المغرب
تكنولوجيا

وزارة الذكاء الاصطناعي: ضرورة استراتيجية لا ترفٌ كمالي

هسبريس17 أكتوبر 2026 في 11:580 مشاهدة
وزارة الذكاء الاصطناعي: ضرورة استراتيجية لا ترفٌ كمالي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "وزارة الذكاء الاصطناعي ليست ترفا؟" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في خضم تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، أثيرت تساؤلات، بعضها يحمل نبرة سخرية، حول جدوى استحداث وزارة تحمل اسم «الذكاء الاصطناعي». إلا أن نظرة متفحصة لتجارب الدول الرائدة تكشف أن السؤال الأهم ليس «لماذا الآن؟»، بل «لماذا تأخرنا إلى الآن؟». ففي الوقت الذي انشغل فيه البعض بالاستغراب من تخصيص وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، متسائلين عن حاجة بلد يواجه تحديات في التشغيل والصحة والتعليم لمثل هذه الوزارة، اعتبر البعض الآخر أن إسناد هذا القطاع لوزير مع وزيرة منتدبة يعد تبذيراً للمال العام. هذه الأصوات، وإن كانت تعبر جزئياً عن إرهاق من حقائب وزارية تُستحدث دون أثر ملموس، إلا أنها تنبع أيضاً من تصور يعتبر الذكاء الاصطناعي مجرد رفاهية تقنية للدول الغنية، بينما هو في حقيقته أداة أساسية لحل المشكلات الملحة. إن تخصيص وزارة كاملة لهذا القطاع ليس مغامرة في المجهول، بل هو استدراك لتأخر تراكمي لعقود، والدول المتصدرة عالمياً اليوم بلغت هذا المستوى بفضل جعل هذا الملف شأناً مؤسساتياً قبل أن يكون تقنياً.

اقتصاد يعاد رسمه

تُظهر التقديرات حجم الرهان الاقتصادي للذكاء الاصطناعي؛ ففي عام 2017، قدرت مؤسسة «برايس ووترهاوس كوبرز» أن الذكاء الاصطناعي سيضيف حوالي 15.7 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول عام 2030. وفي عام 2023، قدرت «ماكنزي» أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده قد يضيف ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنوياً. هذه الأرقام ليست مجرد تكهنات، بل تتجسد في الواقع؛ ففي أكتوبر 2024، مُنحت جائزة نوبل للكيمياء لمطوري نظام «ألفافولد» الذي استخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ ببنية البروتينات، وهو إنجاز استغرق عقوداً من البحث. كما مُنحت جائزة نوبل للفيزياء لرائدين في مجال الشبكات العصبية الاصطناعية. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية أساسية للصحة، الفلاحة، الصناعة، العدالة، والتعليم، ومن يتعامل معه كملف ثانوي يقرر سلفاً أن يظل مستهلكاً لما ينتجه الآخرون.

الخليج: حين تسبق المؤسسة النتيجة

تُعد الإمارات نموذجاً رائداً في هذا المجال؛ ففي أكتوبر 2017، عينت أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي في العالم. تبع ذلك إعلان استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي 2031، وتأسيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وإطلاق نموذج لغوي وطني («فالكون»). كما أعلنت الإمارات أن «المنظومة الوطنية للذكاء الاصطناعي» ستصبح عضواً استشارياً في مجلس الوزراء والجهات الاتحادية اعتباراً من يناير 2026. أما السعودية، فقد أنشأت هيئة وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي («سدايا») عام 2019، ويرأس مجلس إدارتها ولي العهد، وأطلقت شركة «هيوماين» لتغطية سلسلة القيمة الكاملة في هذا المجال. وأعلنت المملكة عام 2026 «عاماً للذكاء الاصطناعي»، ووصل عدد المستفيدين من مبادرة «سماي» للتكوين في البيانات والذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مليون مواطن. الدرس المستفاد من تجربة الخليج هو أن بناء المؤسسات أولاً هو ما يصنع السوق والكفاءات.

أوروبا: الدولة الرقمية ومنطق السيادة

في إستونيا، البلد الذي خرج من الحقبة السوفياتية، راهنت منذ التسعينيات على برنامج «قفزة النمر» لإدخال الحواسيب والإنترنت للمدارس، وبنت إدارة رقمية تكاد تخلو من الورق. يمثل قطاع تكنولوجيا المعلومات أكثر من 9% من القيمة المضافة في اقتصادها. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، أطلقت إستونيا برنامج «قفزة الذكاء الاصطناعي» لتكوين التلاميذ والمدرسين. وفي فرنسا، بدأت القصة بتقرير لعالم الرياضيات سيدريك فيلاني عام 2018، وتوجت بقمة باريس للعمل حول الذكاء الاصطناعي في فبراير 2025، مع تعهدات استثمارية بقيمة 109 مليارات يورو. كما أحدثت فرنسا معهداً وطنياً لتقييم أمن الذكاء الاصطناعي وسلامته، وأبرمت اتفاقاً مع شركة «ميسترال» لضمان استقلاليتها في القرارات الحساسة. فرنسا تنظر للذكاء الاصطناعي كمسألة استقلال وطني.

آسيا: حين يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة

تستحوذ الصين على 54% من الروبوتات الصناعية المركبة سنوياً عالمياً، وجعلت خطتها الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030) «الذكاء المتجسد» أولوية صناعية. أما اليابان، فرغم ريادتها التاريخية في الروبوتات، فقد أقرت بتأخرها في الاستثمار والاستعمال، واعتمدت أول قانون خاص بالنهوض بالذكاء الاصطناعي، وأحدثت «مقراً استراتيجياً» لتنسيق السياسة الوطنية. إذا كانت اليابان، بكل رصيدها التكنولوجي، ترى نفسها في موقع من يحتاج إلى الاستدراك، فبأي منطق يُعدّ استحداث وزارة مغربية للقطاع ترفاً؟

المغرب: من الوزارة المنتدبة إلى الوزارة الكاملة

لم يكن المغرب غريباً عن هذا الملف، فقد أحدثت عام 2021 وزارة منتدبة للانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، وأطلقت استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، ورقمنت أكثر من ستمائة خدمة عمومية. لكن تقديرات البنك الدولي تشير إلى حاجة المغرب لأكثر من 45 ألف متخصص في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات بحلول عام 2030، مما يكشف حجم الفجوة بين ما تحقق وما يلزم. الانتقال من وزارة منتدبة إلى وزارة قائمة بذاتها هو تطور منطقي، فالوزارة الكاملة تملك ميزانيتها وأدوات تدخلها وقدرتها على حمل القطاعات الأخرى على الانخراط. أما وجود وزيرة منتدبة مكلفة بإصلاح الإدارة، فهو فصل بين ورش تقني متخصص وورش إداري يمس الموظفين والمساطر.

الوجه الآخر: مخاطر لا يجوز التهوين منها

لا يعني الدفاع عن الوزارة التبشير الساذج بالتكنولوجيا. فقد قدر صندوق النقد الدولي عام 2024 أن قرابة 40% من الوظائف في العالم معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي. وتضاف إلى ذلك مخاطر التزييف العميق، والتحيز الخوارزمي، والمراقبة الشاملة، والكلفة الطاقية الهائلة، وتركّز القوة التكنولوجية. وهنا تبرز ضرورة الوزارة لتأطير الذكاء الاصطناعي، كما فعل الاتحاد الأوروبي بقانونه، واليابان بحكامتها المرنة، وفرنسا بمعهدها الوطني. المغرب، الذي يملك قانوناً لحماية المعطيات الشخصية، يحتاج إلى جهة تحوّل هذه الأدوات المتفرقة إلى سياسة متكاملة تحمي المواطن دون أن تخنق الابتكار.

كلفة الغياب أعلى من كلفة الحضور

السؤال ليس هل نحتاج إلى وزارة للذكاء الاصطناعي، بل هل نملك ترف ألا تكون لنا واحدة. فكل سنة تأخر يتكبدها البلد في بناء كفاءاته وبنياته وتشريعاته تعني مزيداً من التبعية لنماذج تُصمم بلغات وقيم ومصالح غير لغاتنا وقيمنا ومصالحنا. إحداث الوزارة هو مجرد بداية، وسيُحكم عليها بما تنجزه من خدمات للمواطن، وبالكفاءات التي تكوّنها وتستبقيها، وبالقواعد التي تصون الحقوق. ومن حق المواطنين، بمن فيهم المتشككون، أن يحاسبوها على هذا الأساس. أن يُستكثر على المغرب أن يضع هذا الملف حيث وضعته الإمارات قبل تسع سنوات، وحيث تضعه اليابان والصين وفرنسا اليوم، هو الترف الحقيقي.

شارك الخبر: