صحيفة إسبانية تكشف: حيجاوي فكر في اللجوء للجزائر وتواطأ مع جنرال فنزويلي


هذا الخبر بعنوان "صحيفة إسبانية: حيجاوي فكر في الهروب للجزائر وتواطأ مع جنرال فنزويلي" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 14 شتنبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كشفت صحيفة “The Objective” الإسبانية عن تفاصيل جديدة حول المهدي حيجاوي، الذي حاول تقديم نفسه كـ “صندوق أسود” للمخابرات المغربية، إلا أن التحقيقات الصحفية أظهرت صورة مختلفة لرجل هارب من العدالة يبحث عن مخرج بأي ثمن، مستعداً للمساومة على ما يدعي أنها أسرار ووثائق حساسة مقابل حماية شخصية تبعده عن التسليم إلى المغرب.
التحقيق الذي نشرته الصحيفة الإسبانية، بقلم الصحافية تيريزا غوميز، لم يكن مجرد مادة صحافية، بل جاء أقرب إلى لائحة اتهام تكشف سلسلة من التحركات والاتصالات التي تضع رواية حيجاوي تحت مجهر ثقيل. وتظهر من خلاله شخصية انتهازية مستعدة لتوظيف كل ما تملكه أو تدعي امتلاكه من أجل النجاة الشخصية، حتى لو كان الثمن الارتماء في أحضان شبكات استخباراتية أجنبية أو التفكير في اللجوء إلى الجزائر.
التحالف مع “إل بويو”
أثار استغراب الصحيفة اختيار حيجاوي لشبكة هوغو أرماندو كارفاخال باريوس، المعروف بلقب “إل بويو”، وهو مسؤول سابق في الاستخبارات العسكرية الفنزويلية ارتبط اسمه لسنوات بملاحقات قضائية أميركية وملفات شديدة الحساسية. هذا الاختيار يعكس طبيعة العقلية التي تحكم تحركات حيجاوي، فشخص يقدم نفسه كصاحب حقيقة ونزاهة، ويدعي أنه يحمل أسراراً كبرى، لا يجد من يدبر له وضعه سوى شبكة مرتبطة بمسؤول استخباراتي فنزويلي مثير للجدل. وهذا يسقط صورة “المعارض” أو “كاشف الفساد” التي يحاول مقربوه تسويقها، ليظهر بدلاً منها رجل يائس يبحث عن مخرج من ورطته، مستعداً لاستخدام قنوات الظل ومهندسي الهروب من العدالة الدولية لإنقاذ نفسه.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، لم يكن الأمر مجرد اتصال عرضي، بل جاء ضمن مسار لترتيب وجود حيجاوي في إسبانيا وتأمين وضعه، مما يجعل العلاقة أكثر خطورة من مجرد معرفة شخصية، ويطرح سؤالاً مباشراً حول طبيعة الخدمات التي كان يبحث عنها، وما إذا كان مستعداً لمنح مقابل سياسي أو معلوماتي لضمان حمايته.
المساومة بالوطن
تبلغ الصورة درجة أكثر خطورة عندما يكشف التحقيق الإسباني أن حيجاوي عرض، في 7 أكتوبر 2024، ما وصفه بـ”معلومات حصرية” على النيابة العامة لدى المحكمة الوطنية الإسبانية، برئاسة خيسوس ألونسو، مقدماً هذه المعطيات في سياق بحثه عن حماية قانونية وسياسية تجنبه التسليم إلى السلطات المغربية. هذا السلوك يجسد الخيانة، لأن الرجل لم يكن يبحث عن العدالة لذاتها، بل كان يعرض ما يقدمه على أنه أسرار تخص بلده بورقة مساومة. العقلية التي تقبل بوضع ما تعتبره “ملفات حساسة” بين أيدي سلطات أجنبية مقابل النجاة الشخصية هي عقلية تنظر إلى الوطن كبضاعة قابلة للمقايضة، وتتعامل مع المعلومات الوطنية كأوراق بوكر تُرمى على الطاولة عندما يضيق الخناق.
ويزداد الأمر سوءاً حين يكون الهدف من كل ذلك، وفق رواية “The Objective”، مجرد الحصول على حماية تحول دون مواجهة القضاء المغربي، لأن الأمر هنا لا يتعلق بمبدأ أو موقف سياسي، بل بمحاولة شراء الحماية بعملة سياسية، واستخدام ما يعتقد صاحبه أنها أسرار دولة لتأمين مستقبله الشخصي، وهو ما يحول ادعاء كشف الحقائق إلى عملية ابتزاز رخيصة تتقدم فيها المصلحة الفردية على كل اعتبار آخر.
مفارقة “بيغاسوس”
تصل القضية إلى أكثر نقاطها إحراجاً، إذ تقول الصحيفة إن حيجاوي ادعى في مراسلاته للسلطات الإسبانية امتلاك “ملفات سرية وغير منشورة” بشأن استخدام برنامج “بيغاسوس” للتجسس على رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز وعدد من وزرائه، محاولاً اللعب على واحد من أكثر الملفات حساسية في السياسة الإسبانية. غير أن المفارقة الزمنية وحدها تكفي لنسف قدر كبير من هذه الرواية، فكيف يمكن لشخص غادر وظيفته سنة 2010 أن يمتلك، بحكم موقعه السابق، ملفات سرية بشأن قضية لم تنفجر عالمياً إلا بعد أكثر من عقد؟
هنا يصبح السؤال مشروعاً وملحاً حول مصدر هذه المعلومات المزعومة، وكيف حصل عليها، ولماذا لم يقدمها عندما أتيحت له الفرصة أمام القضاء الإسباني. هذه المفارقة تجعل ادعاءاته أقرب إلى نصب سياسي استغل اسم “بيغاسوس” لأنه كان يتصدر عناوين الصحف ويثير حساسيات كبرى داخل إسبانيا. فالرجل، وفق هذا المنطق، حاول تضخيم قيمته وإقناع القضاء الإسباني بأنه “صيد ثمين”، وأن ما لديه يستحق منحه الحماية ومنع تسليمه، غير أن قيمة الورقة سقطت بمجرد الانتقال من مرحلة الكلام إلى لحظة تقديم الدليل.
ولهذا السبب، عندما ردت النيابة العامة الإسبانية في 28 أكتوبر 2024 بضرورة تحويل المعطيات إلى القاضي خوسيه لويس كالاما، المكلف بملف “بيغاسوس”، لم تصل المعلومات المزعومة أبداً إلى وجهتها القضائية. وهنا تنهار الحكاية من أساسها، لأن من يمتلك فعلاً ملفاً خطيراً بهذا الحجم لا يتراجع في اللحظة التي يُطلب منه فيها وضع أوراقه أمام القاضي المختص، إلا إذا كانت تلك الأوراق مجرد ورقة “بوكر” فارغة، وعندما جاء وقت كشفها لم يجد صاحبها ما يقدمه.
ورقة الجزائر
بعد فشل خطة الابتزاز في إسبانيا وتعثر ورقة “بيغاسوس”، تكشف الصحيفة الإلكترونية الإسبانية عن الوجهة التالية التي فكر فيها حيجاوي، وهي الجزائر إلى جانب كندا. يصبح المسار أكثر وضوحاً من الناحية السياسية، لأن التفكير في الجزائر في سياق الهروب من العدالة المغربية ليس مجرد اختيار جغرافي بريء بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين البلدين، بل يحمل معنى سياسياً لا يمكن تجاهله. فمن يقرر الاحتماء في دولة توجد في حالة خصومة سياسية مفتوحة مع بلده، وهو يحمل أو يدعي امتلاك معلومات حساسة، يضع نفسه طوعاً في موقع قابل للاستغلال من طرف أجهزة تبحث عن أي ورقة يمكن توظيفها ضد المغرب.
اختيار الجزائر بعد محاولة عرض المعلومات على القضاء الإسباني واللجوء إلى شبكة مرتبطة بمسؤول استخباراتي فنزويلي سابق يكشف درجة الانحدار التي بلغها المسار، ويجعل الحديث عن القطيعة مع الوطن أقرب إلى توصيف لما تقوله الوقائع المنشورة منه إلى حكم إنشائي. والجزائر، في هذا السياق، لا تظهر كملاذ عادي، بل كمنصة محتملة لتقديم خدمات سياسية وإعلامية لمن يبحثون عن مادة تستخدم ضد المملكة. لذلك، فإن مجرد التفكير في الاستقرار هناك، بعد عرض معلومات على سلطات أجنبية والبحث عن حماية عبر شبكات الظل، يجعل القضية تتجاوز حدود النزاع القانوني الشخصي إلى سؤال أكثر خطورة يتعلق بالاستعداد لتحويل الوطن نفسه إلى ورقة تفاوض.
إذا كان حيجاوي قد حاول طوال الفترة السابقة تقديم نفسه كصاحب قضية، فإن الانتقال من إسبانيا إلى التفكير في الجزائر يكشف أن القضية الحقيقية كانت البحث عن أي جهة تمنحه الحماية، ولو كان الثمن الارتماء في أحضان خصوم المغرب وتحويل ما يدعي امتلاكه من أسرار إلى سلعة سياسية. وهي النقطة التي تسقط ما تبقى من صورة “المعارض” الذي يتحرك بدافع المبدأ، وتضع مكانها صورة رجل يبحث عن النجاة بأي ثمن.
هروب إلى المجهول
تنتهي الصورة التي رسمتها “The Objective” بمشهد يلخص المسار كله، إذ تقول الصحيفة إن حيجاوي غادر الأراضي الإسبانية على عجل، مستخدماً قارباً ثم طائرة خاصة في اتجاه تركيا، قبل أن يصبح مكان إقامته غير معروف بحسب الرواية المنشورة. هذا الهروب المذعور يبدو نهاية طبيعية لمسار بُني على ادعاءات كبيرة لم تصمد أمام لحظة الاختبار. فمن شبكة “إل بويو” الفنزويلية إلى عرض “المعلومات الحصرية”، ومن ورقة “بيغاسوس” التي لم تصل إلى القاضي المختص إلى التفكير في الجزائر، ثم مغادرة إسبانيا نحو المجهول، تتجمع القطع لتصنع صورة رجل لم يكن يبحث عن كشف الحقيقة بقدر ما كان يبحث عن منفذ للهروب. وكلما أُغلق أمامه باب فتح آخر، ولو كان عبر شبكات مشبوهة أو دول يمكن أن تتحول إلى منصات لاستغلاله سياسياً.
الصحافة الإسبانية التي حاول حيجاوي، بحسب ما يظهر من التحقيق، استخدامها لتسويق نفسه كصاحب أسرار كبرى، هي نفسها التي وضعت اليوم أمام الرأي العام سلسلة من الوقائع التي تكشف حجم التناقض بين الصورة التي حاول رسمها لنفسه وبين المسار الذي انتهى إليه. شخص يلوح بوثائق لا يقدمها، يستعين بشبكات استخباراتية أجنبية، يساوم بمعلومات يدعي حساسيتها، يفكر في اللجوء إلى الجزائر، ثم يختفي تاركاً وراءه أسئلة ثقيلة حول حقيقة ما يملكه، وطبيعة علاقاته، ومدى استعداده للذهاب في طريق الخيانة من أجل إنقاذ نفسه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة