عبد الرحمن وابيري وآلان مابانكو: رحلة الهوية المزدوجة بين أفريقيا والغرب


هذا الخبر بعنوان "إشكالية الانتماء المزدوج بين عبد الرحمن وابيري وآلان مابانكو" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 8 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يستكشف هذا المقال الإشكالية المعقدة للانتماء المزدوج لدى الكاتبين الأفريقيين عبد الرحمن وابيري وآلان مابانكو، اللذين يواجهان تحديات الهوية بعد هجرتهما من وطنهما الأفريقي إلى الغرب وكتابتهما باللغة الفرنسية. يطرح المقال سؤالاً جوهرياً حول حق الكاتب الأفريقي الذي عاش الاستعمار ولغته، في أن يكون هو نفسه، وأن يتعامل مع هويته كذاكرة تتجاذبها أمكنة ولغات وتواريخ متعددة، لا كبطاقة تعريف إدارية.
تُعد تجربة وابيري (مواليد 1965) من جيبوتي، ومابانكو (مواليد 1966) من الكونغو، جديرتين بالمقارنة. كلاهما كاتب أفريقي يكتب بالفرنسية، وقد غادر فضاءه الأفريقي إلى الغرب، ليجد نفسه أمام سؤال الانتماء، لكنهما يقدمان وجهين مختلفين للمأزق نفسه: كيف يمكن للكاتب أن ينتمي إلى مكان ولادته وإلى مكان أعاد تشكيل وعيه، دون أن يصبح سجينًا لأحدهما؟
يشير المقال إلى وهم شائع بأن المهاجر يغادر وطنه ويبدأ حياة جديدة، لكن الكاتب يحمل وطنه معه بكل تفاصيله وذكرياته ولغته الأولى. بالنسبة لوابيري، لم تكن الكتابة مجرد نشاط أدبي، بل محاولة لاستعادة بلده أو امتلاكه من جديد. يعود وابيري إلى جيبوتي، ليس كصورة نمطية للاستهلاك الغربي، بل كمكان حي ومتناقض، وتتداخل كتاباته بين الأفريقي والعربي والإسلامي والفرنسي والإنجليزي، مما يعكس جغرافية هجينة منذ البداية. الهوية لدى وابيري لم تكن صافية ثم اختلطت، بل كانت مختلطة منذ البداية، وجيبوتي نفسها تقع في منطقة تلتقي فيها أفريقيا بالعالم العربي والبحر الأحمر، وتحمل آثار الاستعمار الفرنسي.
أما مابانكو، فتتحول الكونغو في أعماله إلى ذاكرة سردية يستعيدها عبر الشخصيات واللغة والسخرية. الهجرة عنده لا تعني قطع الحبل، بل تغيير المسافة بينه وبين وطنه. يقاوم مابانكو فكرة أن يكون "صوت أفريقيا" بالمعنى النمطي، ويرفض أن يكون موظفًا لصورة جاهزة عن القارة، بل يريد أن يكون كاتبًا أولاً. يستخدم السخرية كوسيلة لتحرير الهوية من التحنيط، ويسخر من مختلف الأطراف، بما في ذلك نفسه، كطريقة لرفض تحويل هويته إلى تمثال.
اللغة الفرنسية ليست مجرد لغة أجنبية لوابيري ومابانكو، بل هي لغة التعليم والثقافة والنشر. وجد مابانكو الفرنسية في الكونغو قبل سفره، وأكد أنه يكتب بها محاولًا جعلها قادرة على العيش بجوار اللغات المحلية. يطرح المقال سؤالاً حول كيفية قبول لغة تحمل تاريخ الهيمنة دون إعادة تشكيلها. الجواب يكمن في امتلاك اللغة، حيث يمكن للكاتب أن ينتزعها من سياقها القديم ويضع فيها إيقاع مدينته ولغته وذاكرته.
يميل مابانكو إلى تحويل المنفى إلى مادة للسخرية واستعادة الذاكرة، بينما يبدو وابيري أقرب إلى صورة الكاتب الرحال. الترحال عند وابيري ليس مجرد انتقال جغرافي، بل طريقة في النظر، حيث يرى العالم من نوافذ متعددة. الوطن يصبح بعيدًا وقريبًا في الوقت نفسه، والغرب جزء من التجربة الشخصية. الكاتب عند وابيري يقف بين الضفتين، ليس فرنسيًا تمامًا ولا خارج فرنسا تمامًا، بل تشكلت هويته من الحركة بين الأمكنة.
مابانكو لا يخجل من كونه كونغوليًا وفرنسيًا، ويرفض النظر إلى المهاجر بصورة مبسطة. العلاقة بين فرنسا وأفريقيا لا يمكن فصلها عن التاريخ الاستعماري واللغة والتعليم. الهوية عنده فعل يومي لا حكم نهائي. يختلف الكاتبان في علاقتهما بالوطن؛ فوابيري يستعيده عبر الكتابة، بينما مابانكو يعود إلى الكونغو جسديًا وذاكريًا وسرديًا. كلاهما يصل إلى حقيقة أنه لا توجد عودة كاملة، فالشخص الذي يعود يتغير هو والمكان.
اهتم وابيري بمسألة الأدب الأفريقي العابر للحدود، بينما يتحرك مشروع مابانكو في فضاء الأدب الأفريقي والفرنكوفوني والعالمي. كلاهما أصبح جزءًا من أدب لا يعترف بالحدود الجغرافية. يدركان أن اللغة يمكن أن تحمل تاريخ قهر، لكنها أداة للتحرر، وأن الوطن قد يكون محبوبًا ومؤلمًا، والمنفى ليس جنة، والعودة ليست خلاصًا.
يحمل وابيري إلى الأدب جغرافيا البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بتداخلاته المتعددة، بينما يحمل مابانكو الكونغو والذاكرة الشعبية وتجربة الهجرة. الكاتب الذي لم يجد نفسه كاملاً في الوطن ولا في المهجر، يستطيع أن يبني بيتًا ثالثًا هو الكتابة، حيث لا يحتاج إلى جواز سفر أو إثبات هويته. في الكتابة، يعيد الكاتب اختراع وطنه، ويكتب عن الأماكن التي تعيش فيه.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة