التنصيب البرلماني للحكومة المغربية: بين التزامات الدستور وتحديات المسؤولية السياسية


هذا الخبر بعنوان "التنصيب البرلماني للحكومة بالمغرب بين الدستور والمسؤولية السياسية" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 19 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: مارية جوهري - 19 أكتوبر 2026
بعد اكتمال التشكيلة الوزارية بتعيين الملك لأعضاء الحكومة، تنتقل المرحلة إلى التنصيب البرلماني للحكومة، وهو إجراء سياسي وتعاقدي ذو قيمة دستورية. يمثل هذا التنصيب شرطاً حتمياً ومحطة قانونية إلزامية لنقل الحكومة من مرحلة "التعيين الملكي" إلى مرحلة "الوجود القانوني الفعلي" وبدء ممارسة صلاحياتها الكاملة.
وفقاً للفصل 88 من الدستور، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين لعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه. يجب أن يشمل هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الحكومي في مختلف مجالات النشاط الوطني، مع التركيز على السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية.
يُعد التصويت على البرنامج الحكومي بمثابة التعاقد الأول بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهو ما يمنح الحكومة مشروعيتها السياسية والتنفيذية أمام ممثلي الأمة. كما يشكل وثيقة دستورية مرجعية تحدد مسار العمل الحكومي طوال الولاية التشريعية، ويوفر للبرلمان، وخاصة مجلس النواب، أساساً مرجعياً لمتابعة أداء الحكومة ومساءلة أعضائها بناءً على التزاماتهم في التصريح الحكومي.
تستند المسطرة الدستورية للتنصيب البرلماني للحكومة إلى قواعد قانونية تتجاوز مجرد تقديم البرنامج. إذ يخضع البرنامج للمناقشة أمام مجلسي البرلمان، تليها عملية تصويت في مجلس النواب وفقاً للشروط الدستورية. تُعقد جلسة عمومية مشتركة بين مجلسي النواب والمستشارين، يقدم فيها رئيس الحكومة الخطوط العريضة للبرنامج، ثم تُرفع الجلسة.
ولتعميق النقاش السياسي، يشترط النظام الداخلي لمجلس النواب (المادة 260) إجراء مناقشة عامة للتصريح الحكومي خلال مدة تتراوح بين ثلاثة وخمسة أيام من تاريخ تقديمه. يقوم مكتب مجلس النواب بالتنسيق مع الحكومة لتحديد موعد المناقشة، ويُوزع الغلاف الزمني المخصص للتدخلات بين فرق الأغلبية والمعارضة بناءً على التمثيل النسبي.
بعد انتهاء مداخلات النواب، يُمنح رئيس الحكومة حق الرد للتعقيب على المداخلات. وفي الختام، تُمنح الكلمة للفرق والمجموعات النيابية للتعبير عن "تفسير التصويت" (المادة 260 من النظام الداخلي لمجلس النواب). تُخصص جلسة حاسمة للتصويت العلني، يقتصر اختصاصها على مجلس النواب وحده، حيث يعرض رئيسه البرنامج على الاقتراع العلني برفع اليد أو بالتصويت الإلكتروني.
وفقاً للفقرة الثالثة من الفصل 88 من الدستور، تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، والتي تُعبر عنها أغلبية مطلقة من الأعضاء (198 صوتاً على الأقل من أصل 395 نائباً) لصالح البرنامج الحكومي.
يثير تزامن تقديم البرنامج الحكومي لهذه الولاية (2026-2031) مع الآجال الدستورية لإيداع مشروع قانون المالية، المحدد في 20 أكتوبر من كل سنة (وفق المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية رقم 130.13)، عدة إشكالات دستورية تضع الزمن السياسي في مواجهة الزمن المالي للدولة. نظراً لأن مسطرة مناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه تستغرق ثلاثة أيام على الأقل، فإن استكمالها سيتجاوز حتماً الأجل الدستوري المحدد في 20 أكتوبر لإيداع مشروع قانون المالية.
وبالتالي، لا يمكن للحكومة "المعينة وغير المنصبة" أن تقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلا بعد انتهاء تنصيبها ونيلها الثقة من مجلس النواب. وحسب المادة 38 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، تكلف الحكومة الجديدة، التي عينها الملك ولم تنصب بعد من قبل مجلس النواب، بمهام محددة تشمل إعداد البرنامج الحكومي، وإصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء لضمان استمرارية المرافق العمومية، وتصريف الأمور الجارية باتخاذ المراسيم والقرارات الإدارية الضرورية والتدابير المستعجلة.
وفقاً للمادة 37 من نفس القانون، لا تشمل "تصريف الأمور الجارية" التدابير التي تلزم الحكومة المقبلة بصفة دائمة، مثل المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية والتعيين في المناصب العليا. وبينما يحظر المشرع على حكومة غير منصبة إحالة مشروع قانون عادي أو مرسوم تنظيمي بسيط لتفادي رهن الإرادة السياسية للحكومة المقبلة، فإن تقديم مشروع قانون المالية من طرف حكومة لم تحظ بعد بثقة البرلمان يُعد خرقاً لمفهوم تصريف الأعمال وتجاوزاً للمشروعية الدستورية.
على الرغم من أن موعد 20 أكتوبر يعد التزاماً صريحاً في القانون التنظيمي للمالية، يؤكد الفقه الدستوري والممارسة المغربية أن تجاوزه لا يترتب عليه جزاء قانوني أو بطلان، بل يفرض ضغوطاً زمنية على البرلمان لدراسة المشروع والمصادقة عليه وفق الآجال القانونية، تفادياً لأي ارتباك مالي قبل نهاية السنة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة