المغرب
ثقافة

فاس العتيقة: رحلة عبر أزقة التاريخ والأسواق والمدارس التي تحكي ذاكرة الأمة

هسبريس23 أكتوبر 2026 في 01:140 مشاهدة
فاس العتيقة: رحلة عبر أزقة التاريخ والأسواق والمدارس التي تحكي ذاكرة الأمة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أسرار فاس العتيقة .. حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتشكل مدينة فاس العتيقة على مهل، شاهدة على تعاقب الدول وتوسع السكان. أسسها الأدارسة، ووحدها المرابطون، واتخذها المهدي بن تومرت مكانا لخلوته، ثم أضاف المرينيون إليها فاس الجديد عام 1276. وراء الاسم الواحد، تتراكب مدن وقرون من الإضافة والتعديل، مما يجعل دخولها أشبه بتصفح كتاب متعدد المؤلفين، ترك كل منهم أثره على صفحاته.

ما إن تعبر باب بوجلود، حتى تشعر بالانتقال من زمن إلى آخر. خلفك صخب المدينة الحديثة، وأمامك فاس القديمة بأزقتها المتلوية كأنها تحفظ سرًا. باب بوجلود، بفسيفسائه الزرقاء من الخارج والخضراء من الداخل، يعلن عن وجهي المدينة المتناقضين. وعلى الرغم من قدمه الظاهري، فإن شكله الحالي يعود إلى مطلع القرن العشرين، لكنه اكتسب هيبة القرون من محيطه.

من الباب تبدأ الطالعة الكبيرة والصغيرة، شرايين تنحدر نحو قلب فاس البالي، والسير فيهما أشبه بهبوط بطيء في طبقات التاريخ. الدكاكين متلاصقة، والروائح تتناوب: نعناع، عنبر، خشب الأرز، جلد، توابل، وخبز ساخن. البيوت تتقارب فوق الرؤوس، تاركة للسماء شريطًا أزرق ضيقًا، لتوجيه نظر الزائر إلى ما صنعه الإنسان وما تركه الزمن على الجدران والأبواب والناس.

في الطريق، تستوقفك المدرسة البوعنانية، شامخة بهدوء المرينيين. شيّدها السلطان أبو عنان المريني في القرن الرابع عشر، لتكون مدرسة ومسجدًا وفضاء للعلم. ترتبط قصص تأسيسها بروايتين، إحداهما تقول إن السلطان أراد التكفير عن ذنوبه بتحويل موضع نفايات إلى مدرسة، والأخرى تربط بنائها بغرامه بامرأة، حيث اختار مكانًا تنفر منه النفوس ليقيم عليه تحفة معمارية. هاتان الروايتان قد تكونان وجهين لحكاية واحدة أعادت الذاكرة تشكيلها، أو تأويلين لجمال أثار خيال الناس.

يفتن الجص الذي تحول تحت أيدي الصناع إلى كتابة، وخشب الأرز الذي صار هندسة معلقة، والزليج الذي يذكر بأن الجمال في الحضارة المغربية ليس زينة بل طريقة في إدراك العالم. يبدو العلم كأنه يحتاج إلى الجمال ليكتمل، والزخرفة كأنها تحس وتفكر بصمت. قبالة المدرسة توجد دار المكانة، حيث ترتبط الواجهة بذاكرة الساعة المائية، التي كانت تنظم يوم المدينة وتبتكر أدواتها.

يأخذك انحدار الطالعة الكبيرة أعمق في المدينة، حيث تتقدم الحواس المعرفة: تصل الرائحة قبل اسم الدكان، ويأتي وقع المطرقة قبل رؤية يد صاحبها. تمر عين أزليتن، ثم تتوالى الأسواق والحرف، والشرابليين، والدروب المتفرعة، حتى تشعر بأن أسماء الأمكنة بقايا وظائف قديمة التصقت بالجغرافيا. أسماء مثل عين، سوق، فندق، حرفة، مادة، وليّ، مسجد، كانت تسمية المكان بما يفعلونه فيه أو بما يجدونه عنده.

تضيق الأزقة أكثر، ويتحول السير إلى تفاوض دائم مع العابرين والبغال والعربات الصغيرة. نداء “بالاك، بالاك!” يلصقك بالجدار لتمر الدابة أو العربة. فاس البالي كائن حي يستعمل شرايينه القديمة، أبوابه تفتح، أفران بيوته تشتعل، وحرفه تتوارثها الأيدي، رغم تغير العالم خارج الأسوار.

تتكاثف الأسواق حول القلب الديني والتجاري للمدينة، لتصل إلى سوق الحناء، الذي يحمل في اسمه ذاكرة مادة وحرفة واستعمال يومي، وتجاوره ذاكرة مارستان سيدي فرج. يكشف استقبال المريض والضعيف جانبًا آخر من أخلاق العمران، وتنشأ مؤسسات للعلاج والرعاية تخفف ألم شخص مجهول.

تتسع ساحة النجارين، أمام السقاية وفندق النجارين، الذي شُيّد في العصر العلوي وكان فضاء للتجارة والإقامة وتخزين البضائع، وأصبح اليوم متحفًا لفنون الخشب وحرفه، محتفظًا بمعنى الضيافة القديمة. ثم تصل إلى النافورة المزخرفة، التي تبدو كقصيدة ملحون من الزليج والخشب المنقوش، حيث لكل ماء ذاكرة، والنوافير جزء من نظام اجتماعي وعمراني يهب الماء للجميع.

في النقش على الخشب، أثر عين تعبت، ويد ترددت ثم أصابت، ووقت طويل لم نره. من حق الذين صنعوا هذا الجمال أن يكون لهم نصيب من ذاكرتنا. ومن النجارين، تدخل شبكة الأسواق، مرورًا بالقيسارية بما تختزنه الكلمة من تاريخ التجارة المنظمة، حيث يلتقي الاقتصاد بالمقدس، ويخرج المرء من البيع إلى الصلاة، ومن طلب الرزق إلى طلب البركة.

عند ضريح مولاي إدريس الثاني، تبلغ الرحلة قلبها الروحي. حول ضريحه تشكلت حرمة خاصة، وظل المكان مقصدًا للزوار وأهل المدينة. تبدو الذاكرة هنا علاقة وجدانية بين المدينة ومؤسسها.

في قلب هذا النسيج، تظهر جامعة القرويين، التي ارتبط تأسيسها في القرن التاسع باسم فاطمة الفهرية، لتصبح أحد أعظم مراكز المعرفة في الغرب الإسلامي. لا يمكن رؤية المكان كاملاً، فهو يكشف عن باب، قوس، جزء من صحن، لمحة من ثريا، تاركًا للخيال أن يتمم ما حجبته الجدران. وبجوارها، مكتبة القرويين، التي تحفظ المخطوطات القديمة، شاهداً على عبقرية مؤلفيها وأجيال من النساخ والخزنة والفقهاء.

غير بعيد عنها، تقع مدرسة العطارين، التي شيدها السلطان المريني أبو سعيد عثمان في القرن الرابع عشر، وتتميز بدقة تصميمها ومقاومتها للفراغ بالزليج والكتابة والخشب والمقرنصات. إنها عمارة تهزم الزمن بإتقانها، حيث المعرفة تصل إليها رائحة تليق بها.

يقودك المسار إلى الصفارين، حيث تسمع قبل أن ترى ضربات المطارق على النحاس. يجلس الصناع يطرقون المعدن بالإيقاع نفسه الذي سمعته أجيال سبقتنا، ليخرج كل إناء من السوق حاملاً شيئًا من صوت الساحة، محتفظًا بحق الأشياء في أن تحمل أثر اليد التي صنعتها.

في دباغة الشوارة، تتكشف فاس في وجه آخر، وجه خشن لا يخفي مشقة العمل. ترى الأحواض الحجرية المتجاورة، وينزل العمال ليعالجوا الجلود بطرائق توارثتها الأجيال. الرائحة قوية، والحركة شاقة، والمشهد جميل وقاسٍ في آن واحد، ليكشف الثمن الإنساني خلف الأشياء الجميلة.

وادي فاس مفتاح لفهم نشأة المدينة، حيث تشكلت على جانبيه العدوتان اللتان حملتا اسم القيروانيين والأندلسيين. في جهة الرصيف، تتسع الحركة ويستعيد المشي فسحته، وتصبح المدينة أكثر اتصالاً بالإيقاع اليومي. الساحات علامات ترقيم في كتابة عمرانية كثيفة، ومجرى الماء التاريخي باقٍ في الاستقرار والصنائع والطهارة والسقايات.

في عدوة الأندلسيين، تشعر بأن المدينة تحمل ذاكرة هجرات كبرى. جامع الأندلسيين، الذي يعود تأسيسه إلى القرن التاسع، هو حصيلة أعمار متعددة، ويذكر بأن المدن الكبرى صنعها القادمون أيضًا، حاملين لغات وحرفًا وحنينًا وذكريات، ذابت في هوية جديدة.

في محيط مدرسة الصهريج ومدرسة السبعيين، يخف سلطان “المعلم الكبير” ويعود التركيز على البيوت والعتبات وحياة الحي. للبيت الفاسي طريقته في توزيع ما يظهر وما يصان، وجعل السماء ضيفًا دائمًا على الداخل. جمال فاس صالح للسكن والاستمرار.

بالتوجه نحو باب الفتوح، يقل الشعور بالمتاهة ويبدأ السور في الإعلان عن نفسه. الباب مدخل ونهاية مؤقتة لعالم وبداية لعالم آخر. فاس لا توجد فقط في المعالم الشهيرة، بل في فرن حي، وسقاية صغيرة، وبائع يعرف زبائنه، وامرأة تنفض غطاءً، وطفل يحفظ الدرب.

في جولة نحو البليدة وعين الخيل والزاوية التيجانية، تتسع خريطة أخرى لفاس، تصلها بالمغرب وإفريقيا جنوب الصحراء عبر الزيارة والتصوف وطرق التواصل. الأزقة المنغلقة على نفسها كانت قادرة على استقبال القادمين من مسافات بعيدة.

بالاتجاه إلى باب الكيسة والمقابر، ثم الصعود نحو القبور المرينية، تنبسط المدينة تحت النظر. من الأعلى تبدو فاس كثيفة ومتداخلة، وتعلو المآذن فوق السطوح. ما بدا متاهة كان يحتفظ بمنطقه، والمعرفة به صارت مؤلفة من أصوات وروائح ووقفات وأسماء. المسافة من البرج الشمالي تغير زاوية النظر، فمن الداخل ترى التفاصيل ولا ترى المدينة، ومن المرتفع ترى المدينة ولا تسمع تفاصيلها.

في جهات الغرب، عند باب المحروق وذاكرة لسان الدين بن الخطيب، تستحضر فاس وجهًا آخر: مدينة استقبلت رجال السياسة والفكر والأدب.

في قصر البطحاء، الذي صار متحفًا للفنون الإسلامية، تستأنف العين قراءة ما لمحته في الطريق، ويتيح المتحف التأمل في القطعة عن قرب، ورؤية الزخرفة كتاريخ تقنية وذوق واستعمال.

بالعودة إلى الطالعة الصغيرة، وترك درب البطحاء ودرب بن سالم نصيبًا من الإصغاء، تتوقف عند فرن، وعتبة، ودكان صغير، باحثًا عن التفصيل الذي يفسر كيف يظل هذا النسيج حيًا.

في الأطراف الجنوبية، عند باب الحديد وباب الجديد، تتبدل نسب الكتل والفراغات، وتتكشف جوانب من عمارة الدور والقصور. المدينة لا تكرر نفسها بالدرجة التي توحي بها النظرة السريعة.

في جنان السبيل، حيث تمنح الأشجار ظلاً أوسع، ويصير للمشي إيقاع أقل استعجالاً، تجلس للاستراحة. جنان السبيل حديقة تقع بين فاس البالي وفاس الجديد، كأن المدينة وضعت حديقة بين زمنين.

في فاس الجديد، يتغير المشهد، وتتقدم الأسوار الكبرى ومظاهر السلطة ومرافقها. أمام أبواب القصر الملكي، تعلن العمارة الهيبة من خلال الحجم والمادة والمسافة.

للملاح مكان أساسي في هذا الفصل من المدينة. بين أزقته وكنيس ابن دنان والمقبرة اليهودية، نستعيد فصلاً من تاريخ فاس صنعه المغاربة اليهود عبر العبادة والتجارة والحرف والحياة المشتركة. تتسع الذاكرة للجوار والتبادل كما تتسع للألم والتحولات والفراق.

عند العودة في الذهن إلى كل ما عبرته، تكتشف أنك لم تكن تتنقل بين معالم ووظائف المدينة، بل نسجت الحياة بعضها في بعض. المسجد قريب من السوق، والمدرسة مجاورة للعطار، والضريح في قلب الحركة اليومية، والحرفة امتداد للبيت، والسقاية زينة ومنفعة في الوقت نفسه. هذه المجاورة هي إحدى عبقريات فاس.

للمدن مؤلفون مشاهير؛ لكن لها أيضًا آلاف المؤلفين المجهولين، وهم الذين جعلوا فاس ما هي عليه. حق هذا المكان في المستقبل يظهر في بقاء المدرسة مفتوحة، والحرفة مجدية، والدار آمنة، والدرب مأهولاً، وأن يظل لأهل فاس مكان في الصورة التي نعجب بها. روح المدينة تُصان حين يستطيع الحرفي أن يعيش من حرفته، وحين تستطيع الأسرة أن تبقى في بيتها، وحين لا يتحول الحي بأكمله إلى ديكور للزائر.

يظل في الذهن تفصيل صغير: عتبة ملساء مرت عليها أقدام كثيرة. لعل حب فاس يكمن في أثر العبور المتواضع الذي يجمع أجيالاً لا يعرف بعضها بعضًا. مشيت في دروب فاس أحاول أن أقرأها، وكانت توسع في داخلي معنى المدينة. وكلما ظننت أنك عرفتها، انعطف الزقاق وبدأت فاس من جديد.

تخرج من المدينة القديمة وقد تركت في روحك شيئًا من عتمة أزقتها، وزرقة أبوابها، ورائحة خشبها، وأصوات مطارقها، وماء سقاياتها. فاس لا ترافق زائرها إلى الباب، بل تمنحه، حين يغادر، زقاقًا داخليًا يظل يتجول فيه طويلاً.

شارك الخبر: