المغرب
اقتصاد

الاقتصاد المغربي: تحديات استدامة المالية العامة وفعالية السياسات في المرحلة القادمة

العمق المغربي15 أكتوبر 2026 في 14:200 مشاهدة
الاقتصاد المغربي: تحديات استدامة المالية العامة وفعالية السياسات في المرحلة القادمة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "رهانات الاقتصاد المغربي في المرحلة المقبلة: استدامة المالية العمومية وحدود فعالية السياسات الاقتصادية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 15 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يتطلب تقييم المسار الاقتصادي للمغرب تجاوز مجرد النظر إلى معدلات النمو وحجم الاستثمارات المعلنة، بل يجب ربطها بمردودية الإنفاق العمومي، وقدرة الاستثمار على خلق القيمة المضافة، وأثر السياسات الحكومية على التشغيل والقدرة الشرائية والتفاوتات الاجتماعية. يبرز هنا سؤال جوهري حول مدى نجاح التدبير العمومي في تحويل الموارد المالية والاستثمارات إلى نتائج تتناسب مع الإمكانات والانتظارات. لا يهدف هذا إلى التقليل من أهمية الأوراش الاقتصادية والاجتماعية، بل إلى ضرورة تقييمها بصرامة، مع التمييز بين ما تم الإعلان عنه وما نُفذ فعلياً، وبين حجم الموارد المعبأة والأثر المتحقق. الفجوة بين الطموح والنتائج ليست مجرد إشكال تقني، بل ترتبط بجودة الاختيارات العمومية، وفعالية التنسيق المؤسساتي، ووضوح المسؤوليات، وقدرة الإدارة على تصحيح الاختلالات.

أولاً: قانون المالية بين الانضباط المحاسبي والمردودية الاقتصادية

يُعد قانون المالية الأداة المركزية لترجمة الأولويات الحكومية إلى التزامات مالية وبرامج عملية. لكن الإشكال يكمن في اعتبار التوازن الميزانياتي أو احترام الاعتمادات معياراً لتقييم الأداء، بينما يُهمل الأثر الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق. فقد تُحترم التوقعات المالية دون تحقيق الأثر المطلوب على الإنتاجية والتشغيل، أو قد ترتفع الاعتمادات لقطاع ما دون معالجة اختلالات التنفيذ أو تأخر المشاريع. في هذه الحالات، السؤال الأهم ليس عن مقدار ما أُنفق، بل عما تحقق مقابل هذا الإنفاق، وتكلفة الفرص الضائعة. يتجاوز تحدي قانون المالية مجرد تعبئة الإيرادات وضبط النفقات، ليشمل إعادة ترتيب الأولويات وفق مردوديتها، وإخضاع البرامج لتقييم مستقل، وربط المسؤولية بالنتائج. لا ينبغي أن تتحول المحافظة على التوازنات المالية إلى مقاربة محاسبية ضيقة تعالج الاختلالات الآنية على حساب الاستثمار المنتج، أو تؤجل إصلاحات قد تكون كلفتها أعلى مستقبلاً. كما لا يمكن تبرير توسيع الإنفاق دون تحديد مصادر تمويله وقياس أثره ومخاطره. المطلوب هو بناء توازن فعلي بين الانضباط المالي والتنمية، تكون فيه جودة الإنفاق معياراً حاسماً.

ثانياً: الاستثمار المعلن لا يعني بالضرورة تحولاً اقتصادياً

من الإشكالات التي تستحق نقاشاً نقدياً التفاوت المحتمل بين حجم الاستثمار المعلن والأثر في الاقتصاد الحقيقي. فالاستثمار لا يصبح إنجازاً بمجرد الإعلان عنه أو توقيع اتفاقية، بل عندما يدخل حيز التنفيذ، ويخلق طاقة إنتاجية إضافية، ويوفر فرص شغل مستدامة، ويولد قيمة مضافة تتجاوز تكلفته. يطرح هذا سؤالاً حول معايير نجاح السياسات الاستثمارية: هل يكفي ارتفاع حجم الالتزامات، أم ينبغي اعتماد مؤشرات أكثر دلالة كنسبة المشاريع المنجزة، ومتوسط مدة الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ، وحجم الوظائف المحدثة، ومقدار القيمة المضافة؟ الاكتفاء بالأرقام الإجمالية قد يحجب تفاوتاً بين القطاعات والمناطق، وضعفاً في قدرة بعض المشاريع على الانتقال إلى مرحلة الإنتاج. التقييم الجدي يقتضي تتبع دورة حياة الاستثمار كاملة. تزداد أهمية هذه المسألة في الاستثمار العمومي، الذي يفترض أن يهيئ الشروط لنمو الاستثمار الخاص. إذا لم تظهر آثار هذه الاستثمارات في الإنتاجية أو التشغيل أو تقليص الفوارق المجالية، فإن ذلك يستدعي مراجعة الاختيارات وآليات التنفيذ.

ثالثاً: التدبير الاستباقي ليس مجرد إعلان للنوايا، بل اختبار لقدرة المؤسسات

تُختبر جودة الحكامة الاقتصادية عند تغير الظروف، لا عندما تسير المؤشرات وفق التوقعات. فارتفاع أسعار الطاقة، أو تراجع الطلب الخارجي، أو تشدد شروط التمويل، كلها عوامل يمكن أن تضغط على الاقتصاد والميزانية. الأثر النهائي لهذه الصدمات يتوقف على مدى الاستعداد لها. هنا تبرز نقطة نقدية: هل تُبنى القرارات الاقتصادية على سيناريوهات متعددة ومؤشرات إنذار مبكر، أم يظل التدخل مرتبطاً بظهور الاختلالات؟ الاستباق لا يعني التنبؤ بكل الأزمات، بل إعداد خيارات بديلة، وتحديد المجالات التي يمكن تعديل نفقاتها، والبرامج الاجتماعية التي ينبغي تحصينها. التدخل بعد تفاقم المشكلة قد يفرض قرارات أكثر كلفة وأقل فعالية. ينبغي تقييم الأداء الحكومي بناءً على قدرته على اكتشاف المخاطر مبكراً، وتقليل التعرض لها، والاستجابة لها بأقل تكلفة ممكنة. غياب الاستباق قد يتحول إلى مصدر إضافي لكلفة اقتصادية واجتماعية كان بالإمكان الحد منها.

رابعاً: تقلبات بورصة الدار البيضاء تكشف أهمية الثقة، لكنها لا تختصر الوضع الاقتصادي

تستحق تقلبات سوق الأسهم المغربية القراءة في ضوء العلاقة بين التوقعات الاقتصادية وثقة المستثمرين وجودة المعلومات المتاحة. لكن تحويل تراجع مؤشر البورصة مباشرة إلى حكم على الاقتصاد الوطني يظل تبسيطاً. فأسعار الأسهم تتأثر بعوامل متعددة. انخفاض القيمة السوقية لا يعني بالضرورة خروجاً فعلياً للرساميل. ومع ذلك، تطرح السوق المالية سؤالاً حول مدى قدرة الاقتصاد على تعبئة الادخار وتمويل المقاولات، ومدى اتساع قاعدة المستثمرين، وشفافية المعلومات. الرهان هنا ليس في دفع الأسعار للارتفاع بأي ثمن، بل في بناء سوق يستند إلى أسس اقتصادية متينة. ينبغي أن تكون تقلبات البورصة مناسبة لتعميق التحليل، لا لإطلاق أحكام متسرعة؛ وأن يُقاس نجاح السياسة الاقتصادية بقدرتها على تعزيز الأسس الإنتاجية والثقة المؤسسية.

خامساً: من يتحمل مسؤولية الفجوة بين التخطيط والتنفيذ؟

لا يمكن تفسير الاختلالات الاقتصادية بعامل واحد أو بإلقاء المسؤولية على الإدارة وحدها. فقد تنتج عن تعقيد المساطر، أو ضعف التنسيق بين المؤسسات، أو عدم ملاءمة بعض البرامج لحاجيات المستفيدين، أو قصور التوقعات، أو غياب التقييم المنتظم، أو تغير الظروف الاقتصادية. تعدد الأسباب لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتذويب المسؤولية. كل سياسة عمومية تحتاج إلى أهداف قابلة للقياس، وجدول زمني واضح، وجهة مسؤولة عن التنفيذ، وآلية لتحديد أسباب التعثر واتخاذ الإجراءات التصحيحية. نشر النتائج، بما فيها أوجه القصور، شرط لتحسين القرار العمومي. يقتضي الإصلاح الحقيقي الانتقال من ثقافة تركز على الإعلان عن البرامج إلى ثقافة تسائل مردوديتها، ومن تتبع الاعتمادات إلى تقييم الأثر. المساءلة الفعالة تبحث عن خلل محدد، وسبب قابل للتحقق، وإجراء تصحيحي واضح، ونتيجة قابلة للقياس.

سادساً: ما الذي ينبغي تغييره في المرحلة المقبلة؟

يتطلب تجاوز هذه الإشكالات وضع الاستباق والمردودية في صلب القرار الاقتصادي، من خلال إجراءات عملية: إعداد قانون المالية وفق سيناريوهات متعددة، مع تحديد التدابير الممكن تفعيلها عند تراجع الإيرادات أو ارتفاع كلفة التمويل. إخضاع الاستثمارات العمومية لتقييم قبلي وبعدي، يحدد تكلفتها الإجمالية وأثرها المتوقع والنتائج المحققة فعلياً. تطوير لوحة قيادة اقتصادية تربط المؤشرات المالية بالاستثمار والتشغيل والقدرة الشرائية، وتحدد المسؤوليات وآجال التدخل. تقليص التأخر في تنفيذ المشاريع وأداء المستحقات، لما له من أثر مباشر على السيولة واستمرارية نشاط المقاولات. تحسين توجيه الإنفاق الاجتماعي، مع قياس أثره الفعلي على الأسر والفئات الأكثر هشاشة. تعزيز الشفافية في نشر المعطيات الاقتصادية والميزانياتية. اعتماد مراجعة دورية للبرامج التي لا تحقق النتائج المنتظرة. لا تتحقق هذه الإصلاحات بمجرد إدراجها في وثائق التخطيط، بل تحتاج إلى إرادة تنفيذية، وتنسيق مؤسساتي، وبيانات موثوقة، واستعداد لتعديل القرارات.

خاتمة: التحدي الحقيقي هو فعالية الدولة في تحويل الإمكانات إلى نتائج

الرهان الاقتصادي المغربي في المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في المحافظة على معدلات النمو أو ضبط المؤشرات المالية، بل في ضمان التناسق بين الاستقرار المالي والنجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. التوازنات الكبرى ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاح النموذج الاقتصادي ما لم تنعكس على الاستثمار المنتج والتشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات. تقتضي القراءة النقدية التمييز بين ما تحقق فعلياً وما لا يزال في مستوى الأهداف، وبين الصدمات الخارجية والاختلالات الداخلية، وبين محدودية الموارد وضعف استخدامها. جوهر الإصلاح يكمن في تحسين تنفيذ البرامج القائمة، وإعادة ترتيب الأولويات، وربط المسؤولية بالنتائج، وإدماج المخاطر في القرار المالي. المعيار الحقيقي لنجاح السياسة الاقتصادية هو قدرتها على تحويل الموارد إلى نتائج قابلة للقياس، وعلى تصحيح اختياراتها عندما تكشف الوقائع أن المردودية لم تكن في مستوى التوقعات.

شارك الخبر: