نظرية المشيئة: إعادة تعريف لمفهوم القضاء والقدر في التراث الكلامي


هذا الخبر بعنوان "نظرية المشيئة في القدر وعلاقتها بالتراث الكلامي" نشر أولاً على موقع العمق المغربي وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 21 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: محمد القرشي
في سياق المقالات السابقة، تتجلى أطروحة كلامية جديدة يقدمها كتاب “محاسن إعادة النظر في مفهوم القضاء والقدر، من نظرية العلم إلى نظرية المشيئة”. هذه النظرية، التي اتضحت معالمها وأبعادها الاعتقادية ومقصدها الإصلاحي، تسعى لتحقيق سعادتي الدنيا والآخرة. المقالات السابقة قد أسست لأفكار “نظرية المشيئة” من القرآن الكريم والسنة النبوية، وفي هذا المقال، سنتناول جوانب الاتفاق والاختلاف مع “نظرية العلم” لإبراز الأصالة والتجديد في الطرح الجديد.
التعريف الموروث (نظرية العلم): يعتبر القضاء علماً أزلياً بإيجاد شيء، والقدر حكماً بوجوده الواقعي عند حلول الأجل. وفق هذا التصور، تكون الأشياء والأحداث موجودة في الأزل كمعلومة ثابتة، ودور المشيئة يقتصر على التنفيذ لا التقرير أو الاختيار.
نظرية المشيئة: ترى أن المعلومات تحتاج إلى من يقررها تباعاً، وأنها وليدة عملية القضاء (الحكم بإيجاد شيء) والقدر (التقرير في مقادير هذا الشيء). هذه العملية تتطلب فاعلاً قادراً، مدركاً، وحراً في اختياره، وهو ما يُطلق عليه “القيوم”. الله هو القيوم على ملكه، ويوم القيامة هو يوم الحكم والفصل، والإنسان خليفة الله في الأرض وقيوم عليها. تتداخل مفاهيم القيوم، القوامة، القيامة، الاستخلاف، الحكم، الفصل، التدبير، القضاء، والقدر، لتشكل ما يُعرف بلغة العصر بـ “القرار”.
الاستقراء القرآني: تستمد نظرية المشيئة تعريفاتها من استقراء سياقات الآيات القرآنية. فالقضاء هو حكم بوجود شيء (مثل: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾ الحجر: 66، ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ طه: 72)، والقدر هو حكم في تفاصيل ومقادير هذا الشيء (مثل: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ۖ﴾ سبأ: 11، ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ فصلت: 10). القرآن الكريم لا يجعل أحدهما أزلياً منقطعاً والآخر جارياً في التاريخ، بل عملية تقرير المعلومات وتبديلها مستمرة وتتأثر بالإرادة البشرية والسنن الكونية. هذا يضع “نظرية العلم” موضع شك.
آيات أخرى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (غافر: 20)، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (السجدة: 25)، ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (البروج: 15-16).
الرزق بين البسط والقدر: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: 30)، “يُقدِّر” ضد “يَبْسُط”. ويحتمل المعنى أن الله يبسط الرزق وهو القادر عليه، أو يبسطه بقدر معين. يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (العنكبوت: 62) و ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: 39). إضافة “له” في “ويقدر له” وسياق ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (الشورى: 27) يجعل المعنى أقرب للقدرة على البسط والتحكم في مقداره. فبسط الرزق يتم بالقضاء، ومقداره يسمى القدر.
يجب التمييز بين المشيئة الإلهية كصفة أزلية (القدرة على الاختيار والترجيح) وعملها في الواقع، كما هو الحال في القدرة على الإدراك وعملية الخلق. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 29).
مشيئة الله أرادت أن يكون الإنسان حراً، يفعل بإرادته ما يشاء، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ ﴾ (الكهف: 29) و ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير: 27-28). لكن المؤمن الحقيقي يستبدل هذه المشيئة الحرة بالعبودية لله تعالى، كما في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).
موقف الأشاعرة: ربطوا المشيئة الإلهية بالعلم الأزلي، فكل ما علمه الله في الأزل يجب أن يقع حتماً. المشيئة عندهم تنفيذية لا تقريرية، مطلقة لدرجة تلغي فاعلية مشيئة العبد، الذي يعتبر فاعلاً مجازياً والله هو الفاعل الحقيقي. الفعل البشري مخلوق لله، ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، وارتباط الفعل بمشيئة العبد يسمى “كسباً” لإكساب الفعل مسؤولية فاعله لا لإثبات حريته واختياره، لأن الفعل واقع لا محالة.
موقف المعتزلة: حصروا المشيئة الإلهية في دائرة التشريع والعدل والخير، معتبرين أن العبد مستقل تماماً بمشيئته في أفعاله الاختيارية دون حاجة لمشيئة إلهية متجددة. هذا يحد من سلطة الله ويخالف قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: 29).
ابن تيمية: ركز على حرية الفاعل وقدرته، مميزاً بين المشيئة الكونية والإرادة التشريعية. للعبد إرادة حقيقية ينسب بها الفعل إليه، وعلم الله كاشف لا سبب للوقوع. نقض ابن تيمية قاعدة الفلاسفة بأن العلة التامة إذا وجدت وجب وجود معلولها معها في نفس الآن، مؤكداً أن الفاعل يسبق الفعل.
نظرية المشيئة: تتفق مع ابن تيمية في كثير من النقاط، لكنها تقدم رؤية قائمة على السنن والقدرة. الله يخلق ويقضي ويبدع الأنظمة والقدرات والسنن الكونية. الإنسان مخلوق لله وقادر بمشيئته على الفعل، ويخرج الفعل إلى الوجود بما أفاء الله عليه من قدرة وإرادة وسنن. عندما يختار العبد فعلاً ويباشر أسبابه، فإن تحقق النتيجة يخضع للقوانين التكوينية الإلهية. التأثير والتمكين لله خلقاً وأمراً، والصُدور والتوجيه للعبد كسباً وصناعة واقعية، مما ينفي الجبر التام والاستقلال الانفصالي عن الله. فعل العبد لا يتم انطلاقاً من علم كاشف، بل من مشيئة بشرية عازمة ومشيئة إلهية حاسمة في التوفيق والتمكين أو المنع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: 27-29).
الأشياء والأحداث ليست موضوع علم إلا بعد أن تكون موضوع مشيئة. العلم ينقسم إلى علم الملكة (الحكمة والقدرة على الإدراك) وهو يسبق القضاء والقدر، والعلم الخبري (المعلوم) وهو وليد عملية القضاء والقدر.
نظرية العلم: تقيّد مشيئة الله، فالمشيئة مضطرة لاختيار ما سبق به العلم وجف به القلم. هذا التصور يؤدي إلى جبرية واضحة وتهرب من المسؤولية. العلم الخبري لا يكون صحيحاً إلا إذا تأسس على قدرة وإرادة تضمن وقوعه.
نظرية المشيئة: ترى أن الحي القيوم فعال لما يريد، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 39). هذا يقر لله بدور المدبر لشؤون الكون، فهو يعطي، يجيب، يراقب، يقدم ويؤخر، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر: 41). ليلة القدر فيها يُفرَق كل أمر حكيم ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ (الدخان: 4-5). هذا يجعل الإنسان تحت العناية الربانية والمراقبة الإلهية، مما يبعث على الرغبة والرهبة ويضع الإنسان تحت مسؤوليته.
الإيمان بالقضاء والقدر هو تسليم لله بما اختص به من قرارات في الخلق والتدبير، وترويض النفس على اختيار مراد الله. في “نظرية العلم” الإنسان مسلم ومستسلم لما جرى به القدر، أما في “نظرية المشيئة” فيحضر معية الله وعنايته بخلقه بشكل آني وديناميكي، ويستحضر الإنسان مسؤوليته أمام المقدرات والأوامر والنواهي وما ينتظره يوم القيامة ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88-89).
الإيمان بالقضاء والقدر، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، هو ركيزة لصناعة المصير وتحقيق السعادة. هذا الإيمان يزيد وينقص وفق تزكية النفس واختياراتها.
نظرية العلم: تميل لجعل الأعمار محددة، الأرزاق جامدة، والمصير محتوماً.
نظرية المشيئة: ترى أن الدعاء يرد البلاء، واختيارات العبد لها تأثير على مستقبله. فالتداوي يجلب الشفاء، والصبر يجلب النصر بإذن الله ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 90).
الآيات والأحاديث تجعل النتائج مبنية على مقدمات في متناول العبد، لا ينقصه سوى العزم والإرادة. قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (التوبة: 44-46). سبب تثبيطهم يعود إلى فعلهم الخبيث المتكرر، وليس لأسباب ميتافيزيقية أزلية.
انحاز الفلاسفة والعلماء نحو “نظرية العلم” بسبب ميل الآيات القرآنية تارة للجزم وأخرى للمشيئة الحرة، ظناً منهم تنزيه الله عن الجهل. لكن التنزيه الحقيقي يكون عن العبث والهوى والحمق والجنون. تنزيه الله عن الجهل حاصل ما دامت المعلومة لا تنتقل من الاستحالة إلى الإمكان إلا بإذنه، ولا تنتقل من الإمكان إلى المعلومة المؤكدة إلا بقضائه وتقديره، ولا تتجسد إلا بتمكينه وتوفيقه.
“نظرية المشيئة” تبين أن القضاء والقدر هو وظيفة التقرير والتدبير، عملية تحويل المستحيلات إلى ممكنات أو الممكنات إلى كائنات. هذا يحتاج إلى علم (حكمة، خبرة، قدرة على الإدراك)، وقدرة، وإرادة قادرة على الاختيار. المشيئة، بتوجيه من الحكمة، تميل للسنن الكونية، المعجزات، الحرية البشرية، الابتلاء، أو دعاء العباد. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ (طه: 129)، و ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 2).
ربط الفلاسفة بين كمال الله ونفيه للتغير بنفي قيام أفعال أو إرادات متجددة بالمخلوقات. الله عندهم علة تامة أزلية، والعالم يترتب عنه أزلاً. انتقد الغزالي تصورهم للفاعل، معتبراً إياه ليس مجرد سبب تفيض عنه الأشياء بالضرورة، بل هو من يصدر عنه الفعل مع الإرادة والاختيار.
أفلاطون: الإله مبدأ أعلى يصدر عنه الخير والنظام، فعل محض وكامل وفق نموذج عقلي أزلي. الفعل المتجدد يعتبر نقصاً.
أرسطو: الإله أزلي، غير متحرك، علة الحركة دون أن يتحرك. لا نقص، لا تغير. العالم أبدي. كيف لمبدأ لا يتغير أن يكون فاعلاً لأشياء تتغير؟
الفارابي: جمع بين التصور الأرسطي للأول ونموذج الفيض الأفلاطوني. الإله واحد، كامل، أزلي، غير متغير، ومنه يتدرج وجود الموجودات عبر الفيض الرباني.
ابن سينا: الإله واجب الوجود بذاته، وما عداه ممكن الوجود بذاته، واجب بغيره. العالم يصدر عن الواجب بواسطة الفيض، ارتباط ضروري خارج الزمن. فلسفة ابن سينا تشكل أوضح صورة جاءت “نظرية المشيئة” لنقدها وتفكيكها.
هؤلاء الفلاسفة، المسلمون وغير المسلمين، ينظرون إلى العلم كمعلومات أزلية، والإرادة كعزم على الفعل، والفعل كضرورة حتمية، مما يجعل المستقبل جاهزاً بحكم الضرورة.
الغزالي: المنعطف الأول نحو نظرية المشيئة. لا يقبل بأن العلة الأزلية تستلزم أزلية العالم. الإرادة الإلهية أزلية ومتعلقها حادث. انتقد تصور الفلاسفة للفاعل. لكنه لم يحرر نظرية القدر بالكامل من أولوية “العلم الخبري” السابق.
الجويني: أضاف خطوة مهمة بالتركيز على أن “الله يريد وقوع الحوادث ويخصصها”. واجه مشكلة تعلق الإرادة القديمة بالحادث.
الماتريدي: جعل اختيار الإنسان سابقاً على تعلق الفعل الإلهي بالخلق: “الإنسان يختار ويقصد، ثم يخلق الله الفعل”. يميز بين الإرادة الكونية والشرعية. قريب من تسلسل الأمور عند “نظرية المشيئة”: الاختيار البشري ثم المشيئة الإلهية ثم وقوع الفعل.
الرازي: اختبر الأدلة التي جعلت قيام الصفات والأفعال المتجددة بالذات مستحيلاً. هدم الثقة المطلقة في بعض البراهين التي استُعملت لتحصين التنزيه من الفعل المتجدد.
ابن رشد: حاول إعادة صياغة المنطق الأرسطي والدفاع عنه من ناحية العلم السابق. يرى أن الله لا يتغير ويعلم الموجودات، وله تعلق بالعالم يمكن وصفه بالإرادة والخلق بمعنى خاص، لكنه يرفض أن تكون إرادة الله شبيهة بإرادة الإنسان.
المعتزلة: أضافوا لبنة الإقرار بحرية الفعل الإنساني في الاختيار والمسؤولية عنه. الإنسان فاعل حقيقي لأفعاله الاختيارية.
ابن تيمية: رفض مقولات الفلاسفة. يرى أن التغير في الذات ليس نقصاً بالضرورة. يثبت الصفات والأفعال الاختيارية القائمة بالذات بمشيئة الله وقدرته. يكسر التلازم بين الزمني والمخلوق، والأزلي وغير المتجدد. يقر بفاعلية الإنسان وحريته في الاختيار. لكن “نظرية المشيئة” ترى أن مقولة “العلم الكاشف” ليست مقنعة.
تنظر “نظرية المشيئة” إلى الخالق كفاعل حر مختار حكيم، وإلى الإنسان كفاعل حر عاقل، وإلى المستقبل كمفتوح على خيارات متعددة. المعلومة المستقبلية مفتقرة للقضاء والقدر الذي يقررها وينفذها ويسهر على حمايتها أو تغييرها. الذي سيقع ليس ما كان معلوماً أزلاً، بل ما أنتجته الإرادة وفق الحكمة وسهرت على تنفيذه القدرة. المعرفة وحدها لا تصنع الحتمية في المستقبل. ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 39).
“نظرية المشيئة” تصرح بأنه إذا كانت المشيئة أساس الفعل الإلهي، فينبغي إعادة ترتيب القضاء والقدر والعلم على أساسها. عوض القول إن الله قضى بشيء لأنه علمه؛ يصبح وفق الطرح الجديد أن الله يعلم المستقبل لأنه قضاه وقدره. فربنا يباشر الوجود بالحكمة والمشيئة والقدرة والقضاء، ثم يكون العلم الخبري متعلقاً بما استقر عليه القضاء.
الفعل البشري فعل مشترك بين الله والعبد، لكن ليس على مستوى واحد. الإرادة البشرية تختار وتقصد وتسعى في أسبابه، والمشيئة الربانية تمكن له أو تمنعه. إذا كانت إرادة العبد عازمة، فإرادة الله حاكمة وحاسمة في وجود الفعل أو عدم وجوده. هذا التفصيل يساعد في فهم الابتلاء والمسؤولية والثواب والعقاب والدعاء والتوكل والمعجزة وغيرها.
تستأنف “نظرية المشيئة” سلسلة من الاجتهادات التي بدأت بنقد الفلاسفة للعلية، وبلغت عند الغزالي إلى إعادة الاعتبار للإرادة، وعند المتكلمين إلى البحث في تعلق الإرادة بالحوادث، وعند ابن تيمية إلى إثبات الصفات والأفعال الاختيارية. لكن هذه الجهود لم تُستثمر في إعادة بناء نظرية القضاء والقدر بجعل المشيئة أصلاً ومركزاً. “نظرية المشيئة” تبحث عن جواب لسؤال: إذا كان الله يعلم بالتحديد ما سأفعله، وعلمه لا يخطئ، فكيف يكون فعلي اختيارياً؟ تبنت منظورا يجعل “العلم الخبري” نتيجة لعملية القضاء والتقدير، وليس هو الذي يفرض الواقعة على الله، لأن الله فاعل وليس مجرد عالم. المستقبل، ما لم يُقضَ ويُقدَّر بعدُ، ليس موضوعاً للعلم الخبري، بل مجالٌ للمشيئة والاختيار؛ وما قضاه الله وقدره صار معلومًا له، ولو لم يقع بعد. الأشياء لا تقع لأنها معلومة، وإنما تُعلم علمًا خبريًا لأنها قُضيَت وقُدِّرت وتعيّنت.
العنوان الثانوي للكتاب «من نظرية العلم إلى نظرية المشيئة» ذو دلالة قوية على محاولة إعادة ترتيب عدة عناصر: العلم، المشيئة، القدر، معرفة الذات الإلهية، والحرية البشرية. الغزالي نفسه جعل الإرادة أداة تخصيص أحد الممكنين عن الآخر، لا مجرد معرفة به. وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ فمن النفس.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة