الذكاء الاصطناعي يغزو الصحافة: مواقع إخبارية وهمية وصحافيون افتراضيون يهددون الحقيقة


هذا الخبر بعنوان "انتحال صفة صحافي!" نشر أولاً على موقع كيفاش وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قبل ثلاث سنوات، عندما نبهت إلى ضرورة تحرك مقاولاتنا الإعلامية بسرعة "قبل أن يطالبنا الذكاء الاصطناعي باستصدار بطاقة صحافة خاصة به"، اعتبر البعض ذلك مجرد دعابة لتخفيف حدة النقاش. لكن يبدو أن الذكاء الاصطناعي قد قرأ المقال وقتها، وقرر تجاوز إجراءات الحصول على "البطاقة المهنية" والدعم العمومي، ليبدأ بتأسيس صحفه الخاصة بطواقم تحرير لا تتقاضى أي مقابل ولا تطالب بالتأمين الصحي.
تكشف معطيات تقرير معمق نشرته "الجزيرة نت" مؤخراً، عن تحول جذري يضع مهنة الصحافة أمام تحديات غير مسبوقة. لم يعد الأمر يقتصر على روبوت يصحح الأخطاء الإملائية أو يقترح عناوين، بل نحن أمام ظاهرة "غرف أخبار بلا صحافيين". فقد رصد الصحافي الاستقصائي الفرنسي جان مارك ماناش، في تحقيق للرابطة العالمية للناشرين الإخباريين (WAN-IFRA)، ما يزيد عن 15 ألف موقع إخباري مولد بالذكاء الاصطناعي باللغة الفرنسية وحدها، وحوالي 1500 موقع بالإنجليزية. كما أحصت مؤسسة "نيوز غارد" (NewsGuard) ما مجموعه 3749 موقعاً إخبارياً تعمل كـ"مزارع محتوى" آلية بـ16 لغة مختلفة، دون إشراف بشري يذكر.
الأكثر إثارة في هذا الواقع الرقمي الجديد هو صناعة "الصحافي" نفسه. ففي ولاية فلوريدا الأمريكية، كشف تحقيق مشترك لـ"ذا فلوريدا تريب" وإذاعة WGCU أن موقعاً إخبارياً كاملاً كان ينشر تقارير يومية بتوقيع صحافيين وهميين، مثل الزميلة الافتراضية "صوفيا ديلغادو"، التي كانت تمتلك صورة وسيرة مهنية محترمة، وتستطيع سرقة الأخبار وإعادة صياغتها في ثوانٍ. وقد أثبت خبير في السمعة الرقمية أنه يمكن إطلاق مؤسسة إعلامية متكاملة بهويتها البصرية وكتابها الوهميين ومقالاتها في غضون 15 دقيقة فقط.
في المغرب، تكتسب هذه الظاهرة بعداً كوميدياً إضافياً، خاصة بعد معاناة المشهد الإعلامي لسنوات من مواقع "الكوكوت مينوت" البشرية التي اعتمدت على النسخ واللصق. الآن، نواجه "كوكوت مينوت" سيليكونية فائقة السرعة. تخيلوا إغراء تأسيس موقع إخباري بعشرين صحافياً افتراضياً في 15 دقيقة، لا يتأخرون عن العمل، ولا يطالبون بالتأمين الاجتماعي، ولا يغضبون من تعديل المحتوى، وينتجون مئات المواد يومياً لاصطياد نقرات "غوغل" وإعلاناته بأقل تكلفة.
لكن خلف هذه السخرية، يكمن خطر حقيقي. يشرح سام غريغوري، الخبير في التضليل الرقمي، مفهوم "صحافة اللحم الوردي" (Pink Slime Journalism)، وهي المواقع الرخيصة التي تقدم بقايا الأخبار في شكل يشبه الصحافة المهنية. لم يعد الخطر يكمن في تصديق خبر زائف، بل في "تزييف البيئة الإعلامية بالكامل". في هذه البيئة المشوشة، يفقد القارئ الثقة في كل ما يقرأ، ويجد المسؤولون عن الفضائح ذريعة للتشكيك في التحقيقات الموثقة، مدعين أنها مجرد فبركات ذكاء اصطناعي، مما يمنح الكذابين حصانة رقمية للتشكيك في الحقيقة نفسها.
إذا أضفنا هذا التحول العالمي إلى واقعنا المحلي، حيث كشفت دراسة لمركز الجزيرة للدراسات عن اتساع الفجوة بين الجمهور المغربي ووسائل الإعلام التقليدية لصالح منصات التواصل الاجتماعي، سندرك أننا نتأخر عن الركب. فنحن ما نزال نضع القوانين لما حدث بالأمس، ونتجادل حول معايير الصحافة الكلاسيكية، بينما بدأت محركات البحث ونماذج اللغة الكبيرة تخلط بين التحقيقات الميدانية المعمقة والمقالات المسروقة التي تطبخها شخصيات افتراضية في ثوانٍ.
يستطيع الذكاء الاصطناعي اليوم أن يصطنع القلم، ويزور صورة الكاتب وسيرته الذاتية، ويبني واجهة جريدة في ربع ساعة. لكن الشيء الوحيد الذي تعجز الخوارزميات عن توليده هو الثقة والمساءلة الأخلاقية. ومع أن الثقة عملة نادرة تحتاج إلى صحافة حقيقية لحمايتها، فإننا ما نزال ننتظر انتهاء سباتنا، ولعلنا سنستيقظ لنكتشف أن الزميلة "صوفيا ديلغادو" قد انتخبت رئيسة للجنة أخلاقيات المهنة.
تكنولوجيا
تكنولوجيا
اقتصاد
تكنولوجيا