المسؤول الجامعي بين الولاء للمنصب والمبدأ: دراسة في التحولات السريعة مع كل وزير جديد


هذا الخبر بعنوان "وزير يرحل… ووجه يدور: المسؤول الجامعي بين المبدأ والكرسي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 19 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في المشهد الجامعي المغربي، تتجلى لحظة فارقة بين رحيل وزير واستلام آخر، لحظة يلفها الصمت لكنها محط أنظار الجميع. يواجه المسؤول الجامعي، سواء كان رئيساً أو عميداً أو مديراً، اختباراً لا يتعلق بالعلم أو البحث أو شؤون الطلاب، بل هو اختبار للتوجه: إلى أين يتجه؟ وما هو الخطاب الذي يتبناه؟ وأي ذاكرة مؤسسية يتظاهر بنسيانها؟
المفارقة ليست في تغيير المسؤول لموقفه، فالإنسان يغير مواقفه بتغير الظروف. المفارقة تكمن في تغير الموقف بدقة ميكانيكية مع تغير الوزير. فمن كان بالأمس يشيد بحكمة ورؤية الوزير السابق، يصبح اليوم أول من يتحدث عن "الإرث الثقيل" و"الملفات المتراكمة". ومن كان يشتكي من تعنت الوزير السابق، يكتشف فجأة أن الوزير الجديد "رجل حوار وانفتاح"، حتى قبل أن يعقد معه اجتماعاً واحداً. يبدو الولاء وكأنه ظل يتبع صاحبه، لا قراراً يُتخذ.
هذا الانقلاب السريع ليس ظاهرة فردية، بل هو بنية متكررة في الثقافة الإدارية الجامعية. فالمسؤول الجامعي في المغرب ليس مجرد مدير لمؤسسة أكاديمية، بل هو لاعب في شبكة علاقات تمتد من الوزارة إلى الحكومة، مروراً بالمجالس المنتخبة والوسائط الحزبية. موقعه في هذه الشبكة لا يُحدد بكفاءته التدبيرية فحسب، بل بقدرته على قراءة اتجاه الريح قبل هبوبها. ولذلك، عند تغير الوزير، لا يتغير المسؤول بالضرورة، لكنه "يعدّل بوصلته" فوراً، مقنعاً نفسه بأنه لم يغير شيئاً، بل "واكب المستجدات".
ما الذي يخشاه المسؤول الجامعي بالضبط؟ الخشية ليست وهمية. فالوزير الجديد يملك صلاحيات التعيينات والتجديدات والتقييمات. الوزارة قادرة على تسريع ترقية أو تجميدها، فتح ملف أو إغلاقه، إرسال لجنة تفتيش أو تجاهل شكوى. والمسؤول الجامعي، مهما بلغت استقلاليته القانونية، يدرك أن "الاستقلالية" في المغرب نسبية، وأن الهواء الإداري يأتي من الوزارة. وعندما يتغير مصدر الهواء، يتغير التنفس.
لكن الخشية الأولى ليست من الوزير وحده. فالمسؤول الجامعي يهاب أيضاً نقابة الأساتذة والموظفين، التي تملك ذاكرة لا تغيب وملفات لا تُنسى. يخشى أن يُسجل عليه موقف، أو يُروى عنه كلام، أو يُنقل عنه ما قاله في مجلس مغلق. يتمنى ألا يُسمع عنه سوء، لا من الوزير ولا من النقابة ولا من الأساتذة ولا حتى من الطلاب. ولذلك، يحسب كل كلمة ويزن كل موقف، ليس حباً في الحكمة، بل خوفاً من أن يُذكر اسمه في سياق لا يحبه. يصبح همه الأول ألا يُقال عنه شيء، لا أن يُقال عنه الحق. هنا، تتقدم الصورة على المبدأ، ويصبح الصمت أحياناً أأمن من الكلام، والتملق أأمن من الصدق.
واللافت أن هذا الانقلاب لا يُمارس بشفافية. لا أحد يقول: "أنا أغير موقفي لمصلحتي". بدلاً من ذلك، تُلبس المواقف الجديدة ثوب المبدأ. من كان يدافع عن قانون بالأمس، يكتشف اليوم "ثغراته". ومن كان يهاجم مشروعاً، يجد فيه فجأة "إيجابيات لم تُلحظ سابقاً". الخطاب الأكاديمي، الذي يُفترض أن يقوم على الحجة والدليل، يتحول إلى دبلوماسية ناعمة، لغة تتجنب الاصطدام وترضي من يملك القرار. النتيجة أن المبدأ يذوب في المصلحة، ويصبح المسؤول كمن يبحث عن ظهر يستند إليه، لا عن حقيقة يدافع عنها.
هذا السلوك ليس خاصاً بالمغرب. ففي أدبيات الحكامة الجامعية، تُنتج فترات الانتقال الوزاري "ولاءات مرنة"، حيث يعيد الفاعلون الإداريون تموضعهم استباقاً للتغيير. لكن الفارق أن في الأنظمة التي تُقيَّم فيها الجامعات بمعايير مستقلة، يكون ثمن هذا التموضع أقل، لأن مصير المسؤول لا يتوقف كلياً على مزاج الوزير. أما حين تظل التعيينات مركزية والتقييم غامضاً، ويظل صوت النقابة مسموعاً وذاكرتها حاضرة، يصبح التملق استراتيجية بقاء، والانقلاب على الذات مهارة إدارية، والخوف من "الكلام" دافعاً أقوى من أي مبدأ.
السؤال الذي يطرحه الطلبة والأساتذة، وإن بصوت خافت: إذا كان المسؤول الجامعي مستعداً لتغيير قناعاته مع كل وزير، ويخشى حتى من كلمة تُقال عنه في نقابة أو مجلس، فكيف يمكن أن يُؤتمن على مشروع جامعي طويل المدى؟ كيف يدير إصلاحاً بيداغوجياً يحتاج سنوات، وهو يعلم أن ولاءه الأول ليس للمؤسسة بل للمنصب، وهمه الأول ألا يسمع عنه سوء؟
الجامعة، في نهاية المطاف، ليست وزارة. وظيفتها إنتاج المعرفة ونقد السلطة، لا مجاملتها. ومسؤولها الأول يجب أن يكون حارساً لاستقلالها، لا مترجماً لأهواء من يجلس على كرسي الوزارة، ولا خائفاً من ظلٍّ يُقال عنه. لا أحد يطلب من المسؤول الجامعي أن يكون عدائياً للوزير ولا للنقابة. التعاون مؤسسي ومشروع، والحوار مع النقابة واجب. لكن الفارق بين التعاون والتملق هو الفارق بين من يقول "سأعمل مع الوزير الجديد وفق القانون"، ومن يقول "لطالما حذرت من سياسات الوزير السابق". الأول يحفظ كرامة المؤسسة، والثاني يحفظ كرسيه. ومن يخشى كلمة الحق خوفاً من كلمة الناس، لا يصلح أن يُدير مؤسسة يُفترض أن تُعلّم الناس قول الحق.
الوزراء يرحلون. الحكومات تتغير. النقابات تبقى. لكن الذاكرة المؤسسية تبقى أيضاً. وكل مسؤول جامعي يظن أن انقلابه السريع ذكاء إداري، سيُذكر له لاحقاً في ملف آخر. ليس لأن أحداً سيحاسبه، بل لأن الجامعة، إذا أرادت أن تكون جامعة حقاً، لا بد أن تتذكر من قلب وجهه في اللحظة التي كان فيها الوجه ثابتاً مطلوباً، ومن صمت خوفاً من كلمة، في اللحظة التي كان فيها الكلام واجباً.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة