الأحزاب المغربية في مفترق طرق: بين الرغبة في السلطة وغياب البدائل الحقيقية


هذا الخبر بعنوان "بين هوس السلطة وغياب البدائل.. أزمة الأحزاب المغربية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وجهة نظر الحسين خاوتي 17 أكتوبر 2026 - 18:36
أعاد الإعلان عن التشكيلة الحكومية المغربية يوم 16 أكتوبر 2026 طرح سؤال جوهري حول تجديد النخب السياسية. فمع تغير التحالفات وتوزيع الحقائب الوزارية، تتجدد آمال المواطنين في صعود قيادات جديدة قادرة على تحمل المسؤولية والاستجابة للتحولات المجتمعية المتسارعة. ولكن، استمرار وجوه مألوفة في مواقع القرار يثير تساؤلاً عميقاً: هل تمتلك الأحزاب المغربية القدرة على تجديد قياداتها، أم أن تداول المسؤوليات يظل محصوراً في دائرة ضيقة من الفاعلين؟ تتيح هذه التشكيلة الحكومية فرصة لمناقشة معايير اختيار المسؤولين، ومدى استعداد الأحزاب لإعداد قيادات جديدة، وتحقيق التوازن المنشود بين الخبرة وتجديد المشاركة السياسية. إنها مسألة تتعلق بمستقبل التنظيمات الحزبية، وقدرتها على إنتاج الكفاءات، وتطوير برامجها، وإتاحة الفرصة أمام الأجيال الجديدة للمساهمة في تدبير الشأن العام.
يلاحظ استمرار عدد من الفاعلين السياسيين في التنقل بين المسؤوليات الحزبية والبرلمانية والحكومية، بينما تظل فرص صعود وجوه جديدة محدودة مقارنة بالتحولات الاجتماعية والثقافية والديمغرافية التي يشهدها المغرب. تطرح هذه الظاهرة تساؤلات حول معايير الترقي داخل الأحزاب، ومدى قدرة التنظيمات على توسيع قاعدة المشاركة وإعداد قيادات مؤهلة. تؤدي الأحزاب دوراً أساسياً في الحياة الديمقراطية، فهي تؤطر المواطنين، وتكوّن القيادات، وتستقطب الكفاءات، وتحول المطالب الاجتماعية إلى برامج وسياسات عمومية. وتتطلب هذه الوظائف تنظيمات تتيح لأعضائها فرصاً عادلة للتعلم والتنافس وتحمل المسؤولية، وتضمن للقواعد دوراً فعالاً في اختيار القيادات والمرشحين.
تثير استمرارية الأسماء نفسها تساؤلات حول المعايير المعتمدة في اختيار المسؤولين. هل تحكم الكفاءة والإنجاز عملية الترقي؟ هل يجد الشباب والنساء والكفاءات القادمة من خارج دوائر النفوذ فرصاً حقيقية للصعود؟ وهل تستطيع القواعد الحزبية التأثير في قرارات القيادة ومحاسبتها؟ قد تعكس استمرارية مسؤول معين خبرة متراكمة أو ثقة انتخابية أو قدرة على الإنجاز. غير أن استمرار القيادات عبر دورات متعددة، مع ضعف التنافس الداخلي وغياب التقييم المنتظم، يفتح المجال أمام احتكار المسؤوليات ويحد من فرص المنافسة. وتتعلق المشكلة، أساساً، بمعايير الوصول إلى مواقع القرار، وقدرة الأحزاب على إعداد بدائل مؤهلة، وربط تداول الأشخاص بتطوير الأفكار والبرامج وأساليب العمل.
تتداخل عوامل تنظيمية وسياسية واقتصادية وثقافية في تفسير ضعف تجديد النخب. ويبرز ضعف الديمقراطية الداخلية ضمن أبرز هذه العوامل، عندما تتركز سلطة القرار في نطاق ضيق، وتؤثر الولاءات الشخصية والتوازنات التنظيمية في اختيار المرشحين والمسؤولين. في ظل هذه الممارسات، يجد العضو الشاب صعوبة في الانتقال من العمل القاعدي إلى مواقع المسؤولية، بينما يستفيد أصحاب النفوذ التنظيمي من شبكات العلاقات والخبرة المتراكمة. وتضيق فرص التنافس عندما تغيب المعايير المعلنة للترشيح والترقية، أو تنفرد القيادات بقرارات الاختيار. وترتبط المنافسة الانتخابية أيضاً بتكاليف مالية وتنظيمية، وبالحاجة إلى حضور ميداني وشبكات اجتماعية قادرة على تعبئة الناخبين. وتخدم هذه الشروط الأسماء المعروفة والفاعلين الذين راكموا نفوذاً محلياً، بينما تواجه الكفاءات ذات الخبرة المهنية والفكرية صعوبات إضافية عندما تفتقر إلى الموارد نفسها. أما العامل الثالث، فيتمثل في ضعف التكوين السياسي المستمر. فالأحزاب التي تستقطب المرشحين مع اقتراب الانتخابات تضطر إلى البحث عن شخصيات جاهزة، عوض الاستثمار طويل الأمد في تكوين القيادات المحلية والشبابية والبرلمانية. ويتيح التأطير المنتظم للأعضاء إعداد بدائل متعددة، ويجعل انتقال المسؤوليات جزءاً طبيعياً من الحياة التنظيمية. وتؤثر النظرة إلى السياسة باعتبارها طريقاً إلى المناصب والامتيازات في طبيعة التنافس الداخلي. فعندما تنصرف الطموحات إلى المقاعد والحقائب، تتراجع مكانة النقاش الفكري وتطوير البرامج وتقييم السياسات العمومية. ويصبح توزيع المسؤوليات محوراً للصراع الحزبي، على حساب بناء مشروع يستجيب لمطالب المجتمع. وتحتاج معالجة هذه الاختلالات إلى قواعد معلنة للترشيح، وتكوين مستمر للقيادات، وتقييم موضوعي للأداء، وضمان فرص المنافسة أمام الكفاءات المؤهلة.
تمنح المسؤولية السياسية صاحبها فرصاً للتأثير في القرارات، والحضور في المجال العام، وبناء شبكة من العلاقات التنظيمية والاجتماعية. ومع تراكم هذه المكاسب، قد يصبح المنصب جزءاً من المكانة الشخصية والاعتبار الاجتماعي، فتزداد صعوبة مغادرته، خصوصاً عندما تتشكل حوله مصالح وشبكات نفوذ. وتتعقد المشكلة عندما تربط القيادة استقرار الحزب باستمرارها، وترى في تداول المسؤولية مخاطرة تنظيمية. وقد يؤدي هذا التصور إلى تضييق المنافسة، وإضعاف المبادرات الداخلية، وترسيخ نفوذ مجموعة محدودة من الأشخاص. وتحيل هذه الظاهرة إلى مفهوم النزعة الأوليغارشية داخل التنظيمات، الذي ناقشه عالم الاجتماع الألماني روبرت ميخلز في دراسته حول الأحزاب السياسية. فقد شرح كيف تمنح البيروقراطية التنظيمية واحتكار الخبرة والموارد القيادات قدرة على تعزيز مواقعها، وتحد من قدرة القواعد على مراقبتها ومحاسبتها. وتساعد هذه المقاربة على فحص آليات اشتغال الأحزاب المغربية، ومدى خضوع قياداتها للمنافسة الداخلية، وفعالية القواعد المنظمة لانتخاب المسؤولين وتجديدهم. ويحتاج التداول على المسؤولية إلى مدد محددة للولايات التنظيمية، وانتخابات داخلية نزيهة، وتقييم دوري للإنجاز، وإتاحة الفرصة أمام المنافسين لتقديم برامج بديلة. كما يحتاج إلى ثقافة سياسية تقبل انتقال القيادة وتحترم حق الأعضاء في الاختيار. وتقوم قيمة المسؤول السياسي على قدرته على إعداد خلفاء مؤهلين، ونقل خبرته إلى الأجيال الجديدة، وبناء مؤسسات تستطيع مواصلة العمل بعد مغادرته. فالمسؤولية تكليف محدد المدة، ومجال للمحاسبة، وفرصة لخدمة الصالح العام.
يثير انتقال النفوذ السياسي داخل الأسر والمحيط الاجتماعي القريب نقاشاً حول تكافؤ الفرص. فقد ينخرط أفراد الأسرة نفسها في العمل السياسي بدافع الاهتمام بالشأن العام، أو نتيجة تجربة عائلية ممتدة، أو اعتماداً على استحقاق انتخابي. وتحتاج هذه الحالات إلى تقييم المسارات الفردية وفق معايير موحدة. ويبرز الإشكال عندما تمنح الروابط العائلية أصحابها فرصاً استثنائية للوصول إلى مواقع النفوذ، أو عندما تتحول الشهرة العائلية والقدرة على تعبئة الموارد إلى امتياز يصعب على المرشحين الآخرين منافسته. وقد تسهم هذه الممارسات في إعادة إنتاج النخب عبر شبكات القرابة والمصالح المتراكمة. فالمنصب العمومي مسؤولية تجاه المواطنين، والمنافسة السياسية تحتاج إلى شروط عادلة تتيح للمرشحين المؤهلين فرصاً متكافئة. وعندما يشعر المواطن بأن النفوذ ينتقل داخل دوائر عائلية مغلقة، تتراجع ثقته في نزاهة المنافسة وفي قدرة المؤسسات على ضمان تكافؤ الفرص. ويقتضي التحليل الموضوعي التمييز بين القرابة والمحاباة، وبين المشاركة السياسية المشروعة واستغلال النفوذ. وتحتاج مساءلة هذه الظاهرة إلى معطيات موثقة حول شروط الترشح والتزكية، وتضارب المصالح، ومصادر الامتيازات، ومدى احترام قواعد الشفافية. أما إطلاق الأحكام على الأشخاص بسبب انتمائهم العائلي وحده، فيضعف الحجة النقدية ويصرف الانتباه عن مسؤولية المؤسسات في ضمان المنافسة العادلة.
يساعد تشبيب المؤسسات على توسيع مشاركة الأجيال الجديدة، غير أن تجديد النخب يحتاج إلى تغيير يمس الأفكار وأساليب العمل ومعايير تدبير المسؤولية. فالشباب الذين يصلون إلى مواقع القرار عبر آليات تقوم على الولاءات نفسها قد يعيدون إنتاج الممارسات القائمة، حتى مع اختلاف أعمارهم وتجاربهم. وفي المقابل، يستطيع السياسي الذي راكم خبرة طويلة الإسهام في التجديد عندما يقبل التقييم، ويفتح المجال أمام المنافسة، ويعمل على إعداد قيادات جديدة. ويشمل التجديد ثلاثة مستويات مترابطة: تجديد الأشخاص، وتطوير الأفكار والبرامج، وتحديث أساليب العمل واتخاذ القرار. يتعلق المستوى الأول بإتاحة الفرص أمام وجوه جديدة، أما الثاني فيشمل صياغة حلول للمشكلات العامة، بينما يركز الثالث على التواصل مع المواطنين وتقييم النتائج ومحاسبة المسؤولين. وتتطلب التحولات الاجتماعية استجابة حزبية لتطلعات الشباب إلى فرص الشغل والتعليم الجيد والخدمات الصحية والعدالة المجالية. كما تفرض المطالب المتعلقة بالشفافية والكرامة والإنصاف تطوير البرامج، وتحسين أدوات الاستماع إلى المواطنين، وإشراك الكفاءات في صياغة الحلول. وتحتاج الكفاءة السياسية إلى معرفة تقنية، وقدرة على التواصل والتفاوض، وفهم للتحولات الاجتماعية والاقتصادية. كما تحتاج إلى مؤسسات تتيح التعلم التدريجي، وتمنح المبادرات الجديدة فرصاً للاختبار، وتربط الترقي بالإنجاز والالتزام بالمسؤولية. ويصبح تجديد النخب ممارسة مؤسساتية عندما تستثمر الأحزاب في إعداد القيادات، وتقيّم أداءها، وتفتح المجال أمام تداول المسؤوليات، عوض الاكتفاء بتغيير الأسماء أو تقديم وجوه شابة خلال الحملات الانتخابية.
تتيح التشكيلة الحكومية الجديدة فرصة لمناقشة التوازن بين الاستمرارية والتغيير. فقد احتفظ بعض الوزراء بمواقعهم، كما أعادت التشكيلة وجوهاً قديمة مرت في حكومات سابقة، ودخلت شخصيات أخرى إلى المسؤولية، كما تضم التشكيلة كفاءات ذات مسارات مهنية وإدارية. وتعكس هذه الاختيارات اعتبارات متعددة، تشمل التوازنات الحزبية والخبرة القطاعية وطبيعة الحقائب وتقديرات المرحلة السياسية. ويحتاج تقييم التجديد إلى دراسة المسارات السياسية والمهنية لأعضاء الحكومة، وأعمارهم وتجاربهم، والفرص المتاحة أمام قيادات جديدة. كما يتطلب فحص قدرة الأحزاب على إعداد مرشحين مؤهلين للمسؤوليات الحكومية والبرلمانية. وقد يشكل دخول شخصيات جديدة مؤشراً إيجابياً عندما يرتبط بسياسة مستمرة لإعداد القيادات. كما تستطيع استمرارية بعض الوزراء خدمة العمل الحكومي عندما تقوم على الخبرة والإنجاز والمحاسبة. ويظل الحكم على التجربة مرتبطاً بالنتائج المحققة في القطاعات الحكومية ومدى الاستجابة لانتظارات المواطنين. وتقع على الأحزاب مسؤولية توضيح معايير اختيار ممثليها، وتقديم مساراتهم المهنية والسياسية للرأي العام، وشرح كيفية الموازنة بين الكفاءة والتمثيلية السياسية والخبرة وتجديد القيادات. ويساعد نشر معايير الترشح والتزكية، وإجراء تقييمات دورية للأداء، وتفعيل التداول على المسؤوليات التنظيمية، على ترسيخ تجديد النخب داخل المؤسسات الحزبية. كما تعزز هذه التدابير الثقة في القرارات التنظيمية وتوسع فرص المشاركة أمام الكفاءات الشابة.
تحتاج الأحزاب إلى تقديم نماذج مقنعة في التمثيل والتدبير والمحاسبة لتعزيز ثقة المواطنين. فالتنظيم الذي يدعو إلى إصلاح المؤسسات العمومية وتعزيز الحكامة مطالب بتطبيق هذه المبادئ داخلياً، عبر الشفافية في اتخاذ القرار، والعدالة في توزيع الفرص، واحترام حق الأعضاء في المنافسة واختيار القيادات. وعندما تتباعد الممارسة عن الخطاب، يفقد العمل الحزبي جاذبيته لدى الشباب والكفاءات التي تبحث عن مسارات واضحة للمشاركة وتحمل المسؤولية. وقد يدفع هذا الوضع بعض الطاقات إلى الابتعاد عن العمل السياسي، تاركاً المجال أمام أصحاب الموارد والشبكات التنظيمية الراسخة. وتؤثر هذه الدينامية في قدرة الأحزاب على تأطير المجتمع ونقل مطالبه إلى المؤسسات، كما تحد من قدرتها على استيعاب التحولات الاجتماعية وصياغة حلول للمشكلات العامة. وتحتاج استعادة الثقة إلى إشراك القواعد والناخبين في صياغة البرامج، وتطوير آليات الاستماع والتقييم، وربط المسؤوليات بالنتائج، وفتح المجال أمام الكفاءات المستقلة والشبابية للمساهمة في العمل الحزبي. وتتعزز الثقة عندما يجد المواطن مساراً واضحاً وعادلاً للوصول إلى المسؤولية، ويشعر بأن الحزب يتيح المنافسة ويخضع قياداته للمحاسبة ويحترم التداول على المواقع. عندها تصبح المشاركة السياسية فرصة لخدمة الصالح العام، ومسؤولية ترتبط بالإنجاز والالتزام تجاه المواطنين.
الوسوم: الأحزاب السياسية، الأغلبية الحكومية، الحكومة الجديدة، فاطمة الزهراء المنصوري
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة