المغرب
اقتصاد

من التوجيهات الملكية إلى واقع الشباب: بناء نموذج اقتصادي يضمن الكرامة والإدماج

العمق المغربي12 أكتوبر 2026 في 14:080 مشاهدة
من التوجيهات الملكية إلى واقع الشباب: بناء نموذج اقتصادي يضمن الكرامة والإدماج

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من التوجيهات الملكية إلى تعاقد جديد مع الشباب: أي نموذج للإدماج الاقتصادي وصون الكرامة؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 12 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: فادي الوكيلي العسراوي

12 أكتوبر 2026

لم تكن تأكيدات جلالة الملك محمد السادس، في خطابه السامي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية بتاريخ 9 أكتوبر 2026، حول ضرورة وضع قضايا الشباب في صلب السياسات العمومية وأجندة هيئات الحكامة، مجرد إشارة عابرة. بل تعكس هذه التأكيدات إدراكاً عميقاً لأهمية الرأسمال البشري في بناء مغرب صاعد، وللتلازم الوثيق بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.

في تقديري، تضعنا هذه التوجيهات أمام لحظة حاسمة تستدعي إعادة النظر في موقع الشباب ضمن المشروع التنموي الوطني. يجب أن يُنظر إليهم ليس كفئة اجتماعية تحتاج إلى الدعم فحسب، بل كقوة منتجة، ومصدر للابتكار والتجديد، وشريك أساسي في بناء المستقبل. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو معدلات النمو، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وتوسيع فرصهم، وضمان شروط العيش الكريم والاستقلال الاقتصادي.

لقد أبرز الخطاب الملكي أهمية تكافؤ الفرص، والتعليم والتكوين والإدماج الاقتصادي، وتعزيز قدرة القطاع الخاص على الاستثمار وخلق فرص الشغل، وربط التنمية بالحاجيات الفعلية للمجالات الترابية. هذه التوجيهات تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن الانتقال من الالتزام السياسي بأولوية الشباب إلى سياسات عمومية ملموسة تُحدث تغييراً في شروط عيشهم وتفتح أمامهم آفاق المستقبل؟

أعتقد أن المدخل الأساسي للإجابة عن هذا السؤال يكمن في تجاوز المقاربات التي تختزل أزمة الشباب في البطالة وحدها، أو في ضعف المبادرة الفردية، أو في عدم ملاءمة التكوين لسوق الشغل. فالمسألة أعمق من ذلك، وترتبط بطبيعة النموذج الاقتصادي، وقدرته على إنتاج فرص العمل، ومدى عدالة توزيع الثروة والاستثمار، وفعالية المؤسسات التعليمية والاجتماعية، وقدرة السياسات العمومية على الاستجابة للتحولات المجتمعية.

تكشف المعطيات الإحصائية عن حجم التحدي. ففي عام 2025، بلغ معدل البطالة في المغرب حوالي 13%، وارتفع لدى الشباب بين 15 و24 سنة إلى 37.2%، وفقاً لبيانات المندوبية السامية للتخطيط. كما ظلت البطالة مرتفعة لدى حاملي الشهادات والنساء، مما يعكس صعوبات بنيوية في الولوج إلى سوق الشغل ويطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الكفاءات الجامعية.

هذه الأرقام لا تعني فقط صعوبة حصول آلاف الشباب على وظيفة، بل تكشف أيضاً عن فجوة بين الاستثمار في التعليم والتكوين من جهة، والقدرة على تحويل هذا الاستثمار إلى فرص مهنية منتجة ومستقرة من جهة أخرى. استمرار هذه الفجوة يفرض مراجعة العلاقة بين النمو الاقتصادي والتشغيل، لأن ارتفاع الاستثمار لا يؤدي بالضرورة إلى خلق فرص عمل لائقة كافية أو تحسين القدرة الشرائية للشباب.

تتضح أبعاد المشكلة أكثر عند النظر إلى فئة الشباب خارج الشغل والتعليم والتكوين (NEET). تشير معطيات بحثية إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة ضمن هذه الفئة. هذه المعطيات تدفعنا للنظر إلى الإقصاء الاقتصادي كظاهرة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الباحثين عن عمل. فهناك شباب توقفوا عن البحث بعد تجارب إحباط، وآخرون غادروا الدراسة دون مؤهلات كافية، وشابات تعوقهن أعباء الرعاية وصعوبات التنقل، وخريجون ينتظرون سنوات للحصول على فرصة مهنية مستقرة.

الاقتصار على معدل البطالة وحده لا يسمح بفهم الحجم الحقيقي للتحدي، ولا يساعد في تصميم سياسات تستجيب للاحتياجات المختلفة لهذه الفئات. يضاف إلى ذلك تحدي الشغل الناقص، الذي يعكس أن الحصول على وظيفة لا يعني بالضرورة ضمان الاستقرار أو الدخل الكافي. بلغ حجم الشغل الناقص بالمغرب نحو 1.19 مليون شخص في 2025. لذا، يجب أن يشمل النقاش حول التشغيل طبيعة المناصب، ومستوى الأجور، والاستقرار المهني، والحماية الاجتماعية، ومدى قدرتها على توفير شروط العيش الكريم.

في ضوء هذه المؤشرات، يكمن أحد الاختلالات الأساسية في مقاربة قضية الشباب في التركيز على معالجة النتائج دون التعمق في الأسباب البنيوية. لا يمكن مطالبة الشباب بالمزيد من التكوين والمبادرة في ظل عدم توسع فرص الشغل، أو بقاء بعض المناطق محرومة من الاستثمار، أو محدودية الخيارات المهنية لحاملي الشهادات. المسؤولية الفردية مهمة، لكنها لا تعفي الدولة والاقتصاد من توفير بيئة تسمح للشباب بتحويل مؤهلاتهم إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.

المطلوب هو بناء علاقة تكامل بين المبادرة الفردية والسياسات العمومية، تجعل الاجتهاد الشخصي قادراً على تحقيق نتائجه داخل بيئة اقتصادية ومؤسساتية عادلة وفعالة. أي شباب نريد أن نبني بعد التوجيهات الملكية؟ هل نريد شباباً ينتظر فرصاً محدودة، أم جيلاً يمتلك شروط الاستقلال الاقتصادي والثقة في المستقبل والقدرة على الابتكار والمشاركة في صناعة القرار؟

الشباب الذي نطمح إليه هو شباب متعلم ومؤهل، يمتلك المهارات الرقمية واللغوية والتقنية المطلوبة، دون أن يتحول التعليم إلى سباق للحصول على شهادات لا تفتح أبواب الشغل. وهو شباب قادر على بناء مشروع حياته، والحصول على سكن لائق، وتأسيس أسرة، والمساهمة في التنمية دون هشاشة أو انتظار طويل أو مساعدات ظرفية.

تمكين الشابات اقتصادياً يجب أن يشكل أولوية، فتكافؤ الفرص يتطلب إزالة الحواجز أمام مشاركتهن الفعلية في سوق الشغل. يشمل ذلك تحسين خدمات الحضانة، وتيسير التنقل، ومحاربة التمييز في الأجور، وتوسيع فرص التكوين والتشغيل، وتطوير آليات الحماية الاجتماعية.

لا يمكن الحديث عن نموذج تنموي منصف دون معالجة الفوارق بين المجالات الترابية. الشباب في العالم القروي والمناطق الجبلية يواجهون تحديات إضافية تتعلق بضعف النقل والخدمات الأساسية، ومحدودية فرص الشغل. الانتقال إلى المدن الكبرى أو الهجرة لا ينبغي أن يكون الخيار الوحيد. العدالة المجالية شرط لتحقيق المواطنة المتكافئة، ويتطلب ربط سياسات التشغيل والاستثمار بتطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية.

جودة العمل يجب أن تكون في قلب أي سياسة عمومية موجهة للشباب. العمل اللائق يقتضي احترام الحقوق الاجتماعية، والتصريح بالأجراء، والتغطية الاجتماعية، والسلامة المهنية، ومحاربة التمييز في الأجور. السياسة العمومية الناجعة لا تُصاغ بمعزل عن الفئات المعنية بها. لذا، يجب تطوير آليات منتظمة للحوار بين الحكومة والجهات والجماعات الترابية والجامعات والمقاولات والنقابات والتنظيمات الشبابية.

تنزيل التوجيهات الملكية يستوجب الانتقال من تعدد البرامج إلى سياسة وطنية متكاملة للشباب، بأهداف قابلة للقياس، وميزانية واضحة، وجدول زمني محدد. يقتضي ذلك إرساء ميثاق وطني للتشغيل اللائق والإدماج الاقتصادي للشباب، تتقاسم مسؤوليته مختلف القطاعات. وينبغي أن يحدد هذا الميثاق أهدافاً سنوية لخلق فرص الشغل، مع نشر حصيلة دورية توضح طبيعة المناصب ومدى استقرارها.

الحوافز العمومية للاستثمار ينبغي أن ترتبط بمدى مساهمة المشاريع في خلق فرص شغل مستدامة، وتطوير مهارات الأجراء، واحترام الحقوق الاجتماعية. نجاح الاستثمار لا يقاس فقط بحجم الأموال، بل بقيمته المضافة وقدرته على تحسين أوضاع المواطنين.

إصلاح الجامعة لا يمكن أن يعوض غياب فرص الشغل. يجب بناء جسور فعالة بين التكوين والبحث العلمي والابتكار والمقاولة. تطوير التكوين بالتناوب، وتوسيع فرص التدريب، وإشراك المهنيين في مراجعة البرامج الدراسية، مع الحفاظ على الوظيفة العلمية للجامعة. يجب أن يسير إصلاح منظومة التكوين بالتوازي مع سياسة صناعية وإنتاجية قادرة على خلق فرص مهنية ذات قيمة مضافة مرتفعة.

الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل يحتاجون إلى مسارات خاصة. من غادر المدرسة يحتاج لفرص عودة للتعليم أو اكتساب مهارات مهنية. خريج الجامعة يحتاج للتوجيه والربط بالمقاولات. الشابات اللواتي تعوقهن ظروف الرعاية يحتجن لخدمات مساعدة. يجب قياس نجاح هذه البرامج بعدد الشباب الذين حصلوا على عمل مستقر أو استأنفوا تعليمهم.

المقاولات الصغيرة والمتوسطة والتعاونيات والمبادرات الاقتصادية المحلية قادرة على خلق فرص عمل. دعم هذه المبادرات يتطلب تبسيط المساطر الإدارية، وتيسير الولوج إلى التمويل، وتقليص آجال الأداء، وتوفير المواكبة القانونية والمحاسباتية والتجارية.

الاستثمار في الشباب ليس كلفة إضافية، بل استثمار في مستقبل الاقتصاد والمجتمع والديمقراطية. الشباب الذي يجد تعليماً جيداً وتكويناً ملائماً وفرصة عمل تحفظ كرامته يصبح قوة منتجة ومبادرة. استمرار الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي يحمل المجتمع كلفة تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى الثقة في المؤسسات.

لقد آن الأوان للانتقال من الحديث عن الشباب كمستقبل الوطن إلى التعامل معهم كجزء أساسي من حاضره، لهم حقوق واضحة، وعليهم مسؤوليات، ولديهم القدرة على الإسهام في بناء مغرب أكثر عدالة وتقدماً. الرهان اليوم هو بناء تعاقد جديد مع الشباب، تعاقد لا يقوم على الوعود وحدها، بل على الالتزامات والنتائج القابلة للتقييم.

شارك الخبر: