً حتى تتحول المعاناة إلى مرض قبل التدخل. وتنقل الاستراتيجية مركز الثقل نحو الوقاية على امتداد مراحل الحياة، بدءاً من الطفولة والشباب، مروراً بأماكن العمل ومواجهة الهشاشة، وصولاً إلى التقدم في السن والاستعداد للأزمات، بهدف رصد مظاهر الهشاشة قبل أن تتحول إلى قطيعة.

أما التحول الثاني، فيتمثل في إعادة وضع الصحة العقلية في قلب النظام الصحي، بما يضمن لكل شخص إمكانية الحصول على العلاج بسرعة وبالقرب من مكان إقامته. ويقتضي ذلك تعزيز الرعاية الصحية الأولية، بما يشمل مراكز الصحة وطبيب الأسرة والممرض والقابلة، وبناء “استمرارية حقيقية في مسار التكفل”. وشدد على أن الاستشفاء ينبغي أن يستعيد وظيفته كحلقة ضمن مسار العلاج، وليس الأساس الذي تُبنى حوله المنظومة بأكملها.

ويرتبط التحول الثالث بوضع الشخص في قلب العمل العمومي، حيث أوضح أن العلاج وحده لا يكفي، بل ينبغي تمكين كل شخص من استعادة استقلاليته ومكانته داخل المجتمع وبناء مشروع حياة حقيقي. وشدد على ضرورة التعامل مع الأسر كشريك في التكفل، وليس مجرد جهة تلجأ إليها المنظومة عند غياب البدائل، مع ضمان حقوق وكرامة الأشخاص المعنيين في مختلف مراحل مسار العلاج.

في ما يتعلق بالموارد البشرية، أكد التهراوي أن تنفيذ هذه الطموحات يتطلب تكوين عدد أكبر من الأطباء النفسيين وأطباء نفس الأطفال، وتعزيز أعداد الممرضين المتخصصين، وتوسيع حضور الأخصائيين النفسيين في العرض العمومي، فضلاً عن تكوين فرق الرعاية الصحية الأولية للتعامل مع الحالات الأكثر شيوعاً.

وبخصوص البنيات التحتية، دعا إلى إعادة تأهيل الموجود منها وإضفاء طابع إنساني عليها، وتصحيح الفوارق المجالية، وتطوير الطب النفسي داخل المستشفيات العامة، إلى جانب نشر البنيات الوسيطة. واستحضر في هذا السياق نموذج “المركب الجهوي للاستقبال وإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي” بميديونَة، الذي أطلق الملك محمد السادس أشغال بنائه بشراكة مع مؤسسة محمد الخامس للتضامن، مؤكداً أن الوزارة تتطلع إلى تعميم هذا النموذج على مختلف جهات المملكة.

وشدد الوزير على أن “السرير النفسي يظل ضرورياً”، لكنه “لا يمكن أن يشكل وحده وحدة قياس لاستجابة البلاد” لقضايا الصحة العقلية.

في الجانب المتعلق بالتمويل، أكد التهراوي أن إنشاء الخدمات وتكوين المهنيين لن يكون كافياً إذا ظلت كلفة العلاج عائقاً أمام الأسر، مشيراً إلى ضرورة أن تتقدم الاستراتيجية بالتوازي مع تعميم الحماية الاجتماعية. ويتطلب ذلك تطوير تصنيف الأعمال الطبية والأسعار المرجعية ومستوى التكفل من طرف التأمين الإجباري عن المرض، بالاستناد إلى خبرة الهيئة العليا للصحة لتأطير هذه الاختيارات، بما يسمح تدريجياً بإدماج الاستشارات المتخصصة، والتدخلات العلاجية النفسية، والأدوية، وأنماط التكفل الجديدة ضمن نموذج تمويل أكثر استدامة.

ودعا إلى تغيير النظرة إلى الإنفاق على الصحة العقلية، معتبراً أن “كلفة عدم التحرك” تظهر في الانقطاع عن الدراسة، وفقدان العمل، والقطيعة الأسرية والإقصاء الاجتماعي، وبالتالي فإن الاستثمار في هذا المجال يعني أيضاً الحد من هذه الكلفة الإنسانية والجماعية.

وأكد أن الوسائل المرصودة لن تحقق آثارها إلا إذا تم تنظيمها بالقرب من المواطنين، مبرزاً أن الصحة العقلية تقع ضمن مسؤولية النظام الصحي، لكنها “لا يمكن أن تنتج عنه وحده”، بالنظر إلى أن جزءاً من محدداتها يتشكل داخل الأسرة والمدرسة والجامعة والمقاولة، وكذلك في ظروف السكن والعيش.

وبناءً على ذلك، اعتبر التهراوي أن نجاح الاستراتيجية الوطنية للصحة العقلية 2026-2030 يمثل مسؤولية جماعية تشمل قطاعات التربية الوطنية، والتعليم العالي، والتضامن، والتشغيل، والعدل، والداخلية، والجماعات الترابية، إلى جانب المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.

وشدد على ضرورة أن تكون الحكامة ترابية، لأن احتياجات مدينة كبرى تختلف عن احتياجات إقليم قروي أو منطقة تعاني من الهشاشة. واعتبر أن صعود مجموعات الصحة الترابية يوفر فرصة مهمة لإدماج الصحة العقلية في المسارات الصحية الترابية وتحسين توزيع الموارد، مع ضمان قاعدة موحدة من الحقوق والولوج إلى العلاج.

وأكد أن هذه الحكامة لا ينبغي أن تظل مؤسساتية حصراً، داعياً إلى تعبئة مختلف القوى الحية في المجتمع، وفي مقدمتها الأسر، التي “لا يجب أن تكون الحل الافتراضي”، بل شريكاً ينبغي دعمه. كما أشار إلى أهمية القطاع الخاص في إطار عرض تكميلي، مع إخضاع مختلف المتدخلين لمتطلبات الجودة والسلامة والاستمرارية نفسها، فضلاً عن المجتمع المدني والنسيج الجمعوي، الذي دعا إلى تشجيع عمله وربطه بالأولويات الوطنية والمحلية.

وأشاد الوزير بدور المؤسسات، التي قال إنها أثبتت قدرتها على تجريب وتجسيد نماذج جديدة للتضامن، وتوسيع نطاق تدخلها للاستجابة لحاجيات الفئات الأكثر هشاشة. واعتبر أن إنشاء “مؤسسة للا أم كلثوم للصحة العقلية” يجسد هذه الدينامية، من خلال تكريس مؤسسة متخصصة بالكامل في مجال الصحة العقلية، يُنتظر أن تصبح شريكاً مرجعياً في هذا النوع من المبادرات.

في ختام كلمته، أكد التهراوي أنه لا يحتفل بانتهاء مسار، موضحاً أن إعداد المخطط استغرق وقتاً طويلاً بسبب حجم الحاجيات وتعقيد الاستجابات المطلوبة، وهو ما فرض عدم الارتجال. وشدد على أن الوقت الذي استغرقه بناء الاستراتيجية “يجب ألا يتكرر في زمن التنفيذ”، معتبراً أن الاختبار الحقيقي لما تم إطلاقه لا يكمن في جودة الوثيقة، وإنما في السرعة التي سيتم بها تحويلها إلى ولوج فعلي للعلاج في مختلف مناطق المملكة.

ختم وزير الصحة والحماية الاجتماعية بالتأكيد على ضرورة “التحرك بسرعة والعمل بشكل جماعي وتقديم حصيلة النتائج”، مشدداً على أن العمل يجب أن يستمر دون الاكتفاء بما تحقق، ما دام الولوج إلى خدمات الصحة العقلية لم يصبح واقعاً متاحاً لكل المواطنين.

شارك الخبر: