المغرب
اقتصاد

تحديات تمويل السكك الحديدية في أفريقيا: من الجدوى إلى التنفيذ العملي

هسبريس14 أكتوبر 2026 في 19:040 مشاهدة
تحديات تمويل السكك الحديدية في أفريقيا: من الجدوى إلى التنفيذ العملي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تمويل السكك الحديدية بإفريقيا ينتقل من الجدوى إلى تحديات التنفيذ" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 14 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

انتقل النقاش حول تمويل السكك الحديدية في أفريقيا من مجرد إثبات الجدوى إلى مواجهة تحديات التنفيذ الفعلية، وذلك في ختام الجلسة الحوارية الأولى المخصصة لـ”تعبئة رأس المال للسكك الحديدية وآليات التمويل المبتكرة” ضمن المنتدى الدولي حول الاستثمار والتمويل في السكك الحديدية بإفريقيا. وأكد المشاركون أن القارة قد تجاوزت مرحلة التأكد من الجدوى التنموية للنقل السككي، وأن التركيز الآن ينصب على كيفية تمويل المشاريع وتنفيذها بكفاءة وموثوقية.

خلال الجلسة التي استضافتها الرباط، أجمع المتدخلون على أن توفر رؤوس الأموال الدولية والقارية ليس هو العائق الأساسي، بل تكمن الصعوبة في ضعف إعداد المشاريع وهشاشة النماذج الاقتصادية التقليدية. وأشارت النقاشات إلى أن عائدات التذاكر وحركة النقل وحدها لا تكفي لتغطية التكاليف الرأسمالية الضخمة. ولهذا، دعا المشاركون الحكومات إلى تثمين العوائد السوسيو-اقتصادية، والفصل الواضح بين مخاطر البناء ومخاطر التشغيل، وتبني أدوات تمويل مبتكرة مثل السندات الخضراء، والتمويل المختلط، وإعادة تدوير الأصول. كما شددت الخلاصات على ضرورة تغيير النهج المتبع مع الأسواق، والانتقال من مخاطبتها كجهات مانحة إلى عرض فرص استثمارية مربحة ضمن رؤية شاملة للممرات الاقتصادية وسلاسل الإمداد المتكاملة.

خصوصية النموذج المغربي

في هذا السياق، أوضح أسامة لشهب، مدير قطب المالية والحكامة والمشتريات بالمكتب الوطني للسكك الحديدية، أن فهم إشكالية تمويل السكك الحديدية يتطلب إدراك طبيعة القطاع كثيف رأس المال، الذي يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية مقابل مردودية مالية مؤجلة. وعلى الرغم من ذلك، يحقق القطاع أثراً سوسيو-اقتصادياً ومناخياً فورياً، يشمل تهيئة التراب وخفض الانبعاثات الكربونية. وأشار لشهب إلى أن هذه المنافع لا تنعكس بالضرورة في أسعار التذاكر أو رقم معاملات المشغلين، باستثناء خطوط نقل المعادن ذات المردودية الجاذبة. لذلك، دعا السلطات العمومية إلى قياس هذه الآثار وتوجيه الدعم اللازم لضمان الاستدامة المالية للمشاريع.

وفيما يتعلق بالشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، أكد لشهب أنها ليست حلاً سحرياً للمشاريع الضعيفة، بل هي آلية لتوزيع المخاطر. يتحمل القطاع العام المخاطر السياسية والتنظيمية ومخاطر نزع الملكية، بينما يتكفل الشريك الخاص بمخاطر الإنجاز والتشغيل. وأوصى ببناء كفاءات داخلية قوية لدى المؤسسات العمومية لمواكبة عقود الشراكة، محذراً من الاعتماد المفرط على الاستشارات الخارجية.

وفي مجال التمويل المناخي، ذكر لشهب بأن المكتب الوطني للسكك الحديدية أصدر في عام 2024 أول سندات خضراء بقيمة ملياري درهم، ويعمل حالياً على هيكلة تمويلات مبتكرة مرتبطة بمؤشرات الاستدامة والأداء البيئي.

“عزل المخاطر” وهيكلة المشاريع

من جهته، اعتبر زياد نكت، كبير أخصائيي النقل بالبنك الدولي، أن القطاع يشهد زخماً عالمياً يتطلب تجاوز المقاربات المجزأة والاندماج الكامل في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والموانئ الجافة. ونبه إلى تحديات ضعف كثافة الأحجام التجارية في القارة وصعوبات التنسيق العابر للحدود. ودعا الحكومات إلى عدم تحميل الشركات السككية التزامات الخدمة العمومية دون تعويضات مالية صريحة، ونصح بعدم طرح الشبكات ككتلة واحدة في عقود الشراكة، بل البدء بالمكونات الأكثر جاذبية تجارياً. وأبرز أن استثمار القيمة العقارية يظل عنصراً مكملاً للتمويل المهيكل وليس بديلاً عنه.

أما هيثم عيسى، مدير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بالمغرب، فأكد ضرورة التمييز الصارم بين مرحلة التشييد، التي تتسم بمخاطر نزع الملكية وتأخر الأشغال وتجاوز التكاليف، ومرحلة الاستغلال المرتبطة بجودة الخدمة وتوليد الإيرادات. وأوضح أن مرحلة البناء تستدعي تدخل التمويلات العمومية ومؤسسات التنمية الدولية، بينما يدخل القطاع الخاص وأسواق المال عند بدء التشغيل. واستشهد بتمويل مترو الإسكندرية بمصر، وبمساهمة البنك في السندات الخضراء للمكتب الوطني للسكك الحديدية، التي أتاحت إعادة تمويل الخط فائق السرعة وإعادة تدوير الأموال العمومية في خطوط جديدة. واشترط لجذب المستثمرين توفر إطار تنظيمي شفاف لرسوم استغلال المسارات، ودعم حكومي صريح ومستقر.

تعبئة المدخرات الأفريقية

تناول عبد السلام عبابو، الرئيس المؤسس لـ”ريدميد”، والمهدي بوريس، المدير العام لـ”سي دي جي كابيتال” (CDG Capital)، سبل تعبئة المدخرات القارية وأسواق الرساميل لتغطية احتياجات استثمارية تُقدَّر بنحو 38 مليار دولار للسكك الحديدية الأفريقية في أفق 2040. وأكد المتدخلان ضرورة القطع مع منطق طلب التمويل كإعانات، والتوجه إلى المستثمرين بحزم مشاريع مربحة قائمة على تنويع المداخيل، عبر استغلال حيازات السكك الحديدية في تمرير الألياف البصرية أو خطوط الطاقة، ومستقبلاً الهيدروجين. وأبرزا أن مفتاح النجاح يكمن في التفكيك المالي الدقيق لمكونات المشروع، بحيث يتحمل كل صنف من المستثمرين المخاطر التي تلائم أهدافه وأفقه الاستثماري، مما يجذب مدخرات مؤسساتية واسعة كصناديق التقاعد وشركات التأمين.

وجرى التنويه بالتجربة المغربية، حيث كان المكتب الوطني للسكك الحديدية سباقاً إلى ولوج سوق الرساميل الوطنية وإصدار سندات تصل آجالها إلى ثلاثين سنة، مع التشديد على أن وجود مشغل وطني قوي وموثوق يشكل ضمانة لإدارة توازنات الميزانية وتغطية تقلبات الفائدة والصرف.

وخلصت الجلسة إلى أن انطلاقة النهضة السككية بإفريقيا لم تعد رهينة البحث عن تمويلات معزولة، بل ترتبط بترسيخ الرؤية الاستراتيجية، وإعداد المشاريع وفق معايير الحكامة والشفافية، وبناء شراكات متوازنة.

شارك الخبر: