المغرب
سياسة

الهجرة إلى سبتة ومليلية: هل يواجه المغرب تراجعًا استراتيجيًا أم مجرد قراءة متسرعة؟

العمق المغربي19 أكتوبر 2026 في 15:560 مشاهدة
الهجرة إلى سبتة ومليلية: هل يواجه المغرب تراجعًا استراتيجيًا أم مجرد قراءة متسرعة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من أزمة الهجرة إلى التشكيك في المطالبة المغربية بالثغرين" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 19 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: سليمان الخشين

التاريخ: 19 أكتوبر 2026

تطرح مقالة الصحفي حسين مجدوبي، المنشورة في جريدة «القدس العربي»، تساؤلات هامة حول ما إذا كانت أزمة الهجرة إلى سبتة وزيارة الملك الإسباني الأخيرة تمثلان تحولًا استراتيجيًا في علاقات المغرب مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي. يجادل المقال بأن هذه الأحداث قد توحي بضعف موقف المغرب من استعادة سبتة ومليلية، وأن علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد تؤزم علاقته بأوروبا. في هذا التحليل النقدي، سنناقش مدى سلامة هذه الخلاصات، مع التركيز على الخلط المحتمل بين الوقائع الثابتة والفرضيات والتوقعات المستقبلية.

أولًا: طبيعة أزمة الهجرة

ينطلق مقال مجدوبي من اعتبار تدفق المهاجرين إلى سبتة في يوليو 2026 منعطفًا جيوسياسيًا، مفترضًا أن «الدولة العميقة» في إسبانيا قرأت الحدث كاختبار مغربي لقدرة مدريد والاتحاد الأوروبي على مواجهة ضغط الهجرة، خاصة في ظل تنامي علاقات الرباط بواشنطن وتل أبيب. ومع ذلك، فإن وجود هذه القراءة في الأوساط الإسبانية لا يجعلها حقيقة مثبتة. فالفرق شاسع بين تبني فرضية تورط المغرب وبين توفر أدلة مستقلة تثبت أن الدولة المغربية خططت لتدفق المهاجرين أو استخدمته كأداة للضغط السياسي. بل إن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز نفسه دعا إلى الحذر من التفسيرات المبسطة، معتبرًا أن الأزمة نتجت عن تداخل عوامل وأطراف متعددة، وأشار إلى أثر التطورات القانونية المرتبطة بدخول المهاجرين عبر الحدود البحرية.

ثانيًا: المطالبة المغربية بالثغرين

يُضعف المقال من خلال تصوير الأزمة كمواجهة مباشرة حول مستقبل السيادة على سبتة ومليلية، وكأن المغرب كان يختبر موازين القوى. لكن الموقف المغربي منذ الاستقلال لم يجعل استرجاع سبتة ومليلية أولوية استراتيجية تتقدم على سائر الملفات الخارجية، ولم يجعل تسوية وضع المدينتين شرطًا مسبقًا لتطوير علاقاته بإسبانيا. ومع ذلك، لم يتخل المغرب عن مطالبته بهما، ولم يعترف بالسيادة الإسبانية عليهما. يتعلق الأمر بموقف يجمع بين التمسك بالمطلب السيادي وتدبيره وفق منطق التفاوض الدبلوماسي، مع مراعاة موازين القوى والمصالح المشتركة. مبادرة الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1987، باقتراح إحداث «خلية ابن رشد» للتفكير في مستقبل المدينتين، عكست إمكانية معالجة الخلاف بالحوار بدل تحويله إلى مواجهة مفتوحة. عدم التصعيد بشأن الثغرين لا يعني الاعتراف بالسيادة الإسبانية، واستمرار العلاقات مع مدريد لا يعني التخلي عن المطالبة المغربية.

ثالثًا: التحول الاقتصادي وعلاقته بالثغرين

من العناصر التي ينبغي إدراجها في تحليل العلاقة المغربية الإسبانية التحولات التي عرفتها حركة الأشخاص والتجارة بين المغرب والمدينتين. أدى تغيير شروط الدخول وإعادة تنظيم عبور السلع إلى تقليص بعض الوظائف الاقتصادية التي كانت تؤديها سبتة ومليلية في علاقتهما بالسوق المغربية. قد يفسر هذا جانبًا من ردود الفعل المحلية في سبتة تجاه أزمة الهجرة، حيث قد يميل بعض السكان إلى تفسير الحدث باعتباره امتدادًا لسياسة عدائية. لكن هذا التفسير لا يثبت أن تدفق المهاجرين كان عملية سياسية مدبرة من المغرب. ينبغي الفصل بين شعور السكان بالتهديد، وتوظيف الأحزاب لهذا الشعور، وإثبات المسؤولية الفعلية عن تنظيم موجة الهجرة.

رابعًا: استثمار اليمين الإسباني للأزمة

وفرت أزمة الهجرة للمعارضة الإسبانية، ولا سيما قوى اليمين واليمين المتطرف، فرصة لممارسة الضغط على حكومة بيدرو سانشيز. زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية في أكتوبر 2026 اكتسبت دلالة سياسية واضحة، بالنظر إلى توقيتها بعد الأزمة الحدودية، وما حملته من تأكيد على وحدة الأراضي الإسبانية. وقد أبرزت التغطية الإعلامية الإسبانية أن الزيارة جاءت في سياق توتر متصاعد، بينما استمر الخطاب الحكومي في التشديد على أهمية التعاون مع المغرب. ومع ذلك، فإن استنتاج أن هذه التطورات تعني تحولًا استراتيجيًا في سياسة مدريد تجاه الرباط يحتاج إلى أدلة تتجاوز الزيارة والتصريحات السيادية. فالملك الإسباني يؤكد موقفًا متواترًا في السياسة الإسبانية، وهذا الموقف ليس وليد أزمة يوليو 2026.

خامسًا: جر الاتحاد الأوروبي إلى مواجهة مع المغرب؟

يقدم المقال تحرك المؤسسات الأوروبية باعتباره أحد أهم النتائج الجيوسياسية لأزمة الهجرة، ويذهب إلى أن مدريد نجحت في جعل الاتحاد الأوروبي يتبنى موقفًا أكثر وضوحًا بشأن سبتة ومليلية. يجب التأكيد على أن وجود تحركات أوروبية لتعزيز حضور المدينتين داخل المؤسسات الأوروبية أو دعم تدبير الحدود لا يثبت تلقائيًا انتقالهما إلى وضع جديد داخل حلف شمال الأطلسي. فالتعاون الأوروبي الإسباني في مجال مراقبة الحدود والهجرة لا يعني بالضرورة أن الاتحاد الأوروبي تبنى استراتيجية شاملة لمواجهة المغرب، ولا أن العلاقات المغربية الأوروبية انتقلت من الشراكة إلى الخصومة.

سادسًا: العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل

تتمثل إحدى أكثر فرضيات المقال حساسية في ربط تنامي العلاقات المغربية مع الولايات المتحدة وإسرائيل بتصور إسباني يرى في المغرب دولة تستقوي بتحالفاتها للضغط على مدريد وأوروبا. لكن وجود علاقات استراتيجية مع واشنطن وتل أبيب لا يثبت أن المغرب استخدمها لتوجيه أزمة الهجرة. إن تقييم السياسة الخارجية لا يتم من خلال قياس نتائجها في ملف واحد أو في لحظة زمنية واحدة. فالعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل تتداخل مع ملفات متعددة، منها الصحراء المغربية والتعاون الأمني والدفاعي والاستثمار والتجارة. وبالتالي، فإن استمرار الخلاف بشأن سبتة ومليلية لا يثبت أن علاقات المغرب الاستراتيجية مع واشنطن أو تل أبيب هي السبب في إضعاف موقفه.

سابعًا: تعزيز الحضور الأوروبي وإنهاء المطالبة المغربية

لا تنتهي المطالبة المغربية بمجرد تأكيد إسبانيا موقفها، ولا تتحول إلى اعتراف ضمني بالسيادة الإسبانية نتيجة استمرار التعاون الثنائي. كما أن التمسك الإسباني بموقفه لا يلغي وجود خلاف تاريخي وسياسي بين البلدين. ومن الخطأ التعامل مع كل تطور مؤسسي أوروبي باعتباره خطوة مباشرة نحو إغلاق الملف. فالسياسة الدولية لا تعمل دائمًا بمنطق النتائج النهائية، بل تتشكل من تراكمات ومصالح متغيرة وتوازنات يمكن أن تتبدل مع الزمن.

خاتمة: بين تحليل الوقائع وصناعة سردية التراجع المغربي

القيمة الحقيقية لأي تحليل سياسي تكمن في قدرته على اختبار الروابط بين الأحداث، والتمييز بين ما وقع فعلًا وما يُفترض أنه وقع، وبين النتائج المثبتة والتوقعات المحتملة. يمكن قبول أطروحة أن إسبانيا استثمرت أزمة الهجرة لكسب الموقف الأوروبي، وأن اليمين الإسباني وظف الأزمة في صراعه مع حكومة سانشيز، وأن زيارة الملك فيليبي السادس حملت رسائل واضحة. لكن هذه الوقائع لا تكفي لإثبات أن المغرب تعمد تنظيم تدفق المهاجرين، أو أن علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل كانت أداة للضغط على أوروبا، أو أن المؤسسات الأوروبية انتقلت إلى استراتيجية شاملة لمواجهة الرباط، أو أن المطالبة المغربية باسترجاع الثغرين أصبحت على وشك الحسم ضد المغرب. لقد تعامل المغرب مع ملف سبتة ومليلية بمنطق مختلف عن منطق المواجهة المباشرة: التمسك بالمطلب السيادي، وتجنب الاعتراف بالوضع القائم، وعدم جعل القضية محورًا دائمًا للتصعيد الدبلوماسي، مع الاستمرار في إدارة علاقاته مع إسبانيا على أساس المصالح المشتركة. إن أخطر ما في بعض القراءات السياسية ليس تشخيص المخاطر، بل تحويل الاحتمالات إلى حقائق، وربط الملفات المختلفة بعلاقات سببية غير مثبتة، ثم تقديم النتيجة للرأي العام باعتبارها هزيمة استراتيجية مكتملة.

شارك الخبر: