حكومة المنصوري: من الديمقراطية إلى الحداثة.. رهان مغرب صاعد


هذا الخبر بعنوان "من الكتلة الديمقراطية إلى الكتلة الحداثية: حكومة المنصوري ورهان الوثبة المغربية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 12 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: رشيد لزرق
12 أكتوبر 2026 - 17:03
هل ستكون حكومة فاطمة الزهراء المنصوري بمثابة ترسيخ للخيار الديمقراطي وتحقيق للوثبة المنشودة في مغرب يتجه نحو الصعود؟ هذا السؤال يتجاوز مجرد تشكيل الأغلبية وتوزيع الحقائب الوزارية، ليلامس تحولاً سياسياً أعمق في المغرب: هل انتقلت البلاد من مرحلة تثبيت الديمقراطية إلى مرحلة بناء أسس اجتماعية وثقافية تجعلها منتجة للتقدم؟
لقد شكلت "الكتلة الديمقراطية"، التي برزت في بداية التسعينيات، جزءاً محورياً من التاريخ السياسي المغربي الحديث. في ذلك السياق، كان الإصلاح الدستوري، وتوسيع المجال الديمقراطي، وضمان نزاهة الانتخابات، وتقوية المؤسسات المنتخبة، في صلب الاهتمامات السياسية. كانت المعركة آنذاك تتمحور حول ترسيخ الديمقراطية كقاعدة لتنظيم التنافس السياسي، والانتقال من الصراع حول شرعية المشاركة إلى المشاركة الفعالة في تدبير شؤون الدولة. اليوم، وبعد دستور 2011، أصبح الاختيار الديمقراطي ثابتاً دستورياً في المملكة، مما يغير طبيعة التحدي.
لم يعد الأمر يتعلق بالدفاع عن الديمقراطية كمبدأ فحسب، بل ببناء مجتمع قادر على تفعيلها في الحياة اليومية. فالديمقراطية لا تؤتي ثمارها بمجرد تنظيم الانتخابات، بل تحتاج إلى بنية تحتية اجتماعية وثقافية حداثية تدعمها وتحميها. هنا، يمكن الحديث عن ضرورة الانتقال، بالمعنى السوسيولوجي، من "الكتلة الديمقراطية" إلى "الكتلة الحداثية". فبينما كانت "الكتلة الديمقراطية" تدافع عن حق المجتمع في الديمقراطية، فإن "الكتلة الحداثية" يفترض أن توفر الشروط اللازمة لجعل الديمقراطية أداة للتحرر الاجتماعي، والتنمية، والصعود الجماعي. وتشمل هذه الكتلة المدرسة العمومية الجيدة، والجامعة المنتجة للمعرفة، وحضور المرأة في مواقع القرار، وتمكين الشباب من الصعود الاجتماعي، وإدارة تعتمد الكفاءة، واقتصاد يكافئ العمل والإبداع بدلاً من الامتياز والريع.
بهذا المعنى، لا تعني الحداثة قطيعة مع هوية المجتمع أو ثوابته، بل بناء مؤسسي واجتماعي يرتكز على الاستحقاق، والكفاءة، والمساواة، وسيادة القانون، والعقلانية في تدبير الشأن العام.
تكتسب حكومة المنصوري دلالة تتجاوز كونها أول حكومة ترأسها امرأة في تاريخ المغرب. فالرمزية مهمة، لكنها ليست كافية. الاختبار الحقيقي يكمن في القدرة على الانتقال من "حداثة الرموز" إلى "حداثة البنيات". فلا يكفي وصول المرأة إلى قمة المسؤولية السياسية إذا ظلت نساء كثيرات خارج سوق العمل أو بعيدات عن دوائر القرار. ولا يكفي الحديث عن الشباب إذا ظلت المدرسة عاجزة عن أداء دورها كمصعد اجتماعي. ولا تكفي المؤسسات التمثيلية إذا شعر المواطن بأن صوته لا يحدث فرقاً في واقعه الاقتصادي والاجتماعي.
الديمقراطية القوية تتطلب مواطناً قوياً اجتماعياً: متعلماً، مستقلاً اقتصادياً، قادراً على الاختيار، واثقاً في المؤسسات، ومقتنعاً بتطبيق القانون على الجميع وأن الجهد والكفاءة يمكن أن يغيرا واقعه. لذا، قد يكون الرهان الحقيقي أمام حكومة المنصوري هو الانتقال بالمغرب من التحديث المادي إلى التحديث الاجتماعي. لقد حقق المغرب تحولات كبيرة في البنيات التحتية والاستثمار والنقل والصناعة والطاقات والمشاريع الكبرى؛ لكن الوثبة المقبلة ترتبط بمدى القدرة على بناء الإنسان والمؤسسة بنفس السرعة.
المغرب الصاعد لا يُبنى فقط بالموانئ والطرق والقطارات والمصانع، بل كذلك بمدرسة تصنع الكفاءة، وجامعة تنتج المعرفة، وإدارة تكافئ الاستحقاق، وعدالة تضمن المساواة، ومؤسسات سياسية تستعيد الثقة. يمكن صياغة التحول التاريخي في معادلة واضحة: "الكتلة الديمقراطية" ناضلت من أجل تثبيت الخيار الديمقراطي، أما المرحلة الجديدة فتحتاج إلى "كتلة حداثية" تجعل هذا الخيار منتجاً اجتماعياً وتنموياً. وإذا استطاعت حكومة المنصوري ربط الديمقراطية بالاستحقاق، والحداثة بالعدالة الاجتماعية، والتنمية بصعود الطبقات الوسطى، فقد تتحول المرحلة من مجرد تعاقب حكومي إلى لحظة انتقال في بنية المجتمع المغربي: من مغرب يرسخ الديمقراطية دستورياً إلى مغرب يجعل الديمقراطية والحداثة محركين لوثبته الحضارية والتنموية.
سياسة
سياسة
سياسة
ثقافة