زيارة الملك فيليبي السادس لسبتة ومليلية: اختبار جديد لعلاقات المغرب وإسبانيا


هذا الخبر بعنوان "زيارة العاهل الإسباني لسبتة ومليلية المحتلتين.. اختبار جديد للعلاقات المغربية الإسبانية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 13 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يبدأ العاهل الإسباني، الملك فيليبي السادس، والملكة ليتيزيا، اليوم الثلاثاء 13 أكتوبر، زيارة إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. هذه الخطوة تكتسي أهمية سياسية ودبلوماسية نظرًا لحساسية ملف المدينتين اللتين تؤكد المملكة المغربية مغربيتهما وتتمسك باسترجاعهما وإنهاء الاحتلال الإسباني لهما.
تعد هذه الزيارة الأولى من نوعها للملك فيليبي السادس إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش عام 2014، وسط ترقب للمواقف التي سيعبر عنها خلال جولته، في ظل استمرار الخلاف بشأن السيادة على المدينتين، وما يفرضه ذلك من حسابات على مستوى العلاقات بين الرباط ومدريد. وبحسب تقرير لمجلة “جون أفريك”، فقد جرى الإعلان عن الزيارة في فاتح أكتوبر الجاري، بعد تنسيق مع حكومة بيدرو سانشيز. ورغم غياب رئيس الحكومة الإسبانية عن الجولة، سيرافق العاهل الإسباني في سبتة وزير السياسة الترابية، أنخيل فيكتور توريس، فيما ستحضر وزيرة الإدماج والناطقة باسم الحكومة، إلما سايز، محطة مليلية.
يتضمن برنامج الزيارة لقاءات مع السلطات المحلية والقوات الأمنية وممثلي المجتمع المدني والقيادات الدينية، بينما تظل الكلمات التي سيلقيها الملك فيليبي السادس محط اهتمام خاص، بالنظر إلى ما يمكن أن تحمله من رسائل سياسية بشأن المدينتين المحتلتين ومستقبل العلاقات مع المغرب.
تأتي الزيارة في ظرف سياسي دقيق، إذ تتزامن مع مرحلة تسبق الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في إسبانيا يوم 29 نونبر، وتأتي بعد أقل من ثلاثة أشهر على أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة المحتلة نهاية يوليوز الماضي. ووفق الأرقام التي أعلنها وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، في غشت الماضي، فقد عبر نحو 72 ألف شخص الحدود انطلاقا من المغرب، أعيد 70 ألفا منهم إلى المملكة. وأثارت هذه الأزمة توترا بين السلطات المحلية في سبتة، بقيادة خوان خيسوس فيفاس، المنتمي إلى الحزب الشعبي، والحكومة المركزية في مدريد. ومع اقتراب موعد الانتخابات، عادت قضايا الحدود والهجرة إلى واجهة التجاذبات السياسية الداخلية الإسبانية، في ظل سعي قوى اليمين إلى توظيفها في المنافسة الانتخابية. وفي هذا السياق، اختار زعيم حزب “فوكس” اليميني المتطرف، سانتياغو أباسكال، زيارة سبتة المحتلة يوم 12 أكتوبر، برفقة جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي، قبل ساعات من وصول العاهل الإسباني، في خطوة تعكس استمرار حضور ملف المدينتين في الحسابات السياسية للأحزاب الإسبانية.
ورغم تزامن الزيارة الملكية مع هذه التطورات، فإنها لم تكن وليدة اللحظة، إذ ظلت قيد الدراسة منذ سنوات استجابة لمطالب متكررة من السلطات المحلية في سبتة ومليلية المحتلتين. غير أن أحداث يوليوز أسهمت في تسريع وتيرتها، بعدما وعد الملك رئيس حكومة سبتة بتنفيذ الزيارة، وهو ما دفع رئيس حكومة مليلية، خوان خوسيه إمبرودا، إلى المطالبة بإتمامها “دون مزيد من التأخير”.
تعيد الزيارة الحالية إلى الأذهان المحطة المثيرة للجدل التي قام بها الملك الإسباني السابق خوان كارلوس والملكة صوفيا إلى سبتة ومليلية المحتلتين في نونبر 2007، وهي الزيارة التي أثارت غضبا واسعا في المغرب، ودفعته إلى استدعاء سفيره لدى مدريد للتشاور. حينها، أصدر الملك محمد السادس موقفا شديد اللهجة، وصف فيه الزيارة بأنها “عمل يعكس حنينا إلى حقبة مظلمة ولت بلا رجعة”، مؤكدا أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان محتلتان، ومحذرا من تحويل المصالح المغربية إلى ورقة في المزايدات السياسية الداخلية الإسبانية. وبعد مرور 19 عاما على تلك الواقعة، لا يزال ملف المدينتين حاضرا في العلاقات المغربية الإسبانية، خصوصا في ظل استمرار توظيفه في الخطاب السياسي الإسباني، وما يرافق ذلك من مواقف تعيد التذكير بالخلاف القائم حول السيادة عليهما.
وتبرز هذه الخلفية التاريخية حساسية الزيارة الحالية، التي تضع مدريد أمام معادلة دقيقة بين الاستجابة لمطالب السلطات المحلية في المدينتين المحتلتين، وتفادي تداعيات سياسية ودبلوماسية قد تنعكس على علاقاتها مع الرباط.
على الرغم من رمزية الزيارة وحساسيتها، تبدو الظروف الدبلوماسية الراهنة مختلفة عن تلك التي أحاطت بزيارة عام 2007. فقد نقلت صحيفة “إل باييس” عن مصادر عسكرية ودبلوماسية إسبانية أن الزيارة الحالية ربما حظيت بـ”ضوء أخضر” ضمني من الرباط، وهي معطيات لم تؤكدها السلطات المغربية. في المقابل، نفى القصر الملكي الإسباني وجود اتصالات مباشرة بين العاهلين المغربي والإسباني خلال الأشهر الأخيرة. كما صرح وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، في 23 شتنبر، بأن الملك فيليبي السادس “لا يحتاج إلى إذن من أحد” لزيارة المدينتين، مع إقراره باستمرار قنوات التواصل الدبلوماسي بين البلدين.
وفي المغرب، جاء خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، يوم 9 أكتوبر، ليؤكد الحاجة إلى إعادة تعريف التعاون مع بعض الشركاء، مع انتقاد “التصريحات غير المسؤولة لبعض الدوائر السياسية والإعلامية”، وهي إشارة فُهمت على أنها تشمل بعض الأصوات في الجارة الشمالية. كما ظل الموقف المغربي بشأن مغربية سبتة ومليلية المحتلتين حاضرا في تصريحات مسؤولين مغاربة، من بينهم وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي جدد التأكيد على مغربية المدينتين، وهو ما أعقبه، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، استدعاء مدريد السفيرة المغربية في غشت الماضي. وتكشف هذه التطورات أن التقارب الدبلوماسي بين الرباط ومدريد، رغم أهميته، لم ينه الخلاف بشأن المدينتين، وأن إدارة هذا الملف تظل مرتبطة بقدرة الطرفين على تفادي الخطوات والتصريحات التي قد تدفع العلاقات الثنائية إلى مرحلة جديدة من التوتر.
تدرك الرباط ومدريد أن اندلاع أزمة مماثلة لتلك التي شهدتها العلاقات بينهما عام 2007 سيكون مكلفا للطرفين، في ظل تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية. فمنذ إعلان رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، في مارس 2022، دعم بلاده مبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء، دخل البلدان مرحلة من التعاون الوثيق شملت التنسيق الأمني وإدارة الحدود والشراكات الاقتصادية، وصولا إلى الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030 بالاشتراك مع البرتغال. وقد عزز هذا التقارب مكانة المغرب بوصفه شريكا استراتيجيا لإسبانيا، ودفع مدريد إلى إعطاء أولوية لاستقرار علاقاتها مع الرباط، حتى في ظل ما ترتب عن هذا التوجه من توتر في علاقاتها مع الجزائر.
غير أن تطور التعاون بين البلدين لا يعني انتهاء الخلافات التاريخية والسياسية، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية، اللتين تتمسك المملكة المغربية بمغربيتهما وحقها في استرجاعهما. وعلى المستوى التاريخي، لعبت العلاقات الشخصية بين العائلتين الملكيتين دورا في احتواء أزمات سابقة، كما حدث خلال فترة الملكين الراحلين الحسن الثاني وخوان كارلوس. أما العلاقة بين الملك محمد السادس والملك فيليبي السادس، اللذين عرف أحدهما الآخر منذ الطفولة، فتبدو اليوم أكثر ارتباطا بالقنوات الدبلوماسية الرسمية، في ظل استمرار ملفات خلافية لم تُحسم بشكل نهائي.
وفي هذا السياق، يظل الحفاظ على الاستقرار في العلاقات الثنائية خيارا يخدم مصالح البلدين، لكنه لا يغير من طبيعة الموقف المغربي بشأن المدينتين المحتلتين، ولا يلغي استمرار المطالبة بإنهاء الاحتلال الإسباني لهما. وبين الحسابات الداخلية الإسبانية ومتطلبات الشراكة مع المغرب، تكتسب الكلمات التي سيختارها فيليبي السادس خلال زيارته أهمية تتجاوز طابعها البروتوكولي، إذ ستكون موضع متابعة بحثا عن مؤشرات بشأن توجه مدريد في تدبير علاقتها بالرباط، وحدود قدرتها على الفصل بين التجاذبات الانتخابية ومقتضيات الاستقرار الدبلوماسي. وتتجه الأنظار، في هذا الإطار، إلى ما سيقوله العاهل الإسباني، وما قد يتجنب الخوض فيه، في مشهد يستحضر زيارة عام 2007، حين تجنب والده خوان كارلوس ذكر اسم المغرب طوال خطابه، في إشارة إلى حساسية الكلمات حين يتعلق الأمر بملف تتداخل فيه السيادة والتاريخ والمصالح الاستراتيجية. وتبقى الزيارة الحالية اختبارا جديدا لمدى قدرة مدريد على إدارة علاقاتها مع الرباط في ظل استمرار قضية سبتة ومليلية المحتلتين، التي تظل إحدى أبرز نقاط الخلاف في العلاقة بين البلدين، رغم ما يجمعهما من مصالح استراتيجية وشراكات متعددة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة