مهرجان فاس للثقافة الصوفية: جسر بين الأجيال وكنوز التراث المغربي


هذا الخبر بعنوان "الصقلي: مهرجان فاس يعيد وصل الأجيال الجديدة بالتراث الصوفي المغربي" نشر أولاً على موقع هسبريس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكد فوزي الصقلي، رئيس مهرجان فاس للثقافة الصوفية، أن الدورة الثامنة عشرة للمهرجان تهدف إلى ربط الأجيال الجديدة بالتراث الصوفي المغربي الغني، معتبراً إياه رصيداً روحياً وفكرياً وفنياً ساهم في بناء الحضارة المغربية. وأوضح الصقلي في حوار مع هسبريس أن المهرجان يسعى إلى إبراز هذا الإرث الثقافي وإخراجه من نطاق الزوايا والمكتبات إلى الفضاء الثقافي العام.
وأشار الصقلي إلى أن الفعالية، التي تقام في مدينة فاس تحت الرعاية الملكية، تنطلق من رؤية تجعل الثقافة الصوفية مدخلاً للحوار الحضاري والانفتاح على مختلف الأديان والثقافات، وتتيح استكشاف نقاط التقاء بين التراث الروحي وقضايا الإنسان المعاصر. ودعا إلى تجاوز النظرة الضيقة التي تختزل التصوف في بعض الممارسات المعزولة.
تحت شعار “الشعر الصوفي، إكسير الشفاء”، يتناول المهرجان دور الشعر في عالم مثقل بالجراح، مستكشفاً مستويات مختلفة للشعر، بما في ذلك الشعر الكلامي الذي يشكل أساس السماع الصوفي، والذي يهدف إلى تحقيق الارتقاء الروحي والشفاء من أمراض النفس. كما يتناول الشعر بمفهومه العام كتعبير عن جمالية الحياة وتنظيم العلاقات الاجتماعية، مؤكداً على ضرورة البحث عن الجمال وإضفاء الشاعرية على مختلف جوانب الحياة.
تُبرز برمجة المهرجان عمق التراث المغربي من خلال استحضار الطرق الصوفية الحراقية والبوتشيشية والشرقاوية، مستفيدة من كون فاس أرضاً للتصوف ومعهداً للتربية الروحية. وتُعد المدينة القديمة بفاس مختبراً ثقافياً ساهم عبر القرون في إرساء جمالية المجتمع وترسيخ ثقافة شعرية، مما يفسر الاهتمام بهذا الإرث في فاس ومدن مغربية عريقة أخرى.
يهدف المهرجان إلى إحياء هذه الإشكالية وتفعيلها من خلال تنظيم أنشطة في فضاءات تراثية مثل باب المكينة، حيث يمتزج الظاهر بالباطن، والمادي باللامادي، مما يتيح خلق شعرية جديدة وتحديث التراث في سياق معاصر. فاس، المدينة التي اقترن فيها العلم بالتربية الروحية، تشكل نموذجاً لهذا التفاعل، مع التأكيد على أن التصوف حاضر في مختلف أنحاء المغرب.
أكد الصقلي أن نجاح المهرجان يتجلى في توافد زوار جدد من مختلف الجهات، لا ينتمون بالضرورة إلى المجال الصوفي، مما يتيح لهم اكتشاف فاس من خلال ثقافة حية ومنفتحة على أشكال أخرى من التعبير الروحي. يزور المشاركون فضاءات وأماكن غير مألوفة، مما يجعل فاس متحفاً وفضاءً لثقافة معاصرة متجذرة في تاريخها.
تستقطب اللقاءات جمهوراً متنوعاً من الشرق والغرب، ومن ديانات وثقافات مختلفة، مما يدل على إمكان إنتاج ثقافة كونية. ويسعى المهرجان إلى توسيع نطاق التجربة لتستمر على مدار العام، لتصبح موعداً سنوياً لاختبار تجربة روحية.
تستند هذه الرؤية إلى الأنثروبولوجيا المغربية وتاريخ البلاد في التعايش والانفتاح على الثقافات المختلفة. ويحضر التقاطع بين المادي واللامادي في استثمار الفضاءات التراثية مثل جنان السبيل والمدارس التاريخية، لإحياء الثقافة التي أنتجتها في سياقها المعاصر.
فيما يتعلق بقدرة الجمال الصوفي على مواجهة قُبح الصراعات الرقمية، يراهن المهرجان على العودة إلى الأصول الغنية للتراث الصوفي، الذي يمتد لقرون من التراكمات الفكرية والفنية والموسيقية والفلسفية والروحية. ويُعد هذا التراث تعبيراً عن مخيال جماعي وذاكرة حضارية، يمكن الاستناد إليه لإعادة الإنتاج والتنمية.
يشمل العمل التربوي للمهرجان تقديم أعمال مستوحاة من التراث الصوفي في أشكال متنوعة، مثل المسرحيات والحكايات المقدمة للأطفال، بهدف إعادة ربط الأجيال الحالية بهذا التراث وإيجاد مساحة للتفاعل معه. ويتم ذلك عبر ليالي السماع والإبداعات الفنية واللقاءات والمحاضرات، لإخراج هذا الموروث من المكتبات والزوايا إلى الفضاء الثقافي العام.
تتناول الموائد المستديرة مواضيع مثل المقاربة العلاجية، وتجليات الابتلاء، ورحلة الشفاء في مثنوي الرومي، بهدف استكشاف إمكانات البحث التي يتيحها هذا التراث، ودراسة ممارسات مثل العلاج بالموسيقى، وفهم الكيفية التي تسهم بها في تشكيل حالات وجدانية معينة.
في مواجهة التيارات التي ترفض التصوف، يؤكد الصقلي أن هذا التراث هو علم وفلسفة واسعة، وليس مجرد ممارسات سطحية. ويشدد على أهمية العلم والمعرفة لفهم هذا المجال، الذي يشكل أساساً للحضارة المغربية وحضارات أخرى. ويُعد المهرجان أحد مظاهر الاهتمام بهذا التراث الحي.
يجمع المهرجان بين عناصر ثقافية متنوعة من مختلف أنحاء العالم، مثل “باخ والرومي” وإنشاد هيلدغارد فون بينغن، وطقوس الشاي اليابانية، والإنشاد الباكستاني والهندي، لخدمة فكرة الحوار الحضاري. ويؤكد على قدرة الحضارة الإسلامية على احتضان الأديان والثقافات المختلفة، وتعزيز قيم التسامح والتعددية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة