القانون الجديد لاستقلالية الجامعة المغربية: هل الموارد كافية لتحقيق الوعود؟


هذا الخبر بعنوان "استقلالية الجامعة المغربية: هل يكفي القانون الجديد من دون موارد كافية؟" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 13 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: عبد الصادق الصدقي
تاريخ النشر: 13 أكتوبر 2026 - 09:50
هل يمكن للجامعة المغربية أن تلعب دوراً محورياً في التنمية المجالية، بينما تظل قيود إدارية ومالية تحد من قدرتها على تدبير مواردها واتخاذ قراراتها؟ مع كل عام دراسي جديد، تتجدد الآمال في الارتقاء بالجامعة المغربية لتصبح أكثر جودة وانفتاحاً وقدرة على إعداد الشباب لمستقبلهم. لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بعدد المؤسسات أو المسالك المتاحة، بل بالشروط الأساسية التي تمكّن الجامعة من أداء رسالتها على أكمل وجه: هل تتمتع بالحرية الكافية في اتخاذ القرارات، وتملك الموارد اللازمة، والمرونة الإدارية المطلوبة لتحويل أهدافها إلى إنجازات ملموسة؟
يُمثّل القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، الذي صدر في فبراير 2026، فرصة سانحة لإعادة النظر في حكامة الجامعة وموقعها في مسار التنمية. ومع ذلك، فإن قيمة أي إصلاح لا تُقاس بوعوده فحسب، بل بما يُحدثه فعلياً من تغيير في حياة المؤسسات الأكاديمية والطلاب والباحثين. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد إعلان الاستقلالية، بل في جعلها استقلالية قابلة للتطبيق، مدعومة بتمويل كافٍ، ومقترنة بآليات واضحة للمساءلة.
منذ عام 1999، شهدت المنظومة الجامعية سلسلة من الإصلاحات التي هدفت إلى توسيع نطاق الوصول إلى التعليم العالي، وتحديث المناهج التعليمية، وتطوير البحث العلمي، وتحسين الحكامة. وشملت هذه الإصلاحات الانتقال من القانون 01.00 إلى الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، مروراً بالقانون الإطار 51.17، وبرنامج تسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. وقد أدت هذه الجهود إلى توسع كبير في العرض الجامعي، وتنوع في المسالك التعليمية، وتطور في مجالات الرقمنة والتعاون الدولي. إلا أن استمرار مشكلات الاكتظاظ، واختلالات التأطير والتجهيز، وصعوبات التنفيذ، تشير إلى أن تحديث البرامج والهياكل وحده لا يكفي. فقد تمتلك الجامعة رؤية واضحة وكفاءات متميزة، لكنها قد تواجه صعوبات في اقتناء المعدات المخبرية الضرورية، أو في صيانة المباني، أو في استكمال مشاريع الرقمنة. إن الاستراتيجيات التي لا تستند إلى موارد مالية كافية وآليات عمل مرنة قد تظل محدودة الأثر. صحيح أن ليس كل تعثر ناتجاً عن نقص التمويل؛ فقد يعود البعض إلى سوء التخطيط أو ضعف التنسيق أو قصور في التقييم. ولكن من الإنصاف التمييز بين مسؤولية المؤسسة الجامعية عن حسن تدبير الموارد المتاحة، ومسؤولية المنظومة الأوسع عن توفير الشروط الضرورية لعملها. والسؤال الأكثر أهمية اليوم هو: ما الذي يعيق الجامعات فعلياً عن تنفيذ الإصلاحات المقررة؟
يمنح القانون 59.24 الجامعات العمومية الشخصية الاعتبارية والاستقلالية الإدارية والمالية والبيداغوجية والعلمية. وفي المقابل، تخضع هذه الجامعات للمراقبة المالية للدولة وللوصاية القانونية. ولا يُعدّ هذا النوع من الرقابة، في حد ذاته، متعارضاً مع الاستقلالية؛ فحرص الدولة على المال العام، وتعزيز الشفافية، وضمان المساءلة، كلها أمور ضرورية. لكن الإشكال يبدأ حين تؤدي كثرة الإجراءات الإدارية، أو تداخل الاختصاصات، أو بطء المساطر، إلى تعطيل عملية اتخاذ القرار. فكيف يمكن محاسبة الجامعة على تحقيق أهداف استراتيجية إذا لم تتمكن من التحكم في آجال إنجاز عملياتها الأساسية؟ وكيف يمكنها الاستجابة السريعة للتحولات التكنولوجية إذا تأخرت تلبية احتياجاتها من التجهيزات والصيانة؟ إن الاستقلالية ليست مجرد اختصاص مكتوب في القانون، بل هي قدرة فعلية على اتخاذ القرار ضمن حدود واضحة، وتعبئة الموارد اللازمة، والتنفيذ في إطار زمني معقول، وتحمل المسؤولية عن النتائج. وتتطلب هذه الاستقلالية ثلاثة مستويات متكاملة: استقلالية قانونية، ومرونة تشغيلية، وقدرة مالية على تحديد الأولويات. وقد يقرّ القانون المستوى الأول، لكن تفعيل المستويين الآخرين يحتاج إلى تنظيمات واضحة، ومساطر مبسطة، وكفاءات مؤهلة، وتمويل ملائم. فالجامعة التي تتحمل مسؤولية النتائج دون امتلاك الصلاحيات التنفيذية الكافية، تتحمل جزءاً من المسؤولية دون امتلاك جميع الأدوات اللازمة للفعل.
لا يمكن مطالبة الجامعات بتوسيع نطاق التكوين، وتحسين جودة التأطير، وتطوير المختبرات، وتعزيز الرقمنة، وتقديم الخدمات الاجتماعية، ودعم البحث والابتكار، دون توفير موارد مالية كافية ومستقرة. فالجامعة تحتاج إلى أساتذة وباحثين وأطر إدارية وتقنية، وإلى تجهيزات حديثة، ومكتبات غنية، وقواعد بيانات متقدمة، وصيانة دورية، وخدمات رقمية، وتمويل مستمر للبحث والابتكار. ومع تزايد أعداد الطلاب، ترتفع تكلفة تقديم الخدمات. وإذا لم تواكب الموارد البشرية والتجهيزات والاعتمادات المالية هذا التوسع، فقد تتدهور شروط التأطير، وتتأجل الاستثمارات الضرورية، وتتراكم حاجات الصيانة، ويتقلص هامش المبادرة. ولتقييم حجم هذه الفجوة بدقة، من الضروري نشر بيانات محدثة حول الاعتمادات المخصصة، وكلفة الطالب، واحتياجات البنيات التحتية، ونفقات التجهيز والصيانة، وتمويل البحث العلمي، والفوارق بين الجامعات المختلفة. فالتمويل المحدود لا يقتصر على تقليص عدد المشاريع الممكنة، بل قد يضعف قدرة الجامعة على استباق التحولات المستقبلية؛ إذ قد يفقد المختبر أو البرنامج التكويني جزءاً من جدواه إذا تأخر تنفيذه إلى أن تتغير الاحتياجات التي أُنشئ من أجلها. إن تمويل الجامعة يُعدّ استثماراً في الرأسمال البشري والابتكار والقدرة الإنتاجية والتماسك المجالي، وليس مجرد نفقة عادية. ولا يكفي مجرد زيادة الاعتمادات؛ بل المطلوب هو توفير تمويل عمومي مستقر وقابل للتوقع، إلى جانب إدارة فعالة وآليات مساءلة واضحة عن النتائج.
إذا كان التمويل يحدد حجم الإمكانات المتاحة، فإن الإدارة هي التي تحدد سرعة تحويل هذه الإمكانات إلى إنجازات فعلية. فقد يتوفر مشروع ما على الاعتمادات اللازمة والتصور التقني السليم، لكنه قد يتعثر ويتأخر بسبب تعقيد الإجراءات الإدارية، أو تداخل المسؤوليات، أو نقص الخبرات المتخصصة. وبالتالي، لا تكمن المشكلة في غياب المال فحسب، بل أيضاً في ضعف القدرة على تحويل الموارد المتاحة إلى خدمات أو تجهيزات فعالة. إن مكافحة البيروقراطية لا تعني تجاوز القواعد الأساسية للصفقات والمحاسبة والرقابة؛ فهذه القواعد ضرورية لضمان النزاهة وحماية المال العام. المطلوب هو تحديث طريقة تطبيق هذه القواعد، وتبسيط المساطر حيثما يسمح القانون بذلك، وتحديد المسؤوليات والآجال الزمنية بدقة، وتأهيل الكفاءات الإدارية، ورقمنة عمليات تتبع الملفات. وينبغي التمييز بوضوح بين الرقابة التي تهدف إلى منع التجاوزات، وتلك التي تكرر فحص الملف نفسه دون إضافة قيمة حقيقية. تحتاج الجامعة إلى إدارة محترفة ورقابة فعالة، لا إلى تعدد غير منتج للمصادقات. كما تحتاج إلى نظام معلومات متكامل يربط بين عمليات البرمجة والميزانية والصفقات والإنجاز، ويكشف عن مواضع التأخير وأسبابها. إن إصلاح الإدارة يُعدّ شرطاً أساسياً لتحسين مردودية كل درهم يُنفق على التعليم العالي.
يوفر القانون 59.24 إطاراً جديداً لحوكمة الجامعات، وتعزيز استقلاليتها، وتطوير علاقتها بمحيطها، وتنويع مصادر تمويل البحث والابتكار. كما يتضمن توجهات لتعبئة الموارد المالية اللازمة للبحث وتبسيط المساطر المتعلقة بصرف النفقات المرتبطة بمشاريع البحث. ومع ذلك، فإن هذه التوجهات تحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة تحدد الاختصاصات، وآليات العمل، والموارد المطلوبة، والنتائج المتوقعة. إن تغيير الهياكل الإدارية لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين الأداء إذا ظلت الاختناقات المالية والإدارية قائمة. وينبغي قياس نجاح القانون الجديد بمدى قدرته على تقليص الفجوة بين القرار والإنجاز، وبين المسؤولية والصلاحيات الممنوحة. علاوة على ذلك، فإن تنويع مصادر التمويل لا ينبغي أن يُفسّر على أنه انسحاب للدولة من مسؤولياتها الأساسية. يمكن تطوير مجالات مثل التكوين المستمر، والبحث التعاقدي، والخدمات العلمية، والشراكات، لكن الموارد الذاتية يجب أن تكون مكمّلة للتمويل العمومي، لا بديلاً عنه. ويجب أن تأخذ سياسة التمويل في الاعتبار الاختلافات في احتياجات الجامعات، وتكلفة التخصصات المختلفة، وحالة البنيات التحتية، والمهام الاجتماعية الموكلة إليها؛ فالعدالة في التوزيع لا تعني التقسيم الحسابي المتساوي، بل تخصيص الموارد وفق معايير شفافة ومنصفة.
ترتبط استقلالية الجامعة ومواردها بشكل مباشر بمستقبل التنمية المجالية. فالجامعة التي تتمتع بالقدرة على اتخاذ القرار والتنفيذ يمكنها أن تساهم بفعالية في تحديد أولويات التنمية على المستوى الجهوي، وتطوير برامج التكوين المستمر، وتوجيه البحث العلمي نحو القضايا الملحة مثل الماء والفلاحة والصناعة والصحة والبيئة والرقمنة، وإنتاج الخبرات اللازمة لتقييم السياسات العمومية. ولا تتحمل الجامعة مسؤولية التنمية بمفردها؛ فهي مسؤولية مشتركة بين الدولة والجهات والجماعات الترابية والمقاولات والمؤسسات العمومية. لكن الجامعة تصبح محركاً أساسياً للتنمية حين تنتقل من مجرد الحضور الجغرافي داخل المجال إلى إنتاج المعرفة التي يحتاجها، وتكوين الكفاءات التي تساهم في تطويره، والمشاركة في إيجاد حلول لمشكلاته. ويتطلب ذلك استقلالية في المبادرة، وتمويلاً كافياً للتنفيذ، وإدارة مرنة ومستجيبة، وشراكات محددة الأهداف وقابلة للقياس.
أولاً، يجب إجراء تشخيص مالي وطني شفاف ينشر معطيات دقيقة حول الموارد المتاحة، وكلفة الطالب، واحتياجات الصيانة والتجهيز، وتمويل البحث، والفوارق بين المؤسسات الجامعية؛ فهذا التشخيص هو الأساس لأي نقاش جاد حول كفاية التمويل. ثانياً، ينبغي إبرام عقد استقلالية وأداء لكل جامعة، يحدد بوضوح الأهداف والصلاحيات والموارد والنتائج المتوقعة، ويمنح هامشاً كافياً للمبادرة، مقابل تقييم منتظم وشفاف لأدائها. ثالثاً، يجب إطلاق برنامج شامل لتبسيط الإدارة: يتضمن مراجعة المساطر المعطلة، وتحديد آجال زمنية واضحة للملفات، ورقمنة عمليات تتبع المشاريع، وتأهيل الكفاءات الإدارية، مع الحرص على صون الشفافية والمنافسة وحماية المال العام. رابعاً، العمل على تنويع الموارد الذاتية والشراكات والبحث التعاقدي والتكوين المستمر، بالتوازي مع الحفاظ على تمويل عمومي مستقر وآليات تضامن تراعي الفوارق بين الجامعات والجهات. خامساً، التركيز على تقييم الأثر الفعلي للإنجازات، وليس فقط الأنشطة، وذلك من خلال قياس آجال إنجاز المشاريع، وتحسين ظروف التعلم والبحث والابتكار، ورفع جودة الخدمات، وقياس مساهمة الجامعة في التنمية المجالية، مع نشر النتائج بشفافية. يمكن البدء بالتشخيص ومعالجة الاختناقات العاجلة، ثم إبرام عقود ممولة، يليها تقييم مستقل وتصحيح مستمر للمسار.
هل يمكن للقانون الجديد أن يحرر الجامعة المغربية من قيودها الإدارية والمالية ويجعلها قاطرة حقيقية للتنمية المجالية؟ إنه يفتح الباب أمام هذه الإمكانية، لكنه لا يضمن التحول بمفرده. فالاستقلالية التي تفتقر إلى الموارد الكافية تكون محدودة الأثر، والتمويل الذي لا يقترن بإدارة فعالة يفقد جزءاً من مردوديته، والصلاحيات التي لا تقابلها مساءلة واضحة قد تؤدي إلى سوء التدبير. إن الاختيار ليس بين استقلالية الجامعة ورقابة الدولة، ولا بين زيادة التمويل وتحسين التدبير؛ بل المطلوب هو تحقيق استقلالية مسؤولة، وتمويل عمومي مستدام، وإدارة مرنة، ورقابة تحمي المال العام دون أن تشل المبادرة. والرهان الحقيقي ليس إعفاء الجامعة من القيود المشروعة، بل تحريرها من التعقيدات غير الضرورية وتمكينها من أداء وظائفها الأساسية، مع مساءلتها عن نتائجها. فلا يمكن الحديث عن جامعة مستقلة حقاً دون قدرة فعلية على التنفيذ، ولا عن تنمية مجالية مستدامة دون جامعة قادرة على تحويل المعرفة إلى قيمة مضافة، ولا عن إصلاح ناجح دون تناسب واضح بين المسؤوليات والصلاحيات والموارد المتاحة. هذا هو الامتحان الحقيقي للقانون الجديد: أن يجعل الاستقلالية ممكنة على أرض الواقع، وأن يحولها إلى قوة دافعة للاقتراح والابتكار والتنمية، بما يخدم مصلحة المغرب ومواطنيه.
الوسوم: التعليم العالي والبحث العلمي، الجامعة المغربية، الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، القانون 59.24، القانون الإطار 51.17
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة