المغرب
منوعات

ظاهرة المسؤول الإداري: عندما تصبح المظاهر والديكورات بديلاً عن الإنجاز والعمل الحقيقي

هسبريس25 شتنبر 2026 في 10:550 مشاهدة
ظاهرة المسؤول الإداري: عندما تصبح المظاهر والديكورات بديلاً عن الإنجاز والعمل الحقيقي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المنصب" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 24 شتنبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بدأ الأمرُ بحكايةٍ عابرةٍ رَواها لي صَديقٌ نبيلٌ وهو يبتسمُ تلك الابتسامة التي لا تعرف أهي من الطرافة أم من فرط الأسَى، عن مسؤولٍ مرّ بالمؤسسة فترك وراءه أثاثاً أجمل وسيارة أفخم وهواءً أكثر عطراً وموظفين أكثر تمرّساً في حمل الدَّفاتر. تحول ذلك المسؤول في الحكاية إلى نموذج لمدير له لغته وطقُوسه ومفْهومه الخاصّ جِدّاً للإدارة، حيث يزداد بروزًا كلما تراجع الإنجاز وتُجيد المؤسسة إظهار قدر هائل من الحركة من دون إحراز أي تقدّم.

هذا الكائن الإداري العجيب الذي يرتدي ربطة عنق ويحمل هاتفين، لا يتغذى على الملفات أو القرارات بل على المظاهر وانتعاش المكتب وتتسع سيارته لتوحي بأن شخصاً مهماً مرّ من هنا. فعندما يتولى مهمة، لا يسأل عما يحتاج الناس بل عما يحتاج مكتبه، ولا يُقلقه تأخر مشروع بقدر ما يقلقه لون الأريكة، لتكتشف المؤسسة بهدوء مُدهِش أنها بدأت تدور حوله هو، وأن المشكلة الحقيقية لم تكن في تراكم الملفات بل في لون الستائر.

جلس سعادته خلف مكتبه أول صباح يتأمل الجدران ليهز رأسه بأسى حول ضرورة التغيير لأن المكتب لا يعكس الرؤية الجديدة، فتم تغيير الأريكة والستائر وطلب طاولة اجتماعات أكبر. ثم جاء دور سيارة الخدمة ليختار سيارة جديدة ذات مقاعد جلدية وفتحة سقف بانورامية تليق بالهيبة الإدارية، إلى جانب طلب هاتف وحاسوب جديدين للقرارات المصيرية.

حين كان يسأل أحد عن الملفات، كان يجيب بأنه في مرحلة إعادة الهيكلة مقصوداً بها تحريك الخزانة، وعن برنامج العمل يتحدث عن التحول العميق مقصوداً شراء مصباح جديد. والأكثر من ذلك، اكتشف خللاً خطيراً في رائحة المكان التي لا تليق بالمنصب، فبدأت مشاورات طويلة لاختيار معطر جو يجمع الهيبة والحداثة والانفتاح والحزم بعد رفض الورد والليمون والعود والمسك.

ولم يتوقف الأمر عند الديكور والهواء، بل انتقل إلى إصلاح الإنسان حيث أصدر تعليماته بأن كل موظف يدخل عليه يجب أن يحمل دفتراً وقلمًا ليخدم المشهد والإيقاع، حتى أصبح الموظفون يكتبون تفاصيل تافهة ويمضون بصفحات مُمتلئة وقرارات فارغة. وانقضت الأيام وبقي سعادته منشغلاً بإرهاق الأثاث وتحسين المَقعد والسيارة والهواء والداخلين عليه بحمل الدفاتر، بينما واصلت الملفات حياتها في صمت. وحين غادر سعادته منصبه ذات يوم، تنفّست المؤسسة لتجد نفسها كما كانت مع فرق واحد هو أنها أصبحت تعرف تماماً أيّ عطر يَليقُ بِالفَشَل.

شارك الخبر: