من يصنع القاع؟ مقاربة نقدية لبناء الإنسان في المغرب


هذا الخبر بعنوان "من يصنع القاع؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 3 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في بعض المواسم الشعبية والاحتفالات الجماهيرية، تتكرر مشاهد في الفضاء العام تستفز الحس النقدي، وتتناقض مع صورة المغرب الذي يشيّد المدن الجديدة ويقدم نفسه ضمن مشاريع التحول الاقتصادي والعمراني. هذه المشاهد، مهما بدت صادمة، هي جزء من لوحة أوسع تتصل بطريقة تشكل الإنسان نفسه: كيف يتعلم؟ كيف يكتسب ذوقه؟ كيف يتعامل مع القانون؟ كيف ينظر إلى العمل؟ كيف يفهم الدولة؟ كيف يختار ممثليه؟ وكيف تتكون علاقته بالمعرفة والخرافة والسلطة والمنفعة؟
السخرية من المشهد هي أسهل الطرق لإغلاق باب السؤال، لكن السؤال الحقيقي يتطلب الغوص أعمق: من يصنع هذا الإنسان؟ المواطن لا يصل إلى الشارع من فراغ، بل تحمله إليه المدرسة، والأسرة، والحي، والإعلام، وسوق الشغل، والثقافة، والسياسة. وراء السلوك اليومي تاريخ طويل من التربية والاختيارات العامة. لذلك، فإن محاكمة الفرد وحده تشبه محاكمة آخر حلقة في سلسلة طويلة.
الدولة المغربية، رغم راكمت مشاريع كبرى وتحولات اقتصادية واجتماعية مهمة على مدى عقود، إلا أن بناء الإنسان ظل أبطأ من بناء المنشآت. تستطيع الدولة أن تشيد طريقًا في سنوات قليلة، بينما يحتاج تغيير علاقة الإنسان بالعلم والعمل والقانون والثقافة إلى جيل كامل. وهذا هو أصل المأزق.
المدرسة لا تمنح الطفل شهادة فقط، بل تحدد علاقته بالمعرفة. وإذا خرج منها بقدرة محدودة على القراءة والفهم والتعبير، فإنها تترك مساحة واسعة للخرافة والإشاعة والتفسير السهل. اللغة نفسها جزء من هذه المعركة، فالإنسان الذي يمتلك أدوات التعبير يمتلك قدرًا أكبر على التفكير والمناقشة والدفاع عن حقه. لهذا تبدو أزمة التعليم أخطر من أرقام النجاح والرسوب، فهي تمس نوع المواطن الذي سيدخل المجال العام مستقبلاً.
ثم تأتي الثقافة، التي ظلت في كثير من الأحيان ضيفًا موسميًا على السياسات العمومية. نريد مجتمعًا راقي الذوق، ثم نترك ذائقته للسوق وحده. نريد إنسانًا قادرًا على التمييز بين الإبداع والابتذال، ثم نمنحه فضاءات ثقافية محدودة وحضورًا متواضعًا للكتاب والمسرح والفن. المشكلة ليست في الثقافة الشعبية نفسها، فالتراث ذاكرة والمواسم جزء من تاريخ المجتمع. المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى سقف، ويتوقف الموروث عن إنتاج دلالات جديدة. المجتمع الحي يعيد صياغة تراثه ولا يكتفي بتكراره.
الاقتصاد يضيف وجهًا آخر للمسألة. الإنسان الذي يعيش في سوق عمل هش، أو ينتظر فرصة طويلة، أو يمارس نشاطًا غير منظم، يصبح أكثر تعرضًا لمنطق المنفعة السريعة. عندها تزدهر الوساطة، وتغري الطريق المختصرة، ويتراجع الإيمان بأن الكفاءة وحدها تكفي.
ثم نأتي لنلوم الإنسان على سلوكه. الفرد مسؤول عن اختياراته؛ من يرمي النفايات في الشارع، أو يغش، أو يدفع رشوة، أو يخرب المرفق العام، أو يبيع صوته، هو مسؤول. ضعف التعليم لا يمنح أحدًا حق إفساد حياة الآخرين، والفقر لا يمنح رخصة للفساد. لكن مسؤولية الفرد لا تمحو مسؤولية الدولة.
الدولة التي تريد مواطنًا يحترم القانون مطالبة بأن تجعل القانون حاضرًا في حياته اليومية. والدولة التي تريد محاربة الرشوة تحتاج إلى إدارة تجعل الطريق القانوني أكثر وضوحًا وأمانًا من الطريق الملتوي. والدولة التي تريد اقتصادًا منتجًا تحتاج إلى سوق يكافئ المهارة والعمل.
لماذا تسمح هذه الشروط لنفسها بالاستمرار؟ ربما لأن إصلاح الإنسان أبطأ من افتتاح مشروع، وأصعب من إطلاق برنامج، وأقل قابلية للاستثمار السياسي السريع. إصلاح المدرسة يحتاج سنوات، وبناء الذوق يحتاج أجيالًا، وترسيخ احترام القانون يحتاج انتظامًا طويلًا، وخلق اقتصاد منتج يحتاج صبرًا واستقرارًا. أما السياسة، بطبيعتها، فتبحث غالبًا عن نتيجة يمكن عرضها سريعًا. وهكذا نستطيع أن نبني الأشياء أسرع مما نبني الإنسان.
هل يحتاج بعض الفاعلين أصلًا إلى مواطن شديد الوعي؟ المواطن الذي يقرأ يسأل، والذي يعرف القانون يحاسب، والذي يملك استقلالًا اقتصاديًا تقل قابليته للارتهان، والذي يملك ثقافة سياسية لا يتعامل مع الانتخابات كسوق للمنافع. هذه ليست دعوة لنظرية مؤامرة، بل دعوة لفهم العلاقة بين ضعف الوعي وقوة الزبونية. الحاجة تجعل الإنسان أكثر قابلية للدخول في علاقة تبادل مع الوسيط السياسي: خدمة مقابل ولاء، منفعة مقابل صوت، تدخل مقابل تبعية. هنا تتحول السياسة من تدبير للشأن العام إلى إدارة للحاجات.
المواطن نفسه يشارك في تثبيت هذه اللعبة عندما يقبل أن يصبح صوته سلعة، أو يختصر حقه في منفعة شخصية، أو يبحث عن الواسطة ثم يلعن المحسوبية. لهذا لا يصلح توزيع البراءة بين الدولة والمجتمع. الدولة تصنع الشروط، والمواطن يصنع اختياراته داخلها. أما النخب، فتتحمل مسؤولية ثالثة: أن تكف عن النظر إلى المجتمع من علٍ. احتقار الناس لا يرفع مستواهم، ووصفهم بالتخلف لا يفسر أسباب التخلف. النقد الحقيقي ينزل إلى جذور الظاهرة، إلى المدرسة والاقتصاد والثقافة والسياسة، ثم يعود إلى الفرد ليضع أمامه مرآته الخاصة.
فالقاع ليس كتلة بشرية ولدت معطوبة، بل هو نتيجة تراكمات. لكن النتيجة نفسها تتحول إلى مسؤولية عندما يعرف الإنسان خطأه ويصر عليه. المعركة الحقيقية ليست ضد موسم شعبي، ولا ضد طقس، ولا ضد طبقة اجتماعية، بل هي ضد منظومة تنتج إنسانًا يريد ثمار الحداثة قبل أن يمتلك شروطها. يريد خدمة صحية جيدة، ومدرسة محترمة، ومدينة نظيفة، واقتصادًا قويًا، ومؤسسات نزيهة؛ ثم يحتاج المجتمع إلى أن يتعلم أن هذه الأشياء تحتاج إلى علم وعمل وانضباط وقانون وثقافة ومسؤولية. والدولة مطالبة في المقابل بأن توفر البيئة التي تجعل هذه القيم قابلة للحياة، وأن تتوقف عن التعامل مع بناء الإنسان كملف تابع للقطاعات الأخرى.
المغرب يستطيع أن يبني أكثر، وينتج أكثر، ويعيش أفضل. لكن السؤال الأعمق يظل قائمًا: أي إنسان سيحمل هذا المغرب؟ إذا تغيرت المدن وبقي الإنسان في مكانه، ستظل الحداثة واجهة. أما إذا تغير الإنسان، فسوف تبدأ المدينة نفسها في التغير. وهنا فقط يصبح الحديث عن الإقلاع أكثر من شعار.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة