المغرب
سياسة

المغرب على أعتاب مرحلة حداثية جديدة: رؤية استراتيجية لمستقبل مزدهر

كيفاش12 أكتوبر 2026 في 23:500 مشاهدة
المغرب على أعتاب مرحلة حداثية جديدة: رؤية استراتيجية لمستقبل مزدهر

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أحمد الشرعي يكتب: خيار الحداثة" نشر أولاً على موقع كيفاش وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في خضم التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها الديمقراطيات العريقة، لا يثير استغراباً أن تبادر الصحف المرموقة إلى إعلان مواقفها السياسية قبيل الانتخابات الهامة. تقليدٌ تتبعه صحيفة "نيويورك تايمز" منذ عقود عبر هيئة تحريرها، بينما تتبع صحيفة "لوموند" نهجاً مهنياً مختلفاً، يعبر عن انحيازها لخيارات قيمية تخدم الصالح العام في افتتاحياتها. هذه المواقف لا تتداخل مع الواجب الإخباري اليومي للصحفيين، بل تندرج ضمن مسؤولية الناشر أو هيئة التحرير المباشرة، مع الحفاظ على استقلالية هيئات التحرير في التحليل والتحقيق ومعالجة المستجدات.

نحن على قناعة راسخة بأن المغرب قد بلغ من النضج السياسي والمؤسساتي ما يؤهله لتبني هذا النهج، بما يتوافق مع خصوصية تاريخه وثقافته الديمقراطية. الهدف ليس توجيه اختيارات الناخبين أو منح تفويض مطلق لأي تنظيم سياسي، بل هو التعبير عن قناعة موضوعية والمساهمة بمسؤولية ووضوح في إثراء النقاش الوطني. وقبل استشراف المستقبل، لا بد من تقييم منصف للمسار الذي تم قطعه.

في ظل مناخ دولي يتسم بالأزمات، وإعادة تشكيل التحالفات، واحتدام التنافس الاقتصادي، حقق المغرب قفزات نوعية غير مسبوقة. فقد رسخت المملكة خياراتها الاستراتيجية، وعملت على تحديث بنيتها التحتية، وتعزيز جاذبية اقتصادها، وتدشين قطاعات صناعية واعدة. كما عززت المملكة حضورها الإفريقي عبر توجيه الاستثمارات وبناء شراكات قائمة على الثقة المتبادلة والاستدامة وصون السيادة. بالتوازي، نجح المغرب في تقوية شراكاته الاستراتيجية مع الفضاءين الأوروبي والأطلسي، مع الحفاظ على مكانته التاريخية المتميزة في الشرق الأوسط ودول الخليج. هذه القدرة على التواجد المؤثر في فضاءات متعددة، تجمع البعد الإفريقي والعربي والمتوسطي والأطلسي، تعد من أقوى أوراق قوة الدبلوماسية الوطنية.

شمل قطار التحديث مختلف المؤسسات السيادية، حيث لم تعد المؤسسة الأمنية مقتصرة على مهمتها الكلاسيكية في حماية الفضاء العام، بل تحولت بفضل احترافيتها العالية وحصافة أجهزتها وثراء تعاونها الخارجي إلى ركيزة للثقة وواجهة للدبلوماسية والإشعاع الدولي. ويعود الفضل في هذه النقلة النوعية إلى ثبات الرؤية الملكية المتبصرة، القادرة على استشراف متطلبات الزمن الطويل، وحماية المصالح العليا للأمة، وتثبيت مسار المملكة في مواجهة تقلبات المشهد الدولي.

الرهان المستقبلي يكمن في تحقيق التكامل ونقل الأثر، أي ترجمة الطموح الملكي إلى أداء حكومي فعال، وتوجيه ثمار المشاريع الكبرى نحو مختلف المناطق، وتحويل القوة الوطنية الشاملة إلى رفاه فردي وارتقاء في حياة المواطنين. يقف المغرب اليوم في حاجة ماسة إلى جهاز تنفيذي منتخب يرقى إلى مستوى تطلعات العرش والشعب، حكومة تتجاوز منطق تصريف المكتسبات اليومية، وتملك شجاعة تعميقها وتطويرها لتصبح مكاسب اجتماعية ملموسة. المشاريع الهيكلية الكبرى يجب أن تنعكس في شكل عدالة مجالية حقيقية، وحركة الاستثمار مدعوة لخلق فرص شغل نوعية، والتحديث الاقتصادي ملزم بفتح أبواب الأمل أمام الطاقات الشابة. كما ينبغي لمنظومة الحماية الاجتماعية أن تضمن كرامة العيش دون مصادرة روح المبادرة، مع إعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية والمنظومة الصحية كمنطلق لبناء الثقة المجتمعية. ترسيخ الحريات الفردية يعد منطلق الإبداع وقاطرة الابتكار، مثلما يمثل تكافؤ الفرص المدخل الأساسي لتحرير المواهب ومضاعفة الإنتاجية. تؤكد الحقائق أن العدالة الاجتماعية ليست في تعارض مع النجاعة الاقتصادية، بل هي الأساس المتين لاستدامتها.

خيار مرحلة جديدة

منذ دخول دستور 2011 حيز التنفيذ، توالت التجارب الحكومية في تدبير الشأن العام، ويفرض الإنصاف قراءة ما حققته من مكتسبات وما كشفت عنه من حدود ونواقص. تولى حزب العدالة والتنمية قيادة الفريق الحكومي بين 2011 و2021، ممثلاً حساسية فكرية لدى شريحة من المجتمع، إلا أن مرجعيته وتصوره لبناء المجتمع يظلان على طرفي نقيض مع الأفق الحداثي التنويري المنفتح الذي تختاره مجموعتنا وتدافع عنه. أعقب ذلك تولي التجمع الوطني للأحرار زمام المسؤولية الحكومية بمشروع يركز على تحفيز الاقتصاد، ودعم المقاولة، وجلب الاستثمارات، ورفع مردودية العمل العمومي. أثمرت هذه التجربة مواكبة أوراش كبرى، في مقدمتها ورش الدولة الاجتماعية، مع تثبيت مركزية المبادرة الاقتصادية في قيادة التحول التنموي للبلاد.

نرى بكل اقتناع أن متطلبات المرحلة القادمة تقتضي صعود قوة سياسية تملك الأهلية الكاملة للتوفيق بين النمو الاقتصادي، والإنصاف الاجتماعي، والتحديث المجتمعي الشامل. قوة تقارع نزعات النكوص بسلاح التعليم، والمعرفة، والفكر الحر، وإشاعة الثقافة. قوة تضع الشباب في قلب انشغالاتها، لا من منظور الإحسان أو الدعم، بل بصفتهم صناع مغرب المستقبل. قوة تؤمن بدور المرأة وتتعامل معها كقائدة ورائدة أعمال وشريكة كاملة الأهلية في اتخاذ القرار وصنع التغيير. قوة تمتلك القدرة على قيادة تحالف حداثي تقدمي متماسك، يترفع عن الحسابات الفئوية الضيقة، ويحمل لواء طموح وطني جامع.

في خضم المعطيات السياسية الراهنة، يبرز حزب الأصالة والمعاصرة كأفضل خيار لتجسيد هذا التوجه. يجد هذا الاختيار سنده في الهوية التأسيسية للحزب: النضال من أجل قيم الحداثة، والاعتزاز بروافد الهوية المغربية وتنوعها، ومناهضة التقوقع الإيديولوجي، والانكباب على معالجة الإشكالات المجتمعية الملحة، والسعي الدؤوب لطرح بديل يقود التغيير في وجه التيارات المحافظة. بات من واجب الحزب في هذه المرحلة أن يترجم هويته إلى برنامج عملي يحظى بالثقة والمصداقية، وأن يعمل على مد الجسور خارج أطره التنظيمية، وفتح المجال أمام استقطاب الكفاءات، واستعادة ثقة كل من أصابهم العزوف عن القوالب النمطية للممارسة السياسية.

يملك المغرب اليوم فرصة بعث رسالة بالغة الدلالة لأبنائه وللعالم، بفتح الباب لأول مرة لتولي كفاءة نسائية قيادة الجهاز التنفيذي. تلك خطوة تتعدى البعد الرمزي الصرف، لتشكل التكريس المستحق للمكانة الطليعية التي تتبوأها المرأة المغربية في دواليب الاقتصاد، والإدارة، والعمل الدبلوماسي، وميادين الفكر والإبداع.

لهذه الاعتبارات مجتمعة، تعلن مجموعتنا انحيازها إلى المشروع الحداثي التقدمي الذي يحمله حزب الأصالة والمعاصرة. هذا الاختيار لا يحمل أي توجيه لسلوك الناخبين، ولا يترجم أي ولاء حزبي ضيق، بل يجسد الانخراط المسؤول والمساندة الواعية لخيار واضح: خيار مغرب يحرص على تحويل عناصر قوته إلى مكتسبات في متناول الجميع، ويجعل الحداثة ممارسة حية في تفاصيل الحياة اليومية، ويزرع في نفوس شبابه بذور الثقة لصناعة المستقبل. هذا الموقف لا يمثل توجيهاً للتصويت ولا اصطفافاً حزبياً ضيقاً، بل هو دعم واع ومسؤول لخيار واضح: خيار مغرب يحول مكامن قوته إلى ثمار يتقاسمها الجميع، ويجعل الحداثة واقعاً ملموساً، ويمنح شبابه الأمل والثقة لبناء المستقبل.

شارك الخبر: