المغرب
سياسة

سبتة ومليلية: مفارقة الجغرافيا والتاريخ في مواجهة الأمر الواقع الإسباني

هسبريس17 أكتوبر 2026 في 00:380 مشاهدة
سبتة ومليلية: مفارقة الجغرافيا والتاريخ في مواجهة الأمر الواقع الإسباني

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العين والإبرة" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا تُعد السيادة مجرد شعار لشرعنة وضع قائم، ولا التاريخ مجرد رواية تُحسم بالتصريحات أو الزيارات الرسمية، ولا الجغرافيا ساحة تُعاد تشكيل حدودها وفق موازين القوى والمصالح. فالمحاولات الإسبانية لترسيخ سيادتها على سبتة ومليلية المحتلتين، عبر ممارسات رسمية ورمزية، لا تحسم الإشكال التاريخي والقانوني المحيط بهما، بل تسعى لتثبيت الأمر الواقع وإضفاء طابع الاعتياد عليه، تمهيدًا لتقديمه كوضع مستقر ونهائي. تتجاوز القضية بذلك حدود الخلاف السياسي المغربي الإسباني لتطرح إشكالية أعمق حول الاحتجاج بالأمر الواقع، ومدى مشروعية تحويل السيطرة الموروثة عن سياقات تاريخية توسعية إلى وضع يُراد تحصينه من المراجعة، مع تهميش المطالب المغربية وإبعادها عن النقاش الجاد. في مقابل تمسك مدريد بإدراج سبتة ومليلية ضمن سيادتها الوطنية، استنادًا إلى استمرارية إدارتها وإلحاقهما ببنيتها المؤسساتية، يؤكد المغرب مغربيتهما كجزء من قضيته الترابية ومطلب لاستكمال وحدته الوطنية. لا يتعلق جوهر الخلاف بمجرد الإقرار بواقع الإدارة الإسبانية، بل برفض اعتبار هذه الإدارة دليلًا حاسمًا على نهائية السيادة، أو اتخاذها ذريعة لتجاوز الخلفيات التاريخية والحجج التي يقوم عليها الموقف المغربي السليم والمشروع. فممارسة السلطة على إقليم ما تثبت واقع السيطرة عليه، لكنها لا تكفي، في حد ذاتها، لحسم جميع المسائل المتصلة بشرعية السيادة عليه؛ كما أن استمرار السيطرة بمرور الزمن لا يحولها تلقائيًا إلى تسوية نهائية للنزاع. تتوقف قوة الموقف المغربي على تماسك مرتكزاته الطبيعية والتاريخية والقانونية، ودقة توثيق حججه، واستمرار الترافع بشأنها في المحافل الدبلوماسية. فالدفاع عن مغربية سبتة ومليلية لا يكتسب وزنه من حدة الخطاب أو تكرار المواقف المبدئية فحسب، بل من القدرة على إخضاع السردية الإسبانية للفحص النقدي، ودحض مثالبها بالحجة الموثقة، بما يصون الثوابت الوطنية ويحول دون ترسيخ الأمر الواقع بوصفه مسلمةً بمنأى عن المساءلة.

تكتسب الجغرافيا أهمية استراتيجية في هذه القضية، لا لأنها تحسم السيادة وحدها، بل لأنها تحدد المجال الذي ينبغي فهم النزاع في سياقه. فسبتة ومليلية تقعان في شمال المغرب، ولا يغيّر ارتباطهما السياسي بإسبانيا من موقعهما القاري أو يفصلهما عن محيطهما الجغرافي والبشري والتاريخي. تبرز هذه الصلة في الامتدادات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية بين سبتة والفنيدق، ومليلية والناظور، فضلًا عن الروابط التاريخية والثقافية المتصلة ببلاد جبالة والريف. لا تقتصر أهمية هذه الروابط على بعدها المكاني، بل تكمن في إظهار أن المجال أوسع من حدوده الإدارية، وأن العلاقات البشرية والتاريخية لا تختزلها خطوط الفصل السياسي. تعريف المدينتين حصريًا من خلال وضعهما المؤسساتي الراهن يفضي إلى قراءة مجتزأة، تجعل الانتماء السياسي القائم يحجب السياق الإفريقي-المغربي الذي يمنح القضية أبعادها الجيوسياسية. هنا تتجلى محدودية السردية الإسبانية حين تجعل استمرارية الإدارة مدخلًا كافيًا لتقديم الوضع القائم باعتباره حسمًا نهائيًا. فالإدارة تحدد الجهة التي تمارس السلطة، لكنها لا تكفي، بمجرد استمرارها، لإثبات انقضاء المطالبة المغربية أو إغلاق النقاش بشأن جذور النزاع. في المقابل، تتعزز الحجة المغربية بربط المعطيات الجغرافية بالبحث التاريخي والتوثيق القانوني والترافع الدبلوماسي، دون تحميل أي عنصر منها ما لا يستطيع إثباته منفردًا. فالجغرافيا تكشف المجال، والتاريخ يضيء سياقات تشكّله، والقانون يقتضي دراسة الأسانيد، والدبلوماسية تحول المطالبة الوطنية إلى عمل متواصل ومتماسك.

تتجلى المفارقة الجيوسياسية في امتداد السيادة الإسبانية إلى مدينتين تقعان في شمال إفريقيا، ضمن المجال الجغرافي الطبيعي للمغرب، الذي يتمسك بمغربيتهما باعتبارهما جزءًا من قضيته الترابية. تستمد عبارة "العين والإبرة" دلالتها النقدية من مساءلة امتداد النفوذ الإسباني خارج المجال الأوروبي، في سياق تاريخي ارتبط بالتوسع الاستعماري في شمال إفريقيا. الإشكال ليس في اختلاف الموقع القاري عن الانتماء السياسي، بل في توظيف الارتباط المؤسساتي بإسبانيا لتثبيت الوضع القائم، مقابل تهميش السياق الجغرافي والتاريخي الذي يستند إليه الموقف المغربي. تزداد هذه المفارقة وضوحًا من خلال افتراض معاكس: ماذا لو كان المغرب يمارس سيادته على مدينتين تقعان داخل المجال الجغرافي الإسباني، على تخوم القارة الأوروبية؟ أكان الموقع الجغرافي سيحظى بالقدر نفسه من الحضور في الخطاب الإسباني والأوروبي عند مناقشة مشروعية ذلك الوضع؟ لا يرمي هذا الافتراض إلى إقامة تطابق قانوني بين حالتين مختلفتين، بل إلى مساءلة اتساق المعايير في تناول القضايا الترابية، والتنبيه إلى مخاطر إخضاع قراءتها لميزان القوة بدل الاحتكام إلى حججها التاريخية والقانونية. فانتماء إسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي لا ينقل سبتة ومليلية من إفريقيا إلى أوروبا، كما أن امتداد الأطر المؤسساتية الأوروبية إليهما لا يحسم، في ذاته، النزاع بشأن السيادة. فالموقع القاري حقيقة جغرافية، والارتباط المؤسساتي واقع سياسي، أما السيادة فتظل مسألة تستدعي النظر في أسانيدها المستقلة. وعليه، فإن عبارة "العين والإبرة" ليست تصنيفًا جغرافيًا أو قانونيًا، بل مفارقة سياسية تكشف بنبرة ساخرة تهافت السردية الاستعمارية، وتعيد توجيه النقاش نحو الأسس التاريخية التي يستند إليها الوضع القائم، وحق المغرب في مواصلة الترافع بشأن مغربية المدينتين.

تستند السردية الإسبانية بشأن سبتة ومليلية إلى امتداد حضورها التاريخي فيهما، وإدماجهما في بنيتها الدستورية والإدارية، فضلًا عن اختلاف مسارهما التاريخي عن مسار المناطق التي خضعت لنظام الحماية الإسبانية في شمال المغرب خلال القرن العشرين. غير أن هذه المعطيات، وإن فسّرت جانبًا من تشكّل الوضع القائم، لا تكفي وحدها لإثبات نهائية السيادة أو نفي مشروعية استمرار المطالبة المغربية. ثمة فارق جوهري بين استمرارية ممارسة السلطة، والأسانيد التي يُستند إليها في إثبات السيادة، ووجود تسوية نهائية للنزاع تحظى بقبول الطرفين. يبرز قصور الاستدلال الإسباني حين يُتخذ اختلاف المسار التاريخي ذريعةً لعزل المدينتين عن السياق الأوسع للتوسع الإسباني في شمال إفريقيا، أو حين يُستدل بالإدماج المؤسساتي على حسم مسألة السيادة. فهذه المعطيات تصف طبيعة الإدارة القائمة وتطورها، لكنها لا تكفي، بمفردها، لإغلاق النقاش بشأن الأسس التاريخية والقانونية للمطالبة المغربية. موطن الخلل يكمن في الانتقال من إثبات استمرارية السيطرة إلى افتراض نهائية السيادة، من دون تقديم ما يكفي لإثبات أن الأولى تفضي بالضرورة إلى الثانية. في المقابل، يتمسك المغرب بمغربية سبتة ومليلية في إطار قضيته الوطنية الرامية إلى استكمال وحدته الترابية، مستندًا إلى مرتكزات تاريخية وجغرافية وقانونية، وإلى استمرار المطالبة بهما في سياسته الرسمية. تقتضي مناقشة السردية الإسبانية، بناءً على ذلك، عدم الخلط بين الإقرار بواقع الإدارة القائمة والتسليم بنهائية الوضع الترابي، مع إخضاع الحجج المتقابلة للفحص والتوثيق. فموازين القوة قد تفسر نشوء أوضاع سياسية واستمرارها، لكنها لا تعفي من مناقشة الأسس التي تُبرَّر بها، كما أن الإدماج المؤسساتي لا يحسم، في حد ذاته، جميع أبعاد النزاع.

لا تُختزل النزاعات الترابية في الأوضاع التي أفرزتها التحولات التاريخية، بل تقتضي دراستها استحضار سياقات نشأتها، والمرتكزات التي تستند إليها المطالب المتصلة بها. في هذا الإطار، تندرج قضية سبتة ومليلية ضمن التاريخ المعقد للتوسع الإسباني في شمال إفريقيا، وتظل، وفق الموقف المغربي، مرتبطة بمطلب استكمال الوحدة الترابية للمملكة. اختزال القضية في واقعها الإداري الراهن، أو تقديمها باعتبارها مسألة محسومة لا تستدعي المراجعة، يتجاهل أبعادها التاريخية والسياسية، ويخلط بين استقرار وضع قائم وتسوية النزاع بشأنه. الإشكالية الأساسية تتمثل في السعي إلى تحويل استمرارية الإدارة الإسبانية إلى دليل على نهائية السيادة، بما يجعل الأمر الواقع أساسًا لإقصاء المطالبة المغربية من النقاش. غير أن استمرار ممارسة السلطة، مهما طال أمده، لا يغني عن فحص الأسانيد التاريخية والقانونية ذات الصلة، مثلما لا يُعد الإدماج في المؤسسات الإسبانية دليلًا كافيًا على وجود تسوية متوافق عليها بين المغرب وإسبانيا. نقد السردية الإسبانية يقتضي تفكيك منطلقاتها ومساءلة الاستنتاجات التي تُبنى عليها، بدل الاكتفاء برفضها في خطاب سياسي عام. في المقابل، تتوقف فاعلية الموقف المغربي على وصل المطالبة الوطنية بسياقها التاريخي، وتعزيزها ببحث موثق وتحليل قانوني رصين وترافع دبلوماسي متواصل. فاستحضار تاريخ التوسع لا يغني عن إقامة الحجة، كما أن التمسك بالحقوق الوطنية يزداد قوة كلما استند إلى أدلة دقيقة وخطاب قادر على إقناع الرأي العام الدولي. جوهر الموقف المغربي لا يكمن في إنكار واقع السيطرة القائمة، بل في رفض اتخاذه مسوّغًا كافيًا لإعلان انتهاء النزاع، والتأكيد على أن مشروعية المطالب الترابية لا تُحسم بمجرد ترسيخ الأمر الواقع، وإنما تقتضي مناقشة الأسانيد التاريخية والقانونية التي يقوم عليها كل موقف.

قضية سبتة ومليلية ليست خلافًا حول الحدود وحدها، بل ملف تتقاطع فيه الجغرافيا والتاريخ والسيادة والذاكرة الوطنية وتوازنات القوة. من المنظور المغربي، تظل مغربية المدينتين جزءًا من تصور المملكة لوحدتها الترابية وقراءتها لتاريخ علاقاتها بإسبانيا. وضوح المطالبة وشرعيتها لا يغني عن بناء استراتيجية متكاملة تحوّل الثابت الوطني إلى ترافع مؤسسي يستند إلى الوثائق والتحليل القانوني والمعرفة الجيوسياسية، ويستوعب خصوصية كل موقع من المواقع المعنية، بدل افتراض تطابق أسانيدها التاريخية والقانونية. يقتضي هذا المسار التمييز بين ثبات الموقف ومرونة الوسائل: صون المطالبة المغربية مع تطوير أدوات الدفاع عنها، وتفكيك الحجج الإسبانية في ضوء معطياتها الفعلية، وكشف حدود الانتقال من استمرارية الإدارة إلى ادعاء نهائية التسوية. يستلزم خطابًا متزنًا يميّز بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات السياسية، ويخاطب الرأي العام الدولي بلغة الحجة والتوثيق، لا بالتعبئة وحدها. في هذا السياق، لا تعني متطلبات حسن الجوار التسليم بالسردية الإسبانية، كما لا يستوجب الدفاع عن الوحدة الترابية إغلاق أبواب الحوار. فالتعاون الثنائي والمصالح المشتركة لا يلغيان القضايا العالقة، مثلما أن استمرار الخلاف لا ينبغي أن يحول دون تدبيره بمسؤولية. قوة الموقف المغربي تكمن في وضوح غايته، ودقة أسانيده، ورصانة لغته، واستدامة ترافعه؛ بما يوازن بين صلابة الثوابت الوطنية ومتطلبات السياسة الواقعية، وبين استحضار الذاكرة التاريخية والانضباط لمقتضيات الإثبات القانوني. وهكذا، لا تكون الغاية مجرد تأكيد المطالبة، بل تعزيز قدرتها على الإقناع والتأثير، وتحويلها إلى عمل دبلوماسي طويل النفس يصون ثوابت المملكة المغربية ويخدم مصالحها الاستراتيجية. فالجغرافيا لا تتبدل بتغير الخطاب، والتاريخ لا يُختزل في الروايات الرسمية، والأمر الواقع لا يستنفد، بمجرد استمراره، جميع الأسئلة المتعلقة بأصوله ودلالاته. يظل الرهان المغربي قائمًا على الجمع بين ثبات المطالبة ونزاهة البرهان، وبين الوعي بالتعقيد السياسي والإصرار على مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية بأدوات المعرفة والقانون والدبلوماسية.

شارك الخبر: